; أماكن الفاحشة وأسباب انتشارها (2) | مجلة المجتمع

العنوان أماكن الفاحشة وأسباب انتشارها (2)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1987

مشاهدات 56

نشر في العدد 849

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 29-ديسمبر-1987

* أماكن انتشار الفاحشة:

1- الأماكن غير المأهولة:

وهي كل مكان مقطوع لا يرتاده الآخرون، أو ترتاده نسبة قليلة من الناس، ومثال ذلك، بعض أجزاء من الساحل، وخاصة الذي يقع خلف الشاليهات والمباني مثل الجزء الذي يقع خلف نادي الضباط وبعض أجزاء الواجهة البحرية الذي لم ينته بعد، وخلف بعض الشاليهات الخاصة.

2- مواقف السيارات:

وخاصة المواقف التي تقل فيها السيارات أو تنعدم في فترة من الفترات كفترة الليل ما بعد الثانية عشرة ليلًا، أو في الصباح الباكر، أو المواقف التي لا يتجمع حولها الناس، أمثال مواقف المستشفيات أو مواقف متعددة الأدوار للمجمعات التجارية، ويشتهر في ذلك موقف فندق ماريوت.

3- النوادي البحرية:

حيث إنه توجد بعض الأماكن المعزولة عن المراقبة.

4- الحدائق العامة:

وخاصة الكبيرة منها مثل حديقة الشعب وحديقة البلدية في العاصمة، وحديقة الحزام الأخضر وحديقة عبدالناصر، حيث توجد بعض الأماكن المعزولة وخاصة في الليل، وقد شهد بعض الثقات الكثير من هذه المناظر في الحدائق العامة وقد تحدث إليّ الكثير ممن يعملون في هذه الحدائق وممن يرتادونها عن حوادث يشيب لها الوليد ويستحيي قلمي من ذكرها.

5- السينما:

حيث يخيم الظلام، وتنعدم الرؤية فيخلو كل عاشق مع عشيقته وخاصة في المقصورات.

6- الشقق المفروشة:

وكثرت هذه الشقق في الكثير من المناطق، وخاصة في منطقة الرقعي، ومنطقة الفنطاس وأبو حليفة، حيث يستأجرها الشباب من الجنسين من لهم راتب محدود، ويستغلونها كلما أتى صيد جديد، أو لممارسة الفاحشة بعيدًا عن الرقابة.

* أماكن التعارف:

وتنشأ العلاقة بين الطرفين في أماكن كثيرة، سهلت عملية التعارف التي كانت صعبة في الستينيات حيث تقل مثل هذه الأماكن التي كان معظمها بسبب انتشار الاختلاط.

ومن أبرز هذه الأماكن:

1- الجامعة:

حيث تحولت الكثير من الكليات إلى دور أزياء تتنافس فيها الفتيات في عرض أحدث الموضات الباريسية من الملابس والعطور والصرعات الجديدة، وأصبح لقاء الطرفين أمرًا غير مستهجن في حدائق الجامعة وعلى ساحل البحر، وفي الأماكن المعزولة وحتى غير المعزولة بل وفي وسط الساحة الجامعة.

2- الحدائق العامة:

فإذا كان خروج الفتاة وتعرفها على الفتى في الجامعة بحجة الدراسة، فإن الحجة والوسيلة في التعارف ها هنا يكون بحجة التنزه مع الأطفال أو مع العائلة.

3- في أماكن العمل:

حيث كثر الاختلاط وللأسف الشديد من دون مبرر في أماكن العمل، مما أكسب النساء العاملات مع الرجال جرأة وانعدام الحياء يصل إلى درجة المحادثة المباشرة مع الرجال بأسلوب الرجال، دون أدنى درجة من الحياء، مما أسقط الكلفة وأصبح المزاح والضحك والاحتكاك وتبادل النكات والحديث في أدق الأمور من الأمور العادية جدًّا دون أي حرج.

4- على شاطئ البحر:

حيث تتجمع العوائل مع فتياتها، فتقوم الفتيات بالمشي على الساحل بحجة الرياضة، وتلتقي مع الطرف الآخر حيث يتم التعارف.

5- مخيمات الربيع:

حيث تتقارب المخيمات حتى يلتصق بعضها بالبعض الآخر، وتقام الحفلات والسمرات، ويختلط الحابل بالنابل، وتقع الطيور على أشكالها، وهي فرصة كبيرة ينتظرها شباب الفاحشة من الجنسين من سنة إلى سنة، ويستعد لها أي استعداد.

6- المجمعات التجارية:

بحجة التسوق.

7- النوادي البحري:

حيث تكون فرصة ذهبية في تعرف الأعضاء بعضهم على بعض وخاصة أثناء المسابقات المختلطة والحفلات التي يقوم بها النادي.

8- في الفنادق:

وخاصة فنادق الدرجة الأولى كالهيلتون والشيراتون والهولدي إن وغيرها حيث يقدم الشباب لحضور حفلات الباربيكو، على أنغام الموسيقى التي تحييها بعض الفرق القادمة من البلدان التي تحطمت وانهارت أو حضور التمارين والألعاب الرياضية التي تقام في النادي.

9- الأعراس:

حيث لا تحرص بعض العوائل على قضية فصل النساء عن الرجال فيختلط الجنسان، ويتم التعارف.

* أسباب انتشار الظاهرة:

الإشباع الجنسي، حاجة أودعها الله سبحانه وتعالى في كل إنسان وقد نظمها الإسلام وحدد سبلها، حتى يحافظ على قيم المجتمع وأخلاقه، وحتى لا تنتشر الفوضى التي تهدد الأعراض والأنساب فينعدم بذلك الأمن ويختل النظام، وتماشى الإسلام مع هذه الفطرة التي غرسها الله في الإنسان، فأمر الشباب بالزواج والمسارعة في ذلك لمن استطاع الباءة، وأمر بالابتعاد عن مواطن الإثارة وذلك بغض البصر، والصيام، إذ إن أبرز ما يثير هذه الغريزة رؤية المرأة ومفاتنها، لذلك ترى أن المرأة هي العامل المشترك في معظم الأسباب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»

وقد أدرك ذلك الماسونيون حيث يذكرون ذلك جليًا في بروتوكولاتهم أنهم سيصلون إلى مآربهم عن طريق المرأة والمال، وعلى هذا فأهم أسباب انتشار الفاحشة:

1- خروج المرأة:

ولا نعني أن خروجها محرم، بل الطريقة التي خرجت بها كانت محرمة، ومفضية للفاحشة، وخاصة للعمل مختلطة بالرجال حيث يتمزق ستر الحياء بينها وبين الرجل ويرى ما كان مستورًا ومقصورًا على الزوج، فيراها غادية رائحة تتكسر أمامه بمشيتها وكلماتها. مع أن الأصل في النساء هو القرار في البيوت لقوله تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ(الأحزاب: 33)، إلا للحاجة كالشراء والزيارة للأرحام والأصدقاء، وطلب العلم والتعليم أو للتمريض، والخروج للتكسب في أضيق الظروف، كعسر الزوج وعدم كفاية مرتبه للعيش الشريف، أما ما نراه الآن فمعظمه خروج لا مبرر له وليس له حاجة؛ فمعظم النساء العاملات لا تحتاج إلى هذا المرتب لأنه يوجد من ينفق عليها سواء كان أبًا أو زوجًا ولكنها الرغبة في شراء الكثير من الثياب والعطور والسفر إلى الخارج والمشاركة في الحفلات وحضور  العروض السينمائية والمسرحية وما شابهه. والقليل القليل منهم من ليس لها عائل تضطر للخروج من أجل لقمة العيش.

2- الاختلاط:

خاصة إذا كان لغير حاجة مثل أداء المناسك، وتمريض المرضى، وتعليم العلم، ويكون ذلك في ضمن الآداب الإسلامية من غير تبذل أو تبرج بعيدًا عن كل مظاهر الإثارة وبعيدًا عن الحديث المختلط في الخصوصيات، الخارج عن مقدار الحاجة العلمية أو الدينية أو الطبية أو البيع والشراء في الأسواق.

