العنوان ألغاز في كارثة العبارة
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006
مشاهدات 79
نشر في العدد 1688
نشر في الصفحة 31
السبت 11-فبراير-2006
خيمت كارثة العبارة «السلام ۹۸» على الأجواء المصرية، فغطت على فرحة المصريين بفوزهم الكروي، وأثرت على غضبهم ضد الإساءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإهمال المسلمين وعدم قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم أخطر وأشد إثماً في الميزان من تأخر إظهار الغضب على الإساءات التي لحقت بالنبي العظيم صلى الله عليه وسلم، أو عدم تزايدها، لأن الله تعالى تكفل بحفظ سيرته العطرة حياً وميتاً: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 95 – 99).
فهل أحسنا عبادة الله حقاً ونحن نتسبب بإهمالنا وسكوتنا عن الحق وقعودنا عن محاسبة المسؤولين وتغييرهم- في كوارث تتلو كوارث- في مجال واحد تقريباً هو النقل والمواصلات وتحصد سنوياً أرواح أكثر من عشرين ألفاً من المصريين والسياح كان آخرهم- قبل كارثة العبارة التي راح ضحيتها قرابة الألف- عدد من المسيحيين والصينيين في طريق عودتهم من رحلة سياحية.
اللغز الأول: أين الحكومة؟
هناك كوارث متكررة لم يكن آخرها كارثة قطار الصعيد الذي تقدم رئيس كتلة الإخوان في البرلمان السابق د. محمد مرسي، باستجواب خطير بشأنه لم تستجب الحكومة في نهايته للتقارير ولا للاقتراحات المقدمة من لجان البرلمان، وكان جزاء د. مرسي هو إسقاطه عمداً وتزويراً في دائرته بندر الزقازيق في الانتخابات الأخيرة!
الحكومة الجديدة هي حكومة رجال أعمال تعرف لغة البيزنس، فقط والربح بأي طريقة على مذهب صاحب شركة السلام ممدوح إسماعيل، الذي هو في الوقت نفسه عضو بالحزب الوطني وعضو بمجلس الشورى ويقال إنه شريك لاسم كبير في عالم السياسة المصرية!
غابت الحكومة عن متابعة الحدث وإنقاذ الركاب، بعد أن غابت في التخطيط والإشراف على قطاع النقل البري والبحري بعد الكوارث المتتالية.
لقد اختفت العبارة عن شاشات الرادار ولم تتحرك أجهزة البحث عنها إلا بعد أكثر من ١٦ ساعة (من ١٠ مساءً حتى ٢ ظهراً) وتأخرت عمليات الإنقاذ طويلاً، وشاركت فيها كل الأطراف بعد أن ظهر العجز الحكومي عن إنقاذ هذا العدد الكبير من الضحايا.
اللغز الثاني: أين دور مجلس الشعب؟
لقد مارس المجلس السابق أقوى أداة رقابية ضد الحكومة السابقة وهي الاستجواب، وكانت الإدانات واضحة في كوارث عديدة مثل احتراق قطار الصعيد وانهيار عمارة مدينة نصر، ثم يأتي القرار المعد سلفاً بالانتقال إلى جدول الأعمال وأحياناً بتجديد الثقة بالحكومة، ولا يستقيل وزير واحد حتى لو ذراً للرماد في العيون.
هناك خلل دستوري واضح ضعف السلطة التشريعية والرقابية الممثلة في مجلس الشعب أمام سطوة وقوة وجبروت السلطة التنفيذية التي يمارسها رئيس الجمهورية بواسطة مجلس الوزراء الذي لا يمكن اعتباره إلا مجرد سكرتارية للرئيس. حيث لا يملك مجلس الشعب إقالة الوزارة أو أحد الوزراء إلا بعد موافقة الرئيس.
كانت هناك فرصة لرئيس مجلس الشعب أن يثبت قوة البرلمان أمام جبروت الحكومة في مسألة عبور الباخرة "كليمنصو" الفرنسية التي أثيرت مؤخراً ولكنني ترحمت على الدكتور رفعت المحجوب الذي كان حريصاً على تقوية دوره ودور البرلمان، لكن د. فتحي سرور انحاز إلى الحكومة وقد كان بإمكانه أن يوجه لوماً إلى الحكومة التي تجاهلت وعودها بالعودة إلى البرلمان، وهو ما حاول نواب الإخوان لفت النظر إليه، فتحول د. سرور إلى أسد هصور ضد النائب مصطفى محمد، وصوّت على إخراجه من الجلسة قبل أن يعود إليها مرة أخرى.
لن نستطيع محاسبة المهملين والمقصرين والمفسدين دون إعلاء قدر المساءلة السياسية بجوار المساءلة الجنائية.
أما المساءلة السياسية فهي تتسم بالسرعة وتعطي أملاً للشعب في جدوى الإصلاح السياسي.
اللغز الثالث: أين المجتمع الأهلي المصري خاصة في مجال الإغاثة؟
لقد كان نواب الإخوان في مقدمة الحاضرين إلى موقع الحادثة في سفاجا لمتابعة الموقف عن قرب، وكان زملاؤهم في قاعة لجنة النقل والمواصلات يطالبون بتشكيل لجنة تقصي حقائق وفي الوقت نفسه كان وفد لجنة الإغاثة الإنسانية ولجنة الإغاثة والطوارئ بنقابة الأطباء واتحاد الأطباء العرب يقدمون القليل لأهالي الضحايا وللناجين، لكن منذ فرضت القيود على نشاط الإغاثة الإنسانية بعد كارثة زلزال ۱۹۹۲م لم تعد إلى سابق عهدها.