العنوان ألبانيا: عودة الملك هل ستحل الأزمة في ألبانيا أم تنقذ بريشا؟
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1251
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 27-مايو-1997
بریشا يلعب بورقة الملكية المتشددة في وجه اليونان وأمريكا للعدول عن المطالبة بإقالته.
تتأرجح التحالفات في ألبانيا وسط خريطة سياسية معقدة ويحكمها في النهاية تكتلان: اليمين واليسار.
تتزامن عودة «ليكا زوجو» ملك ألبانيا إلى البلاد مع تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية، فيما تستعد جميع القوى السياسية لخوض الانتخابات التشريعية في يونيو القادم.. الملك العائد الذي رحل عن البلاد وهو طفل رضيع لم يمر على ولادته سوى يومين فقط جاء إلى ألبانيا حالمًا باستعادة الملك فقد عاش مشردًا في بلاد الله لكنه أفلح في أن يكون رجل أعمال معروفًا عاش حينًا من الدهر في قاهرة المعز متذكرًا مجد أجداده، ثم انتقل إلى جنوب إفريقيا لكي يصنع من نفسه تاجرًا معروفًا في أوساط التجارة والمال.
في الوقت الذي عاد فيه الملك زوجو إلى ألبانيا عاد إلى دول قريبة ملوك فقدوا عروشهم. فقد عاد ملوك رومانيا وبلغاريا وصربيا، لكن جميعهم لم يحظوا بما حظي به ملك ألبانيا، والذي حتى قبل وقت قريب جدًا كانت السلطات الألبانية ترفض السماح له بالدخول إلى بلده بحجة أنه خطر على وحدة ألبانيا والأمن العام، والآن عاد ليكا واستقبل استقبال الفاتحين، فقد سمحت السلطات الألبانية لأنصاره باستقباله في المطار وعلى طول الطريق من المطار إلى تيرانا رافقته العديد من سيارات الشرطة والمراسم واستقبله في المطار مندوبون عن الحكومة الائتلافية والأحزاب السياسية، وكان أول تصريح له «تريد السلام والوحدة»، ثم التقى الملك مع كافة التيارات الحزبية والسياسية بدءًا برؤساء الأحزاب إلى رئيس الحكومة ورئيس البرلمان ثم الرئيس صالح بريشا وقد أثنى الملك العائد على بريشا ودوره في الحفاظ على وحدة ألبانيا. يرى كثير من المراقبين حتى في صفوف الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه الرئيس الألباني أن بريشا وحزبه هما اللذان قاما بدعوة الملك للعودة في هذه الظروف الصعبة آملين من وراء ذلك تحقيق الأهداف التالية:
1- دعم اليمين الديمقراطي في مواجهة اليسار وخلق تجمع على غرار ما حدث في بلغاريا مؤخرا، حتى يتغلب على اليسار المتترس بلجان الإنقاذ في محافظات الجنوب أملًا منه في الفوز بمقاعدها.
2- اللعب بورقة الملكية إذا ما أصرت دول كاليونان أو أمريكا في المطالبة بإقصاء بريشا من الحكم، فسيكون البديل هو الملك المعروف بتشدده فيما يخص وحدة أراضي ألبانيا و«ألبانيا لكل الألبان»، أو ما يعرف بألبانيا العرقية.
3- إظهار الرئيس بمظهر «المستغني عن الحكم» في حال إذا ما وافق الشعب في استفتاء على عودة الملكية.
وفي قراءة متأنية لهذه الأهداف نجد أن عودة الملك الذي أطاح به الشيوعيون يعد انتصارًا لليمين الذي يتزعمه الحزب الديمقراطي، كما أن للملك حزبه المعروف بالشرعية الملكية، وقد تعاون الحزبان في انتخابات المحليات السابقة (أكتوبر ١٩٩٦م) وقد ترك الديمقراطيون لأنصار الملك محافظة شكودرا الشمالية بكاملها، كما أيد بريشا في اجتماع 9 مارس الماضي فكرة إجراء استفتاء جماهيري لاختيار شكل الدولة القائمة هل تكون ملكية أم جمهورية وهو الأمر الذي اعتبره البعض تنازلًا من جانب بريشا لكنه كان ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك وهو دعم حزب الملكية له في الانتخابات القادمة.
الملك الباحث عن العرش:
وكان أول ما صرح به الملك الباحث عن عرشه «نريد السلام والوحدة» وهو ما ترجم إلى حرصه على وحدة ألبانيا في مواجهة محاولات البعض تقسيمها أو على الأقل خلق كيانات متصارعة داخل الوطن الواحد، ورغم أن الملك ينتمي إلى شمال ألبانيا مثله مثل بريشا، إلا أن تصريحاته أعطت انطباعات لدى المواطنين بأنه لن يكون شمالي التوجه أو أنه سيتصارع مع الجنوب وبالفعل بدأ الملك زياراته إلى مختلف محافظات ألبانيا حيث بدأ بمسقط رأس أبيه «أحمد زوجو» في الشمال وكم كان متأثرًا حين قال وهو يزور هذا المكان لأول مرة في حياته «ما أحلى الشعور بأن المرء وسط أهله وعشيرته وإخوانه» لكن الخطوة التالية كانت المفاجأة فقد أصر على زيارة مدينة فلورا «مدينة التمرد على بريشا» رغم أن البعض حاول إثناءه عن القيام بمثل تلك الزيارة. ولم تقف المفاجأة عند هذا الحد بل إن الاستقبال الحاشد للملك لا في فورا وحسب بل على طول الطريق المؤدية إليها كان مفاجأة أخرى قلبت الحسابات خصوصا بين اليساريين الذين راهنوا على فشل الزيارة.
ورغم أن الملك العائد يعد ثريًا إلا أن البعض قال إن كل ما يملكه الملك لا يرقى إلى ما يملكه أقل مغامر من أصحاب شركات التوظيف في ألبانيا، وذهب البعض بعد هذا الاستقبال إلى القول بأن العصا التي استخدمها بريشا وهي عودة الملك قد تلقف ما صنع وما يخطط له، فقد يصبح الملك ملكًا حقيقيًا وقد يتعاطف الشعب معه خصوصًا بعد تصريحاته المتزنة فيما يخص احترام إرادة الشعب حين صرح مؤخرًا «إذا خسرنا الاستفتاء سأتشرف بأن أكون مواطنًا ألبانيًا».
ومن الواضح أن عودة الملك قد أتت أكلها فيما يخص الحفاظ على وحدة التراب الألباني فقد خفت حدة التوتر في الجنوب بدرجة كبيرة وكفت اليونان عن الزعم بتعرض أقليتها إلى الاضطهاد أو المطالبة باستقالة بريشا علنًا، وهو ما فسره البعض على أن اليونان تدرس بجدية احتمالات عودة الملك بالفعل، وفي هذه الحالة فإن بريشا سيكون أرحم بكثير من الملك الذي يطالب بحدود ألبانيا الكبرى قبل عام ١٩١٥م الأمر الذي قد يثير إزعاجًا جديدًا في المنطقة. لكن الملاحظ أن الهدف الثالث والذي سما إليه بريشا جاهدًا وهو إبراز أنه ديمقراطي وغير حريص على المنصب لم يتحقق بالدرجة الكافية. فبعد الأحداث التي عصفت بألبانيا فقد الشارع الألباني ثقته بالسياسة ورموزها بما فيهم بريشا ورغم محاولات التلميع التي يبذلها إلا أن صورته وبريقه السابق لم يعد مرة أخرى، ويحاول بريشا في لقاءاته مع المعارضة أن يبدو لينًا وديمقراطيًا ويصر على إذاعة جلساته معهم كاملة وأحيانًا على الهواء لإحراج المعارضين الذين ينالون منه بشكل سافر ويستفزونه، ولكنه يحاول امتصاص كل ذلك للوصول إلى قلوب الناس والحصول على تعاطفهم، لكن الشعب الألباني يرى أنها محاولات للحفاظ على الكرسي لا أكثر، فقد اعتاد الألبان أن يروا بريشا قويًا ساحرًا ذا بريق، ومن الصعب عليهم أن يقبلوه في صورة مغايرة.
ويبقى الهدف الكبير من وراء عودة الملك وهو خلق تجمع يميني على غرار ما حدث في بلغاريا مؤخرًا والذي بفضله تم إقصاء اليسار فيها عن الحكم بعد أن أقصي عن الرئاسة قبل شهور قليلة فكثير من أحزاب اليمين قد طالتها يد القهر. من الشيوعيين السابقين، وكثير منها يرى عدم وجود فروق بين الاشتراكيين الحاليين والحزب الشيوعي السابق، بل إن الكثيرين يرون بأن رئاسة فاتوس نانو للحزب الاشتراكي الحالي. رغم كونه رئيسًا للوزراء في أواخر عصر رامز عليا خليفة أنور خوجا، واتهامه بالفساد والحكم عليه بالسجن في عهد بريشا يرون -في كل ذلك- استمرارًا للشيوعيين القدامى وإصرارهم على عدم تغيير توجهاتهم بما يتناسب مع العصر الحديث، بل إن البعض يرى أن طريقة خروج فاتوس نانو من السجن ثم العفو (الإجباري) الذي ناله من بريشا يعد إهانة للحزب الذي لا يملك أن يقول له (لا) وخصوصًا أن نانو كان يقود الحزب من داخل سجنه الأمر الذي صوره البعض على أنه ديكتاتورية أشبه بديكتاتورية أنور خوجا، كل ذلك يدفع الأحزاب اليمينية، رغم خلافها مع طريقة بريشا في ممارسة الديمقراطية إلى التحالف مع الديمقراطي في المرحلة القادمة، كما أن هناك أسبابًا إضافية منها:
1- بعض هذه الأحزاب جديد وليس لها مثل تواجد الحزب الديمقراطي، وهي تطمع أن تستفيد من خبراته في الانتخابات لضمان دخول البرلمان بأكبر عدد ممكن.
2- رغبة بعض الأحزاب اليمينية القديمة مثل (الجبهة الوطنية) وهو حزب وطني له دوره في مقاومة الاحتلال الإيطالي يرغب في العودة إلى ماضيه واستعادة شعبيته السياسية القديمة.
3- خوف معظم هذه الأحزاب من عودة الشيوعيين ولو تحت مسمى الاشتراكيين، لأنهم يعتقدون أن اليسار الألباني مازال متجمدًا عند مرحلة الحزب الواحد.
4- بعض هذه الأحزاب خاض تجربة التحالف الحكومي «سمح له الحزب الديمقراطي بالمشاركة في الحكم» مثل الحزب الجمهوري.
5- تشكيل حكومة ائتلافية جديدة هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار ديكتاتورية الفرد والحزب، وذلك بعدم تفرد حزب بأغلبية تمكنه من تغيير القوانين وإعطاء صلاحيات للرئيس.
6- استمرار اليمين المتحد في الحكم يرضي أوروبا وأمريكا التي لم تجد طريقًا سهلًا للتعامل مع بريشا طوال سني حكمه ولم تفلح في فتح قنوات جيدة مع حزبه، وهو ما علق عليه أحد كبار المسؤولين في الحزب قائلًا «لا نعرف ماذا تريد أمريكا حتى الآن، فهي لا تريد بريشا ولاتريد الشيوعيين»، ولكن الشيء الذي بات مؤكدًا لديهم هو أن أمريكا تريد ائتلافًا لا حزبًا واحدًا، وتريد رئيسًا شرفيًا ترضى عنه كل الأحزاب ويكون من خارج دوائر الأحزاب «شخصية مستقلة».
