العنوان أقلام ينبغي أن تُرشّد
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008
مشاهدات 67
نشر في العدد 1798
نشر في الصفحة 43
السبت 19-أبريل-2008
معالم على الطريق
قرأت ما كتبته بعض الأقلام في الصحافة من العمل الإسلامي الدعوي في الأقطار الإسلامية المختلفة، وسعدت بالنقد الذي يدل على تتبع واهتمام بالدعوة الإسلامية وبانتشارها السلمي والتطوعي في الأقطار، وبجهود العاملين في هذا الحفل المهم، وحسن تنظيمهم في هذا المجال المهم، ولكن المتتبع لأصول النقد يجد أن هناك أمورًا معينة تؤثر كثيرًا في مجرياته منها:
أولًا: أن نيات الناس ومقاصدهم في التاريخ والنقد مختلفة، ولهذا تتعدد آراؤهم ووجهة نظرهم وتحليلاتهم في هذا الشأن.
ثانيًا: بعد الناقد عن الواقع الفعلي للجماعات وعن مجريات الأمور فيها، مما يتسبب في جعل نظرته سطحية وغير مطابقة للواقع.
ثالثًا: الحظر الموجود على الجماعات الإسلامية وعلى أنشطتها، مما يتسبب في سرية أنشطة الجماعات، ويندر إذاعة أخبارها المحجوبة أصلًا بمصادرة جرائدها وأنشطتها، وحظر فعاليتها في كل المجالات، وبهذا يكون النقد حكما على مجهول.
رابعًا: الإعلام المضلل والمنافق الذي لا يفتر عن إذاعة الأباطيل واختراعها، وتأويل ما يندر لظهوره من مواقف، محاولًا الاتهام والتوهين، ودس السموم للقضاء عليها.
خامسًا: الحملات الأمنية وتلفيق القضايا، وإعطاء الأحكام الجائرة مع وجود الإعلام المضلل تقر في عقول بعض الناس حقائق مزيفة.
سادسًا: غياب رجال البحث النزيه الذين يحاولون قول الحق ويستطيعون تحمل تبعاته خاصة في ظل أنظمة سلطوية لا تقبل الرأي آخر.
سابعًا: وجود أجهزة خاضعة للدكتاتوريات تحاول انتحال صفة البحث لتقدم زادًا مدخولًا ترتشف منه بعض المتعجلين وقليلو الخبرة، معتبرينه من الحقائق.
ثامنًا: ازدياد الأمية الثقافية في الشعوب ووجود ثقافة الجرائد والإعلام المصنوع والمؤمم الذي يتربع على عرشه دجاجلة وزبانية أنظمة.
تاسعًا: مساعدة الأنظمة العالمية المعادية للإسلام والمتحالفة مع سلطاتنا في محاولة كبت وتلويث كل عمل إسلامي مهما كانت فاعليته ونقاوته.
عاشرًا: ندرة الردود من الجماعات على هذه الأغاليط عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63)، مما جعل طلاب الحق في حيرة لا يجدون الطريق، ولا من يأخذ بالأيدي، لهذا ولغيره جعل العالمون المخلصون يقولون: «خَلاَ لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي».
ونحن بدورنا نود أن ندلي في الموضوع لبيان ما التبس على البعض من قضايا قد تكون غائبة عن مخيلته، أو بعيدة عن متناول يده، فنعرض لقضية معينة كمثال: من حديث الباحث عن التنظيم الدولي، أشار إلى أن الشيخ البنّا -رحمه الله- قامت جماعته على فكرة الوحدة الإسلامية وإعادة الخلافة الغاربة، ولم يكن يمانع أن يبدأ دعوته في أي بلد إسلامي لهذا الغرض، وقد بحث فعلاً عن أصلح البلاد الإسلامية ليبدأ فيها دعوته ويبذر في أرضها النواة الأولى، وسافر إلى الحج ليلتقي الوفود الإسلامية للبحث في هذا الغرض، ورشحت له بعض الدول منها اليمن، وبعد البحث وجد أن مصر هي أنسب الدول وأصلحها للبدء بالدعوة ثم قام الشيخ البنّا -رحمه الله- بتأسيس قسم الاتصال بالعالم الإسلامي في مصر ليكون نواة للعمل الإسلامي في الأمة الإسلامية، وعبر هذا القسم اتصلت الجماعة بالطلاب العرب والمسلمين الذين كانوا يدرسون في مصر، وبعد تخرجهم ورجوعهم إلى بلادهم قيادات إسلامية وضعوا نواة للإخوان المسلمين في بلادهم، وكانوا خيرًا وبركة على شعوبهم، وعونًا لتوجيه الشباب إلى الجادة والطريق المستقيم بغير عنف أو حنق أو اعتداء، وواقع الإخوان في الأقطار الموجودين فيها خير شاهد على ذلك وكذلك في المجتمعات التي يعيشون فيها، شرقية أو غربية، في وقت اشتعلت فيه النيران كاشتعالها في الهشيم بشباب تاه الطريق، وضل التوجيه وبعد عن دعوة الإخوان المسلمين وذلك لأسباب مختلفة، منها المظالم والمطاردات والقهر الذي يتعرضون له.
ثم لا ندري والله ما الأسباب التي تجعل البعض يكره اتحاد الأقطار الإسلامية والعمل على لم الشمل ووحدة الهوية وتجميع طاقات الأمة على هدف واحد، وتعاون مشترك؟!
والاتحاد بركة وقوة وعز وفلاح، إذا تألفت القلوب، واتحدت الأهداف، والأمة في حاجة ماسة إلى ذلك، لبناء نهضتها، وقيام عزتها، خاصة في عصر تجمعت فيه الذئاب وتوحدت فيها السباع نحونا، وتولى بعضهم بعضا ضدنا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73)، وكان الأولى أن يشكر صاحب هذا الفكر الرشيد وأن يشجع هذا التوجه الناهض؛ ولكن أن يكون الواقع هو العكس فهذا أمر يدعو إلى الريبة والحذر، ويلفت النظر إلى أصحابه ومروجيه، ويضع علامات استفهام كبيرة، تحض على البحث عن خلفيات هؤلاء، وغرض أولئك، وسواء ضل هؤلاء أم رشدوا فهم مسؤولون منا ينبغي إرشادهم قبل أن يكونوا عونًا لأعدائنا، أو يقعوا فريسة الجهل والتضليل ضدنا:
بذلتُ لهمْ نصحيِّ بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى *** فَلَمْ يَسْتَبينوا النّصْحَ إلاّ ضُحَى الغَدِ
إن تلمس الأخطاء للمصلحين، والباحثين للبراء عن العيب شيء محزن ومقرف.
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم *** ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان عن شيمي *** أنا الثريا وذان الشيب والهرم
وبعد: فهل يصح إلا الصحيح وصدق الله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، (الرعد: 17)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل