; ألف عام على وصول الإسلام إلى أوكرانيا | مجلة المجتمع

العنوان ألف عام على وصول الإسلام إلى أوكرانيا

الكاتب سالم صالح القرمي

تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2014

مشاهدات 53

نشر في العدد 2077

نشر في الصفحة 48

السبت 01-نوفمبر-2014

ألف عام على وصول الإسلام إلى أوكرانيا

كييف: سالم صالح القرمي

استناداً لما دوَّنه الرحالة العرب المسلمون وصل الإسلام إلى أوكرانيا مع القرن العاشر الميلادي

يمكن القول: إن شعوب هذه البلاد عرفت الإسلام عن طريق التجار والرعاة المتنقلين في نهاية القرن الثامن.. والنقود والمسكوكات والفخاريات الإسلامية تدل على ذلك

"توماس أرنولد" نقلاً عن أبي عبيدة البكري: وصل الإسلام إلى أوروبا الشرقية أول الأمر بفضل ما قام به فقيه مسلم سيق أسيراً في إحدى الحروب التي نشبت بين الدولة البيزنطية وجيرانها المسلمين

المؤرخون: بين عامي 1019 - 1024م أسلمت قبائل "البيتشنيك" التركية مع أميرهم المدعو "تيراخ" على يد أحد علماء المسلمين وتلك أول مجموعة مقيمة على الأراضي الأوكرانية الحالية تعتنق الإسلام

ضعُفَ الوجود الإسلامي في شرق ووسط وجنوب أوكرانيا مع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي وعاد للظهور مع السيطرة المغولية على السهول الجنوبية من أوكرانيا عام 1237م

يُرجح المؤرئون الروس والأوكران وصول الإسلام إلى أوكرانيا إلى القرنين الحادي والثاني عشر الميلاديين، ومنهم من يصل به القول إلى القرن الرابع عشر الميلادي، ولكن من خلال تتبع كتب الرحالة المسلمين، ومقتنيات المتاحف الروسية والأوكرانية من النقود والمسكوكات القديمة، فإننا نلحظ ومن خلال هذه الدراسة أن الإسلام وصل إلى هذه الأرض قبل هذا التاريخ بكثير.

وصلت قبائل "البيتشنيك" - يسميها العرب والفرس "باجاناك" – وهي قبائل ذات أصول تركية من آسيا الوسطى إلى سهول شمال البحر الأسود بين عامي 889 - 890م؛ وذلك بسبب جفاف مراعيهم؛ إذ كانوا يعتمدون في معيشتهم على رعي الماشية والخيول، وسرعان ما كثر عددهم وتوسعت أراضيهم، فقاموا بمحاربة جيرانهم من الخزر اليهود والبلغار في الشرق والشمال، وعقدوا اتفاقية صلح مع جيرانهم في الغرب (إمارة كييف - روس)، ثم ساندوا البلغار والروس ضد الروم البيزنطيين، وفي عام 915م ضموا شبه جزيرة القرم إلى دولتهم، ويعتقد الباحثون أن بعضهم قد أسلم في آسيا الوسطى قبل مجيئهم؛ بسبب احتكاكهم وتعاملهم مع العرب والفرس المسلمين.

وينقل "توماس أرنولد" في كتابه "الدعوة إلى الإسلام"، ناقلاً كلامه عن أبي عبيدة البكري (توفي 1094م): 

"وقد امتد الإسلام إلى أوروبا الشرقية أول الأمر بفضل ما قام به فقيه مسلم، سيق أسيراً، ربما في إحدى الحروب التي نشبت بين الدولة البيزنطية وجيرانها المسلمين، وجيء به إلى بلاد بتشنج Pechenegs في مستهل القرن الحادي عشر.

وقد بسط بين يدي كثير منهم تعاليم الإسلام، فاعتقدوه في إخلاص، حتى إنه أخذ في الانتشار بين هذا الشعب، أما سائر "البتشنج" الذين لم يكونوا قد قبلوا دين الإسلام، فقد ارتابوا من تصرف مواطنيهم، وانتهى بهم الأمر إلى نشوب القتال بينهم، وقاوم المسلمون - وكان عددهم يبلغ نحواً من اثني عشر ألفاً - هجمات الكفار بنجاح، مع أن هؤلاء كانوا أكثر منهم عدداً بما يزيد على الضعفين، ودخلت فلول المنهزمين دين المنتصرين، ولم تأتِ نهاية القرن الحادي عشر حتى كان الشعب بأسره قد اعتنق الإسلام، وكان من بينهم مسلمون تعلموا الفقه والتوحيد".

 ويبين بعض المؤرخين أنه بين عامي 1019 - 1024م، أسلمت قبائل "البيتشنيك" التركية، فقد أسلم حوالي 12 شخصاً مع أميرهم المدعو "تيراخ" على يد أحد علماء المسلمين والذي للأسف لا يُعرف اسمه، ويعتبر المؤرخون أن هذه أول مجموعة مقيمة (غير متنقلة) على الأراضي الأوكرانية الحالية تعتنق الإسلام، ثم بعد زمن أسلم عدد أكبر من نفس القبيلة.

وأصبح لقبائل "البيتشنيك" دور كبير في الحياة السياسية في مملكة "كييف – روس"، فقد عاشوا بسلام في كنفها، وقاتلوا إلى جانب الروس، وكانوا محاربين أشداء في جيش الأميرين "سفياتوبولك"، و"ياروسلاف"، واستمرت الحال كذلك حتى عام 1036م عندما قامت قبائل "البيتشنيك" بالهجوم على كييف في محاولة منهم للقضاء على مملكة "كييف – روس"، ولكنهم فشلوا وخسروا المعركة.

ولكن رغم ذلك استمرت دولتهم بعدها نصف قرن، حاربوا فيها الروم البيزنطيين، وتحالفوا مع السلاجقة الأتراك في آسيا الصغرى، واتفقوا معهم على الهجوم على القسطنطينية عاصمة الروم البيزنطيين من الجنوب حيث السلاجقة، ومن الشمال حيث "البيتشنيك"، واستمرت المناوشات والحروب مع الروم 40 عاماً.

وبدأت دولة "البيتشنيك" في الضعف والتقلص، ومع نهاية القرن الحادي عشر الميلادي انقسمت قبائلهم إلى ثلاثة أقسام: قسم هاجر إلى الغرب إلى أراضي المجر واندمج في المجتمع، وقسم بقي في الدولة البيزنطية، حتى الفتح العثماني للقسطنطينية ثم انصهروا مع الدولة العثمانية.

والقسم الثالث منهم بقي في سهول الجهة الشرقية من أوكرانيا وشكلوا قطعاً عسكرية قاتلت مع الروس، وكان يُطلق عليهم "أصحاب القبعات السود"، ثم ذابوا وانصهروا في المجتمع الأوكراني.

المؤرخون العرب.. وأوكرانيا

من خلال تتبعنا لكتب المؤرخين المسلمين، نلاحظ أن عدداً منهم تحدث عن الإسلام ودخوله لهذه البلاد، بل منهم من زار أراضي أوكرانيا وسكن فيها، كالرحالة إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي في عام (354هـ/ 965م)، والذي قام برحلة طويلة وسط أوروبا وشمالها وشرقها، فزار مايشكلالي وأجزاء من بولندا وتشيكيا وسلوفاكيا وهنغاريا وألمانيا وأوكرانيا، وأكد وصول الإسلام إلى هذه المنطقة في القرن العاشر الميلادي، وأورد معلومات واسعة عن الأحوال الاجتماعية والسياسية، ومعلومات نادرة عن شكل الحكم والعقائد والأعراق، وعادات الزواج والدفن، وبناء البيوت، والتجارة، والمحاصيل الزراعية، والطقس وتأثيره على السكان وطريقة مقاومته. 

والجغرافي والرحالة أبو عبدالله المقدسي (336هـ/ 947م - 380هـ/ 990م)، والذي ذكر في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" المؤلَّف في القرن العاشر الميلادي: إن المسلمين كانوا يجلبون كثيراً من السلع من جنوبي روسيا والبلاد الأوروبية الشمالية، وعد منها الجلود والشمع والقلانس والعسل والسيوف والدروع، وقال: إنهم كانوا يستجلبون الرقيق من الصقالبة - والصقالبة عندهم هم السلافيون والجرمان وبعض سكان أوروبا - وكان أهم ما يحمله هؤلاء التجار إلى الأقاليم النائية أنواع المنسوجات والتحف والفواكه.

وفي منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، كتب الجغرافي والمؤرخ أبو عبيد عبدالله بن عبدالعزيز البكري القرطبي (توفي 487هـ/ 1094م) في كتابه "المسالك والممالك" عن هذه القبائل التركية القاطنة في جنوب روسيا وأوكرانيا: "هؤلاء الآن مسلمون، ولديهم علماء وفقهاء، وحفّاظ للقرآن الكريم".

وخلال رحلة أبي حامد الغرناطي (473 - 565هـ/ 1080 - 1170م) في سهول أوكرانيا الجنوبية حوالي 530هـ/ 1135م، كتب: "رتبت لهؤلاء المسلمين صلاة الجمعة، وعلمتهم الخطبة، فهم لا يعرفون صلاة الجمعة، وتركت فيهم بعض أصحابي الذين تعلموا عندي..".

وقد عاش الغرناطي بين القبائل "البيتشنيك" أربع سنوات -  خلال رحلته في آسيا وأوروبا - ووصف حياتهم المتنقلة، ومعاركهم الحربية، وكذلك قلة علومهم ومعارفهم الإسلامية.

وهكذا نجد أن الوجود الإسلامي في شرق ووسط وجنوب أوكرانيا ضعُفَ مع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، وعاد للظهور مع السيطرة المغولية على السهول الجنوبية من أوكرانيا عام 1237م، واحتلال كييف عام 638هـ/ 1240م، وقد قدِمَ معهم مسلمو آسيا الوسطى من قبائل الترك والتتار المختلفة وبعض الفرس، ومع إسلام بعض ملوكهم كالخان الخامس للمغول "بركة خان" (1209 - 1266م) حفيد "جنكيز خان" عام 1240م – وقد أرسل مبايعاً الخليفة العباسي المستعصم بالله في بغداد - قويت شوكة المسلمين في الأراضي الروسية والأوكرانية.

وفي عهد الخان "أوزبيك" (1312 - 1341م) أحد أحفاد "جنكيز خان" والذي شملت دولته الأجزاء الشرقية والجنوبية من أوكرانيا؛ تمتع المسلمون بحرية ونشاط كبيرين، واستمر عهده من عام 1313 حتى عام 1341م، وقد أعلن الإسلام الدين الرسمي للدولة بعدما كانت الدولة تدين بالشامانية وأديان أخرى.

ونلاحظ أن تاريخ وصول الإسلام إلى أوكرانيا هو مع القرن العاشر الميلادي؛ من خلال ما دوَّنه الرحالة العرب المسلمون، ولكن هذا لا يعني أن الأراضي الأوكرانية لم تعرف الإسلام قبل هذا التاريخ، بل يمكن القول: إن شعوب هذه البلاد عرفت الإسلام عن طريق التجار والرعاة المتنقلين مع نهاية القرن الثامن وبداية القرن التاسع الميلاديين، ودليلنا على ذلك النقود والمسكوكات والفخاريات الإسلامية التي وجدت على هذه الأرض، وما تزل محفوظة في متاحف أوكرانيا وروسيا.

المراجع

1- الإسلام وأوكرانيا باللغة الأوكرانية، مجموعة بحوث، طبع اتحاد الرائد في أوكرانيا، كييف 2005م.

2- الدعوة إلى الإسلام، "توماس أرنولد"، مكتبة النهضة المصرية، ص 342 - 343.

 

الرابط المختصر :