والخريطة الحزبية التي يطمع بريشا في رسمها من أجل خلق هذا التجمع اليميني قد تضم:
1- الحزب الديمقراطي «الحاكم حتى قبل 9 مارس ۱۹۹۷م»
2- حزب الجبهة الوطنية وله ثلاثة مقاعد في البرلمان الحالي وقد صرح مسؤولوه بأنهم مع التحالف اليميني.
3- حزب الشرعية الملكية PLL وليست له مقاعد في البرلمان ولكنه ممثل في المحليات وهو حزب حديث النشأة.
4- حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي وهو منشق عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي ويرأسه وزير الثقافة السابق وهو من أشد مؤيدي بريشا ومن أنصار التحالف اليميني
5- المسيحي الديمقراطي وهو حزب جديد لا يملك مقاعد في البرلمان ولكنه ممثل في المحليات. يسعى إلى إبراز صورته، وإيجاد موقع له ضمن منظومة الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا.
6- الحزب الجمهوري وهو يمثل علامة استفهام حاليًا، فبرغم أنه شارك بريشا في الحكومات السابقة إلا أنه حتى الآن لم يصرح برغبته في دخول التحالف.
والحزب له خمسة مقاعد في البرلمان الحالي وهو لا يؤيد إطلاقًا التحالف مع اليسار.
آمال اليسار :
إذا كان هذا هو حال أحزاب اليمين فما هو حال اليسار؟، يعتقد اليسار الألباني أن فرصته الآن أفضل من قبل وذلك للأسباب التالية:
1- السخط الشعبي من سياسات الحزب الديمقراطي التي أودت بمدخراتهم.
2- غضب أوروبا وأمريكا على بريشا وممارساته وفرض قانون الطوارئ وإعادة ترشيحه أثناء فرض قانون الطوارئ
3- لجان الإنقاذ والتي استولت على المحليات خصوصًا في الجنوب تعد ورقة رابحة يحاول اليسار الاستفادة منها، فبفضل هذه اللجان لا يستطيع أي مسؤول من الحزب الديمقراطي حتى من المحليين أن يعلن تأييده لبريشا أو للحزب مما يعطي اليسار «هكذا يعتقد» الفرصة في نجاح مرشحيه في هذه المحافظات.
4- تأييد اليونان للحزب الاشتراكي قد يدعم من موقفه خصوصًا بعد أن يفهم المواطنون أن تقارب الاشتراكي مع اليونان قد يخدم ألبانيا اقتصاديًا.
وكما يفكر الحزب الديمقراطي في تشكيل جبهة لليمين فإن الاشتراكيين بدورهم يفكرون في تشكیل تحالف يساري يواجهون به التجمع اليميني.
ورغم ارتفاع صوت اليسار وفجاجة خطابه فإنه حتى الأحزاب المعارضة لبريشا تخشى من تسلط الحزب الاشتراكي وهيمنته عليها حال تحالفها معه، الأمر الذي يدفع بالتشكيك في قيام هذا التحالف ويقلل من نتائجه.
ويعتمد الحزب الاشتراكي على:
1- الحزب الاشتراكي الديمقراطي والذي يكن العداء الشديد لبريشا وحزبه.
2- حزب الوحدة الوطنية وهو حزب صغير.
3- حزب الأقلية اليونانية ورغم كونه حزبًا يمينيًا إلا أنه موالٍ لليونان، وعلى ضوء توتر العلاقة بين بريشا واليونان فقد يتحالف الحزب مع الاشتراكيين.
4- حزب الخضر.
ويبقى أمل الاشتراكيين معقودًا على حزب التحالف الديمقراطي والذي يرأسه (نريتان سيكا) والذي انشق قبل سنوات عن الحزب الديمقراطي بعد اصطدامه ببريشا ولكن سيكا حتى الآن لم يعلن موقفه رغم تأييده لليمين في مواقف سابقة. وهكذا يبدو أن عودة الملك قد تساهم بشكل أو بآخر في إعادة صياغة الخريطة السياسية في ألبانيا، وسواء عاد الملك ليحكم أو عاد ليشارك كمواطن فإن الأهداف التي رسمت من وراء عودته قد تكون تحققت.