; أكبر تحد لإعادة انتخاب الرئيس بوش استمرار تراجع الاقتصاد الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان أكبر تحد لإعادة انتخاب الرئيس بوش استمرار تراجع الاقتصاد الأمريكي

الكاتب عبدالكريم حمودي

تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2004

مشاهدات 78

نشر في العدد 1595

نشر في الصفحة 48

السبت 03-أبريل-2004

يتضح من التقارير والدراسات الاقتصادية الراصدة لأداء الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات الثلاث الماضية، أن البرنامج الاقتصادي للرئيس بوش، بما في ذلك خطة الخفض الضريبي التي تبلغ قيمتها حوالي ۱٫۷ تريليون دولار (۱۷۰۰ مليار) لم ينجح في انتشال الاقتصاد الأمريكي من حالة الركود التي بدأت مع الإدارة الحالية رغم الترويج لاحتمالات النمو والتقدم، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة بوش لمعركة الانتخابات القادمة، بالنظر لما تمثله الملفات الاقتصادية من أهمية في حسم المعركة.

ومما يزيد قلق الرئيس بوش وأركان إدارته، أن الاقتصاد العالمي والأمريكي بشكل خاص يعانيان من مظاهر خلل كبيرة، فاستنادًا إلى آخر تقرير للأمم المتحدة، فإن الاقتصاد الأمريكي وبعد ثلاث سنوات من الركود، يعاني من مظاهر خلل تهدد برفع معدلات التضخم وإحداث اضطراب في التدفقات الاستثمارية، ولن تتبدد تلك المظاهر (تلقائيًا) بفعل الانتعاش العالمي، بل على النقيض يتوقع أن تتزايد حدة الخلل في عام ٢٠٠٤، فمعدل البطالة الأمريكي وصل في يناير الماضي إلى ٥.٧٪ كما لم ينته المنحنى التنازلي. للدولار، وأسعار الفائدة في أدنى مستوياتها التاريخية، والعجز التجاري لا يزال مقلقًا. 

وأوضحت بيانات الحكومة الأمريكية أن الناتج المحلي الإجمالي نما بعد احتساب التضخم بنسبة ٣.١٪ في العام الماضي، ارتفاعًا من ٢.٢٪ في عام ٢٠٠٢ لكن هذا المعدل أقل من معدل النمو المسجل في عام ۲۰۰۱ والبالغ ٣,٧٪.

ويعتقد العديد من الخبراء أن التأثيرات السلبية لأداء السنوات الثلاث الماضية، ألحقت بالاقتصاد الأمريكي خسائر كبيرة، ووضعته أمام مجموعة من التحديات لعل أهمها:

أولا: تفاقم عجز الميزانية الاتحادية شهد عهد الرئيس بوش خلال السنوات الثلاث السابقة، تدهورًا حادًا في وضع الميزانية الاتحادية بعد أن ورث فائضًا قياسيًا فيها من سلفه الرئيس كلينتون، وتشير التوقعات إلى أن عجز الميزانية الاتحادية سيبلغ مستوى قياسيًا هذا العام ربما يتجاوز نصف تريليون دولار، ففي التوقعات نصف السنوية لمكتب الميزانية في الكونجرس تنبأ المكتب غير الحزبي بأن يبلغ العجز ٤٧٧ مليار دولار في عام ٢٠٠٤، فيما يقول الديمقراطيون إنه من المتوقع أن يبلغ العجز في الميزانية أكثر من ٥٠٠ مليار دولار مقابل ٢٧٤ مليار دولار في عام ۲۰۰۲ أي ما يعادل ٥.٣٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى وجده باحثون في مجلس الاحتياط الفيدرالي في دراسة لهم: أقصى ما يمكن الاقتصاد صناعي احتماله، وقد يرتفع هذا العجز في حال فرضت نفقات إضافية أو جرى تخفيض الضرائب التي تشكل محور برنامج بوش الاقتصادي. 

ويأتي العجز الزائد عن المتوقع على الرغم من توقعات المكتب بارتفاع معدل النمو الاقتصادي إلى ٤.٨٪ هذا العام و ٤٠٢% في عام ٢٠٠٥ إذ لن تعوض مكاسب الانتعاش زيادات الإنفاق المتمثلة في زيادة نفقات الرعاية الصحية ٤٠٠ مليار دولار ومبلغ ۸۷ مليار دولار الذي وافق عليه الكونجرس مؤخرًا لإعادة إعمار العراق. وإذا ما أضفنااختلالات موازنات الولايات المتحدة وعجز ميزانها التجاري، فإنها تواجه مستوى غير مسبوق في ديونها الخارجية.

