العنوان ألمانيا شاركت في الحرب على العراق!
الكاتب مسعودي أبو صالح
تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2006
مشاهدات 71
نشر في العدد 1695
نشر في الصفحة 26
السبت 01-أبريل-2006
قضية مهمة ولافتة للانتباه.. فجرتها وسائل الإعلام عن تواطؤ ألماني مع الاستخبارات الأمريكية لتسهيل مهمة الحرب على العراق ألمانيا التي ظلت تعارض الحرب، هي نفسها- حسب ما كشفته وكالة رويترز(1) للأخبار- التي أمدت الاستخبارات الأمريكية بمعلومات حساسة عن تحركات الجيش العراقي، وعن التحركات التي كان يقوم بها رجال المخابرات العراقية إبان حكم صدام.
"كارل شميشل": الألمان أمدوا الاستخبارات الأمريكية بمعلومات خطيرة
الغريب في الأمر أن الخارجية الألمانية أعلنت أنها تركت فعلًا رجال مخابراتها في العراق انظر موقع الجزيرة نت الإلكتروني وأنهما كانا هناك في إطار تنسيق روتيني ليس أكثر، علمًا بأنه لم يكن ثمة أي موظف أو مواطن ألماني في العراق منذ أن صارت الحرب وشيكة، وهو الشيء الذي يثير الكثير من الجدال في ألمانيا بالخصوص إزاء الدور الحقيقي الذي تكون قد لعبته ألمانيا بشكل مزدوج أي مع العراقيين ومع الأمريكيين في الوقت نفسه جريدة «برن»(2) الألمانية التي كانت أول من تكلم قبل سنة تقريبًا عن تواطؤ ألماني أمريكي محتمل في مجال تبادل المعلومات إبان الحرب على العراق عادت من جديد للحديث عن الدور الذي لعبته ألمانيا وفرنسا في تلك الحرب.
فمن المنظور الإعلامي، كانت معارضة الألمان والفرنسيين بمثابة الجبهة الشعبية الأوروبية التي حركت الرأي العام الدولي أيضًا ضد الحرب نفسها، لكن تلك الجبهة كما جاء في افتتاحية جريدة «برن»، لم تكن في النهاية سوى غطاء لدعم عسكري ومخابراتي كبير. لقد انطلقت الطائرات من ألمانيا لتزويد الطائرات الحربية الأمريكية بالوقود. وتمت الاستعانة بالقاعدة الأمريكية في ألمانيا لنقل الجرحى وللتزود بالمئونة لهذا كيف يمكن القول إن ألمانيا لم تشارك ضمنياً في تلك الحرب؟ يقول كارل شميشل، في تقرير بثته إذاعة ألمانيا الدولية(3)...
ما جاء في تقارير وكالة الأنباء الفرنسية(4) قبل أسبوع يؤكد أن الألمان أمدوا ضباط الاستخبارات الأمريكية بمعلومات في غاية الخطورة ساعدت في قصف أهداف عسكرية عراقية، ومن ضمنها مكان اشتبه في تواجد صدام حسين فيه وتم قصفه قصفًا مدمرًا، مما خلف عشرات من الضحايا من دون أن يكون صدام بينهم ساهمت المعلومات أيضًا في قصف بيت سكني في بغداد القديمة اشتبه في أن ضباطاً عسكريين عراقيين أقاموه مركزًا لاجتماعاتهم السرية، ونتج عن القصف سقوط العديد من الضحايا من المدنيين أغلبهم من الأطفال لقرب الموقع من حضانة أطفال.. التواطؤ الألماني الذي اتضحت معالمه بشكل كامل إذًا، ساهم أيضًا في تزويد الأمريكيين بقائمة تضم أسماء الضباط الأكثر خطورة، والذين كانوا في الحقيقة يرأسون خلايا سرية جاهزة للعمل العسكري في إطار المقاومة في حال نشوب الحرب، وهو الأمر الذي أدى بالأمريكيين إلى ذكر أسماء ضباط عراقيين(5) كانوا غير معروفين أصلًا حتى من قبل زملائها في الدفاع العراقي، وكان ذكر الأسماء بمثابة الإعلان الرسمي عن وقوع خيانة كبيرة داخل الجيش العراقي، مما ساهم في إحباط الجنود العراقيين.