3- استقدام الأيامى:

والأيامى جمع أيم وهو الذي ليس له زوج سواء كان ذكرًا أو أنثى، أو ما نطلق عليه اسم «العازب» فبسبب حاجة الدول للعمالة من الخارج تستقدم المئات من العمال والعاملات أو المدرسين والمدرسات وما شاكلهم، ومعظم هؤلاء يشترط عليهم عدم إحضار الزوجة، وتحت ضغط الحاجة يوافق هؤلاء بهذا الشرط الصعب وخاصة في خدمة البيوت، ومما جاء في بحث «الهجرة الوافدة» الصادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء وتحت السبب الثاني من أسباب ارتكاب الجرائم الأخلاقية «وجود أعداد كبيرة من الخادمات من مختلف الجنسيات، مع تدني أجورهن، يجعلهن ضحايا سهلة ويشجع البعض على إغرائهن»(1). وهذا لا ينطبق على الخادمات فحسب بل ينطبق أيضًا على الممرضات وخاصة من غير المسلمات، وينطبق على كل عازب يريد إشباع غريزته مع غياب الوازع الديني.

4- الصحبة السيئة:

ونوعية الأصحاب لها تأثير كبير في صياغة شخصية الإنسان، وميوله؛ لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» خاصة إذا ترك الوالدان لأبنائهما حرية السفر للخارج مع هؤلاء الأصحاب، وكثير ممن تجرى عليهم الدراسات من الشباب يقرون أن سبب انحرافهم الأخلاقي أصحاب السوء.

5- التربية الأسرية:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» أو كما قال. ففي هذا الحديث دلالة واضحة على مدى أهمية دور الأسرة في رسم شخصية الطفل، وذلك لأن الأسرة أو «الوالدين» هما المحضن التربوي الأول والأشد تأثيرًا بالطفل من جميع باقي المؤثرات الخارجية، وغالبًا يكون وراء انحراف الشباب سببان رئيسيان:

أولهما: فقدان الحب، حيث إن الطفل في طور النشوء يحتاج إلى عاطفة الأمومة والأبوة، يحتاج أن يشعر بحبهما له، يحتاج أن يشعراه بأنه شيء مهم في حياتهما، له قيمة ومعنى، كذلك يريد أن يعامل في كل مرحلة من مراحل نموه بما يناسبها، يريد أن يشعر بأن أبويه يثقان به، ويصغيان إلى مشاكله وأحاديثه واهتماماته، كل هذا يغرس الحب في قلبه تجاه والديه، ويتشبع هو بالحب الذي يريد الأبوان تربيته عليه، أما إذا فقد الحب وذلك بابتعاد الأبوين عنه وانشغالهما بأمورهما عنه، وأعطيا مهمة التربية «للخادمة» والتي لا تعرف بطبيعة الحال كيف توصل هذا الحب إليه، فإنه ينشأ مع هذا النقص الذي يريد أن يعوضه من أي مكان، وقد يكون هذا المكان هو تلك «الغانية» والتي تشعره بشيء من الحب الذي فقده أيام البداية، فيلتصق بهذا النوع من النساء، حتى يكون من الصعب أن ينفك عنه.

ثانيهما: التأثر بالقدوة: فقد ينجح الأبوان بإشباع حاجته من الحب والعطف، حتى يصل حبه لوالديه درجة الطاعة المطلقة في الحلال والحرام كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن صنف منهم وهم يبررون سبب كفرهم قالوا ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(الزخرف: 23)، أي وجدنا آباءنا على طريقة، ونحن متبعون غير مغيرين ما وجدنا آباءنا عليه، ولكن قد يكون الأبوان غير صالحين، وقد يكون أحدهما منحرفًا، أو كلاهما فيتأثر هذا الطفل بشخصية المنحرف من والديه وينشأ على حب الفحش والفاحشة. وقد يكونا صالحين إلا أن الأسلوب التربوي الذي اعتمداه أو اعتمده أحدهما في تنشئة الطفل كان خاطئًا، ومثالًا على ذلك: إعطاء الحرية الكاملة بالتصرف بما يشاء، وكيفما يشاء، فإن طلب مبلغًا كبيرًا من المال أعطاه، وإن طلب السفر وحده أعطاه، وإن سب أو شتم الآخرين لم يؤاخذه، وإن رآه مع رفقة سيئة لم يحاسبه، وهكذا يعتمد على التربية المفتوحة أو كما يطلق عليها أحدهم كردة فعل لما وجده من أبيه «الانتقام من الماضي».

6- القوانين الوضعية:

القوانين الوضعية سبب رئيسي في معظم المشاكل الاجتماعية، وهي سبب رئيسي أيضًا في مشكلة انتشار الفاحشة والقانون الوضعي على كثرة الثغرات التي فيه، إلا أن من أكبر الثغرات التي تبدو من الوهلة الأولى فيه، أنه يعطي فرصة مجانية للمجرمين مدتها أربع إلى خمس سنوات بأن يقوموا بجميع أنواع الجرائم دون أن يكونوا تحت المسؤولية الجنائية الكاملة، وذلك لأن القانون الوضعي لا يضع الحدث تحت المسؤولية الجنائية الكاملة حتى يبلغ ثماني عشرة سنة كما نص في المادة 20 من التشريعات الجزئية الكويتية. بينما في الشريعة الإسلامية «إذا بلغ الصبي أو الصبية سن البلوغ مع العقل فيكونان مسؤولين مسؤولية جنائية كاملة».

ويلاحظ أيضًا أن القانون الوضعي لا يوقع عقوبة الإعدام في جرائم الفاحشة إلا في حالة الاغتصاب، أو مواقعة أنثى مجنونة أو معتوهة أو دون الخامسة، أو معدومة الإرادة، أو أنها لا تعرف طبيعة الفعل الذي تتعرض له أو أنها تعتقد شرعيته في غير إكراه، وفي كلتا الحالتين، لا يوقع الحكم الإعدام إلا «إذا كان الجاني من أصول المجني عليها، أو من المتولين تربيتها أو رعايتها أو ممن لهم سلطة عليها، أو كان خادمًا عندها، أو عند من تقدم ذكرهم» (2).

أما إذا كان الجاني ليس من هؤلاء فإنه في جريمة الاغتصاب يحكم عليه إما بالإعدام وإما بالحبس المؤيد، وأما في الحالة الثانية وهي مواقعة المجنونة وما شاكلها من غير إكراه فيحكم عليه بالحبس المؤبد.

في عدا ذلك من جرائم الفاحشة فعقوبتها بين السجن وبين البراءة إذا وافق على شرط قبول المعاشرة الزوجية كما كانت.

ويعتبر القانون الوضعي أن رفع القضية في جريمة الزنا وإسقاطها من حق من وقع عليه الضرر سواء كان الزوج أو الزوجة، وليس للحكومة أن تفعل أي شيء إذا أسقط المتضرر من الزوجين حقه في القضية كما نصت المادة 197 من قانون الجزاء الكويتي، ولذلك لا تنص القوانين الوضعية على عقوبة العازب الذي يزني بامرأة ليست زوجة لأحد.

ويلاحظ ضعف الرادع في عقوبات جرائم الفاحشة- في القانون الوضعي ومثالًا على ذلك تنص المادة 194 من قانون الجزاء الكويتي «كل من واقع امرأة بلغت الحادية والعشرين برضاها ولم تكن محرمة منه، وضبط متلبسًا بالجريمة، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات ولا تقل عن ستة أشهر ويحكم بالعقوبة نفسها على المرأة التي رضيت بهذا الفعل».

هذا الأمر والذي قبله، وهو إعطاء الزوج الحق في منع إقامته الدعوة ترك الباب واسعًا لأصحاب تجارة الرقيق، فهم يتزوجون الزانيات بعقد رسمي حتى إذا ما قبض عليهم في هذه التجارة، منع الزوج إقامة الدعوة الجزائية على زوجته وعلى المشارك لها كما نصت المادة 197، وكذلك ترك الباب واسعًا أمام الشباب المنهار ليفعل ما يشاء في الأماكن العامة من فاحشة علنًا، مادام ذلك لا يعدو كونه إذا ما ضبط «فعلًا فاضحًا» ولا يعاقب عليه بأكثر من حبس سنة واحدة وبغرامة لا تجاوز ألف روبية أو حتى بإحدى هاتين العقوبتين، فلِمَ الخوف؟

بينما في الشريعة الإسلامية إذا ما ثبت زنا الزانية بالشهود الأربعة، وثبت توفر العقل، فتكون العقوبة رادعة أخفها الجلد وأقصاها في حالة الزنى الحقيقي الإعدام، ولا ينظر في ذلك بتنازل الزوج أو أهل المجني عليه؛ لأن الزنى ضرره ليس على فرد واحد، إنما ضرره على جميع المجتمع.

_____________________

(1) الهجرة الوافدة وأثرها في انتشار الجرائم الأخلاقية ص 42.

(2) مجموعة التشريعات.

الرابط المختصر :