وقال المكتب: إن عجز الميزانية التي يبلغ حجمها٢.٤ تريليون دولار في السنة القادمة سيتراجع إلى ٣٦٤ مليار دولار، بزيادة عن توقعه السابق البالغ ٢٤١ مليارًا، حيث شملت الميزانية تقييد العشرات من البرامج المحلية، وحدد جدولًا زمنيًا لتقليص العجز على مراحل واستهدف خفض العجز إلى ٢٤١ مليار دولار في عام ٢٠٠٧ ثم إلى ٢٣٧ مليارًا في عام، ٢٠٠٩ ورغم ذلك توقع البيت الأبيض أن يبلغ إجمال العجز حتى عام ۲۰۰۹ نحو ١٣٥ تريليون دولار و  2,4تريليون دولار حتى ۲۰۱۳ وأن تزيد ديون الحكومة من ٨.١ تريليون دولار إلى ٠.٥ تريليون دولار.

ثانيا: تداعي الوضع المالي

يؤكد خبراء الاقتصاد والمال أن كافة الدلائل تشير إلى استمرار تراجع الوضع المالي للولايات المتحدة، وهو ما دفع صندوق النقد الدولي إلى تحذير واشنطن، فقد جاء في تقرير له أصدره في السابع من يناير ٢٠٠٤ أن زيادة ديون الولايات المتحدة (الخارجية) تمثل تهديدًا للاقتصاد العالمي، وأن هذه الديون اتخذت أبعادًا حطمت الأرقام القياسية السابقة، ووصف التقرير الأساسي المالي للولايات المتحدة بأنه (متداع) SHAKY، وشكله في حكمة قيام حكومة بوش بخفض الضرائب، يحذر من أن العجز الكبير في الميزانية يشكل خطرًا شديدًا لا يقتصر عليها وإنما يشمل باقي العالم، وأوضح الصندوق أن صافي التزامات الولايات المتحدة إزاء العالم الخارجي ربما تعادل خلال بضعة أعوام ٤٠٪ من إجمالي اقتصادها.

هو مستوى لم يسبق له نظير، وترجع خطورته إلى أن شهية الولايات المتحدة النهمة للاقتراض قد تزيد من أسعار الفائدة، وتبطئ بذلك الاستثمارات والنمو الاقتصادي العالمي، كما تؤثر على الناتج في دول العالم.

وحذر اقتصاديو الصندوق من أن الدلائل المالية في الأجل الطويل تبدو أكثر قتامة، وأن عدم رصد ميزانيات كافية للضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، سيؤدي إلى عجز يبلغ ٤٧ تريليون دولار على مدى السبعين عامًا المقبلة، أي نحو خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السنوي في الولايات المتحدة في العقود الآتية، وأيد ما ذهب إليه اقتصاديو صندوق النقد الدولي الخبير (جون فيل) أكبر استراتيجي مجموعة سيزومو للأسهم والسندات إذ قال: إن تقرير الصندوق يعكس قلق العديد من المستثمرين الأجانب، وأن الدولار الأمريكي لم يعد يتمتع بالمركز الملاذ الآمن في الأعوام الأخيرة، وفيما يرى اقتصاديون آخرون أن انخفاض قيمة الدولار سيعزز الصناعة الأمريكية، ويجعل المنتجات الأمريكية أرخص في البلدان ذات العملات الأقوى: يرد اقتصاديو الصندوق بأن خفض الضرائب وعجز الميزانية، قد يؤديان إلى رفع سعر الفائدة بمعدل ١٪ في العالم الصناعي كما يهبط في نهاية الأمر بالإنتاجية في الولايات المتحدة.

ثالثًا: زيادة الإنفاق الدفاعي 

دفعت أحداث سبتمبر الولايات المتحدة إلى زيادة إنفاقها على الدفاع والأمن الداخلي بشكل غير مسبوق في تاريخها، حيث تواصل وزارة الدفاع المطالبة بزيادة ميزانيتها لتلبية الإنفاق العسكري المتزايد، وخاصة في أفغانستان والعراق، وقال مسؤولون بالوزارة في ٢٣ يناير الماضي إن الوزارة ستطلب من الكونجرس الموافقة على زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة ٧٪ ليصل إلى ٤٠١.٧ مليار دولار خلال السنة المالية ٢٠٠٥، وزيادة الإنفاق على وزارة الأمن الداخلي بنسبة ١٠٪. 

وقال المسؤولون إن هذه الزيادة للسنة المالية التي تبدأ في أول أكتوبر المقبل جزء من اقتراح الميزانية التي تبلغ٢.٤ تريليون دولار الذي سيرسله الرئيس بوش إلى الكونجرس بالمقارنة مع الإنفاق العسكري الحالي الذي يبلغ ٣٧٥ مليار دولار.

ویری بعض الخبراء الغربيين أن استمرار زيادة الإنفاق العسكري لحفظ التفوق الأمريكي سيؤدي إلى تأكل مكانة الولايات المتحدة، وهو ما ذهب إليه أحد أعلام الأنثروبولوجيا في جامعة أوكسفورد، وأهم المنظرين في علم الاجتماع في كتابه (الإمبريالية الجديدة بين حفظ التفوق الأمريكي وأضخم انتحار اقتصادي في التاريخ) الذي نشر في أكتوبر ۲۰۰۳ بقوله إن تكاليف الحرب في العراق ستبلغ في تقديره ٣٠٠ مليار دولار، وهناك أيضًا ٣٠٠ مليار دولار هي حجم الديون الماضية والمطالبات المترتبة على العراق. 