الكيل بمكيالين
ما جاء في جريدة اللوموند الفرنسية(6) يضاف إلى الحقيقة الإعلامية التي انفجرت في لندن أولًا، ومن ثم في ألمانيا، والتي مفادها أن بعض الضباط العراقيين الذين أرادوا الحرب على النظام العراقي وساندوها، وساهموا في انتشارها كانوا يعتمدون على الوساطة الألمانية فيم يخص الاتصال بالمخابرات الأمريكية، بحيث إن علاقة السفارة الألمانية ظلت جيدة ظاهريًا مع النظام العراقي المخلوع إلى درجة أن النظام العراقي نفسه تكلم عن اجتماع دبلوماسي داخل السفارة الألمانية حضره طارق عزيز شخصيًا قبل أسبوعين من بداية الحرب، وهو الأمر الذي يؤكد. حسب جريدة اللوموند (أنظر إلى أرشيف الجريدة على الإنترنت فيما يخص الحرب الأمريكية على العراق). الدور المزدوج الذي كانت تلعبه ألمانيا مع العراقيين ومع الأمريكيين في الوقت نفسه، وإن كانت مصالحها مع الأمريكيين بدت أكبر من مصالحها مع نظام آيل للسقوط!
من جهة أخرى ذكرت قناة فوكس(7) الألمانية في ملف إخباري أن الضابطين الألمانيين من وكالة الاستخبارات الألمانية "بي ن دي" بقيا في العراق باتفاق مسبق مع الخارجية الألمانية وباتفاق آخر مع العراقيين أيضًا، وبموافقة سرية من الأمريكيين الذين كانوا على اتصال بهما بشكل غير مباشر، وأنهما في الوقت نفسه كانا على علاقة جيدة بضباط عراقيين مرموقين مما سهل مهمة تسريب المعلومات إلى الأمريكيين، وأكثر من ذلك القيام بوساطة للاستسلام لمن يرغب في عدم الدخول الحرب مقابل حوافز أمريكية ذهبت إلى درجة منح الجنسية وحق الإقامة في أية دولة يرغبها، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية والمحافظة على خصوصية كل ضابط يسلم نفسه ويمنح للأمريكيين فرصة القضاء على صدام حسين ونظامه، حسب ما ورد في نفس المحطة التليفزيونية، وإن تفجرت - بعد سقوط العراق- قضية الخيانة التي تعرض لها الجيش العراقي من قبل جنرالاته، إلا أن الأمر الذي صار مؤكدًا أن الخيانة لم تتم مباشرة بل بوساطة أوروبية صار مؤكدًا أن ألمانيا كانت ضلعًا فيها بمعية جهات أوروبية أخرى بقيت في العراق في نفس الفترة وكانت معارضة بشكل ظاهري لتلك الحرب كفرنسا مثلًا التي تتكلم بعض الجهات الإعلامية فيها عن مدى براءة الجهات الفرنسية بالخصوص أنها شكلت مع ألمانيا نفسها جبهة ثنائية للدفاع عن استقلال العراق.
افتتاحية مجلة "النوفل أوبسرفاتور(8)" الفرنسية ذهبت إلى حد التشكيك في نزاهة فرنسا التي لا يعقل التصديق أنها كانت تجهل ما قامت به ألمانيا، باعتبار أن الخارجية الألمانية صرحت في نهاية الأسبوع الماضي أنها كانت على علم بتواجد ضابطي المخابرات الألمانية في العراق وبالتالي على علم باتصالاتهما مع ضباط عراقيين فكيف لا تكون على علم باتصالاتهما مع ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وإن حاولت الصحف الفرنسية توريط الألمانيين بشكل مباشر فقد ذهبت الصحف الأمريكية إلى حد نشر مقابلات مع ضباط أمريكيين اعترفوا بشكل صريح بالدعم اللوجستي الضخم الذي تلقوه من الألمان(9) ليس على أساس ما قام به الضابطين الألمانيين، بل أيضاً ما قامت به جهات ألمانية في الدفاع والداخلية في تزويد الأمريكيين بملفات دقيقة حول المصانع والمؤسسات التي دعمت العراق في مجال التطوير العملي والتكنولوجي والصناعي والطبي أيضاً، وبالتالي تقريرًا شاملاً عما في العراق من تجهيزات ساهمت ألمانيا في حصولها عليها.. وهو التصريح الذي أكد أن مساندة الألمان استمر حتى بعد سقوط بغداد بمعنى أن النفاق السياسي الألماني لم یكن أكثر من غطاء سياسي للضحك به على ملايين من الألمان ومن غير الألمان!
ضحايا التسريبات الخاطئة
حسب صحيفة "لوسوار(10) البلجيكية" فإن الدعم اللوجستي الألماني للأمريكيين خلف أكثر من ۱۲۳۰ ضحية من المدنيين في عمليات عسكرية قام بها الطيران الأمريكي ضد أهداف عراقية قيل إن ضباطًا من الجيش العراقي كانوا موجودين فيها أو اشتبه أن صدام حسين ينام فيها!
والحال أن المعلومات الكثيفة التي تنشرها الصحف الأمريكية حول الدعم الألماني أحرجت الألمان كثيرًا، وإن بدت المستشارة الألمانية غير مكترثة بالحكاية إلا أنها لم تتردد في التصريح إلى جانب جورج دابليو بوش أنها تساند الإدارة الأمريكية في حربها على الإرهاب(11) وتساند البيت الأبيض في مخاوفه على أمن إسرائيل التي يهدده الرئيس الإيراني بال تدمير نفسها المستشارة الألمانية اعتبرت التهديدات على إسرائيل تطرفًا إرهابيًا، لا يجب السكوت عليه، بينما يتوجب السكوت على القتلى الأبرياء الذين ذهبوا ضحية التواطؤ الألماني في الحرب الأمريكية على العراق، ويتوجب السكوت أكثر على الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، بل ويجب البكاء على الجزار شارون الذي يعاني من الشلل الدماغي بعد أكثر من نصف قرن من المجازر المرتكبة تباعا ضد الفلسطينيين أبًا عن جد!
التقارير الإعلامية الكثيرة التي تنشر هنا وهناك، عن التواطؤ الغربي/ الأوروبي في قضية السجون الأمريكية بما تشتمل عليه من تعذيب غير إنساني ضد السجناء العرب الذين تجرهم جرًا من معتقلات جوانتانامو ليتم تعذيبهم وتصفيتهم في سجون أوروبية متحركة على متن طائرات عسكرية أمريكية لم تكن بمعزل عن علم وموافقة الأوروبيين الذين يتحملون مسؤولية صمتهم وتأييدهم السري للأمريكيين على حساب هؤلاء المعتقلين. فالغرب المتقدم والمتحضر والحر والحضاري هو الذي يطالب الدول العربية والإسلامية بالإصلاحات والديمقراطية والحرية ويتهم الدول البطيئة بالتطرف ويدينها ويهددها بالعقوبات الاقتصادية أيضًا، إن هي لم تفتح أبوابها للحرية والفسق والفساد الغربي الذي أثبت إفلاسه بشكل كبير وجلي وواضح.
(1 ) وكالة رويتز للأنباء هي التي فجرت الفضيحة أول مرة انظر موقع الوكالة والتقارير التي نشرتها حول فضيحة التواطؤ الألمانية مع الأمريكيين في العراق.
(2 ) راجع أرشيف سنة ٢٠٠٥ لجريدة «برن» الألمانية على الإنترنت.
(3 ) وكالة رويترز للأنباء - ويمكن العودة إلى الموضوع عبر موقع إذاعة ألمانيا الدولية على الإنترنت.
(4 ) وكالة الأنباء الفرنسية.
(5 )www.syti.net موقع:
(6 ) جريدة اللوموند الفرنسية، انظر موقع الجريدة على الإنترنت نفس المقال نشر كاملا على:
(7 ) شبكة فوكس الإخبارية على الإنترنت. ww.vox.de
(8 ) منتدى النوفل أوبسرفاتور على النت: Forum Nouvel Observateur
(9 ) www.voltaire.net موقع
(10 ) جريدة لوسوار البلجيكية ...
(11 ) الزيارة التي قامت بها المستشارة الألمانية إلى الولايات الأمريكية والبيان الألماني الأمريكي المشترك الذي بثته كل وسائل الإعلام العربية والغربية.