ولذلك ليس أمام أمريكا من خيار آخر سوى الدخول في دائرة الاستدانة لتمويل مشروع الحرب لتؤدي مقتضيات ذلك، إضافة إلى الركود الاقتصادي وتخفيض الضرائب واستحقاق ٢٠٪ من الديون الأمريكية لجهات ومصالح أجنبية ، إلى تأكل مكانة أمريكا وتعريض الإمبريالية الجديدة إلى عمليات التصحيح الداخلي والخارجي.

رابعًا: انخفاض سعر صرف الدولار

 كان من النتائج المباشرة للركود الاقتصادي في الولايات المتحدة وفشل سياسات خفض الفائدة على الدولار (وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ أربعين سنة وهو 1%) كان من نتائج ذلك تراجع مزدوج للدولار: الأول ويتمثل في تراجع مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية لصالح اليورو وعملات أخرى، والثاني تراجع قيمة الدولار أمام العملات الأخرى، فقد بلغ معدل التراجع في سعر صرف الدولار معدلات غير مسبوقة، وهو ما أكده رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي (آلان جرينسيان) في المحاضرة التي ألقاها أمام المصرف المركزي الألماني في برلين في ١٣ يناير الماضي ونشر مجلس الاحتياط من مقره الرئيس في واشنطن نصها والتي جاء فيها: أن الدولار انخفض بنسبة مقابل العملات الرئيسة، و ١٥٪ مقابل مجموعة كبيرة من عملات الشركاء التجاريين لأمريكا منذ أوائل عام ٢٠٠٢ والبالغ عددها ٣٦ بلدًا من كبار الشركاء التجاريين لأمريكا. 

وتوقع المحللون الاقتصاديون في «سيتي جروب» أن يتراجع سعر صرف الدولار مقابل العملات الدولية الرئيسة بنسبة ٢٠٪ (خمس قيمته) على مدى السنتين المقبلتين، وسيؤدي استمرار التراجع في قيمة الدولار إلى دفع المستهلكين الأمريكيين إلى زيادة وارداتهم من المنتجات والسلع الأمريكية على حساب المنتجات والسلع الأوروبية واليابانية، أو تحمل خسائر المشتريات من أوروبا واليابان، بأسعار عالية نتيجة ارتباط عملاتهم بالعملة الأمريكية.

وتقول المؤسسات المالية الدولية، إن المستثمرين الأجانب يقومون بالفعل حاليًا ببيع ما لديهم من الدولار، في ردة فعل على السياسة المالية الطائشة لواشنطن، وتحذر هذه المؤسسات من أن هذا البيع يمكن أن يتسارع ويخلق أزمة نقدية.

وتوقعت مؤسسة «ميريل لينش» احتمال انخفاض أسعار صرف الدولار مقابل عملات مجموعة الشركاء التجاريين لأمريكا بنسبة إضافية قد يصل مقدارها إلى ١٠٪ سنة ٢٠٠٤ علاوة على أن ضعف الدولار، والدور المتوقع أن يلعبه في إعادة رسم خريطة الطلب الدولي سيساهمان في تمديد فترة التصحيح حتى منتصف سنة ٢٠٠٥.

خامسًا: إضعاف قدرة الإنفاق عند المستهلك الأمريكي

يمثل الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة ثلثي الاقتصاد، وكان من الطبيعي أن ينعكس الركود وضعف النمو على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأمريكيين، ويضعف من قدرتهم الشرائية؛ بسبب وقوع الكثيرين منهم بين فكي الفقر والبطالة، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى التقرير الحكومي الذي قال: إن تحول ١.٧ مليون فرد دخلوا في عداد الفقراء خلال عام ٢٠٠٢ فقط، مع تراجع الدخل للعام الثاني على التوالي.

وبشكل عام زادت نسبة الأمريكيين الذين يعيشون دون حد الفقر للعام الثاني على التوالي إلى ١٢.١٪  من ١١.٧٪ عام ٢٠٠١.

وفي ضوء المعلومات السابقة فإن الاقتصاد الأمريكي يمر بمرحلة صعبة تزيدها تعقيدًا الحرب الأمريكية في العراق، وزيادة الإنفاق العسكري فيها، دون بروز أي مؤشر على قرب الخروج من مأزقها، وإذا ما استمرت الأوضاع الاقتصادية الحالية على ما هي عليه في الوقت الحاضر، فإنها سوف تشكل خطرًا على مستقبل الرئيس الأمريكي، وفرص نجاحه في الانتخابات القادمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل