العنوان أمانة الكلمة ووحدة الصف
الكاتب صالح العامر
تاريخ النشر الأحد 24-نوفمبر-1991
مشاهدات 58
نشر في العدد 977
نشر في الصفحة 12
الأحد 24-نوفمبر-1991
في الوقت الذي لم تجف فيه دماء شهدائنا بعد، تخيل البعض أن ما ينقص
الكويت بعد تحريرها، يتمثل بألا تجف أقلامهم البائسة عن الكتابة ضد الاتجاه
الإسلامي فكرًا ورموزًا وممارسة، بشتى فنون الإعابة من سخرية واستهزاء وتشهير
وتحريض.
وكأن هذا البعض قد دخل الكهف بعد الاحتلال البغيض مباشرة، وخرج منه
بعد التحرير فورًا، وكان طيلة هذه الفترة من الاحتلال حتى التحرير، نائمًا في مكمن
آمن بعيدًا عن أهوال الاحتلال، واستيقظ بعد التحرير على ذات العقلية والتفكير
المصلحي الضيق، وكأن شيئًا لم يكن.
دروس ما بعد الاحتلال
الدرس الكبير الذي يُفترض أن نكون قد وعيناه جميعًا بعد هذه الكارثة
الهائلة، هو أن نحرص على الكلمة التي تجمع ولا تفرق، والتي تزيد البنيان تماسكًا،
لا أن تنخر فيه كما ينخر السوس الأسنان السليمة، وأن نرقى ونتسامى فوق خلافاتنا
الداخلية، حتى تتكامل عملية بناء هذا الوطن الجريح.
ومن أسف، أن فُوجئ الناس بعد التحرير بتلك الحملة الصحفية الظالمة من
بعض الأقلام التي دأبت على الكتابة ضد أي توجه أو تحرك إسلامي لشخوصه ونشاطاته،
وكانت هذه الأقلام قبل التحرير ترى عودة شهرتها في هذه الكتابات، ويبدو أن الأمور
بالنسبة لها لم تتغير كثيرًا رغم رحلة الآلام الطويلة ما بين الاحتلال والتحرير.
من أشكال الحملة
تفننت تلك الأقلام الرخيصة في التجني على التيار الإسلامي، واختارت
لنفسها عدة مسارات، فقد رأت ابتداء في هذه المواقف الخاطئة لبعض الجماعات الدينية
في العالم العربي إزاء الاحتلال العراقي، فرصة ذهبية للنيل من التيار الإسلامي
بأكمله وربط تلك المواقف السيئة لتلك الجماعات في الخارج، بشخص ذلك المتدين في
الداخل.. هكذا وبعشوائية فريدة ومقصودة، حتى تنسحب تلك الصورة السلبية لمواقف من
أيدوا صدام الغادر، على التيار الإسلامي في الداخل، وتارة أخرى يصطاد هؤلاء النفر
ما يطرح من أفكار لمشاريع ذات صبغة إسلامية، ليجعلوا منها قميص عثمان جديد للنيل
من الإسلاميين، مثلما حصل عندما طرحت فكرة تأسيس هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
إنه يجب ألا يخفى أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قوام
الدين الإسلامي، وهو منهج أصيل في المجتمع الإسلامي النظيف الذي ينفي الخبث ويتبنى
الطيب من السلوك والأعمال، إلا أنك تجد من يكتب ضد هذا من حيث المبدأ تارة بحجة
المساس بالحرية الشخصية، كما كتب أحدهم في صوت الكويت بتاريخ 10/9/91: «إن أول ما يلاحظه المرء أن هذه الجماعات سَتهدِد
عاجلًا أم آجلًا الحريات الشخصية المكفولة دستوريًّا». في حين كتب آخر في ذات
الصحيفة بتاريخ 22/9/91 وفي ذكرى المولد النبوي الشريف: «نتذكر ما تطالب
به وتسعى له بعض هيئات «الأمر والنهي» ورغبتها في مراقبة الناس مراقبة كاملة».
هذه الحملة.. لماذا؟
لقد اختلفت أشكال وأساليب تلك الحملة الجائرة، فإن أسبابها تتعدد
وكذلك بتعدد ما يختبئ في صدور أصحاب تلك الأقلام تجاه التيار الإسلامي، ولعل أبرز
الأسباب في هذا المقام، هو ذلك الدور الرائد والمتميز الذي قام به أفراد التيار
الإسلامي إبان الاحتلال سواء في الداخل أو الخارج، والذي اندمج اندماجًا ملحميًّا
مع الشعب الكويتي بكل فئاته وتقسيماته، والذي تجلى عنصره الأصيل كشعب مقاوم، وبشكل
لم يكن له وجود مقابل على الإطلاق من قبل القوى السياسية الأخرى، مما أعطى سبقًا
تاريخيًّا عمليًّا للتيار الإسلامي لدى الشارع الكويتي، ذلك السبق الذي لم يكن
ليريح كثيرًا من القوى السياسية، وجعلها تعمل جاهدة للنيل من تلك الإنجازات
الرائدة.
ومن ذلك ما كتبه أحدهم في «القبس» بتاريخ 23/10/1991 بعنوان
«مصختوها» مستهدفًا تحجيم وتصغير تلك المجهودات الرائعة والعظيمة الأثر والتي يشهد
بها الكبير والصغير، ولم ينس أن يربط بين مواقف الجماعات الخاطئة التي أيدت صدام،
وبين من قدم روحه في سبيل الله فداء لوطنه، في ربط عجيب مُتغاب، يريدك أن ترى
الأمور كما يريد هو، لا كما في الحقيقة والواقع.
فصيل آخر
وهناك ممن يكتب في تلك الحملة لأنه يقتات على تلك الكتابات التي يهاجم
بها التوجه الإسلامي، ويعتقد أنه ما دام يسير في هذا الخط من الكتابة، فقد وضع في
جيبه جواز سفر إلى الشهرة وأن يصبح حديث الناس، أما الصنف الآخر فهم أصحاب المصالح
والأهواء الشخصية الذين يرون في وجود هذا التوجه الإسلامي عائقًا كبيرًا يقف في
وجه ما يريدون بلوغه من مصالح، وربما سعى هؤلاء لدى كثير من المسئولين في التحريض
على التيار الإسلامي، والتهويل من كل ما يقدمه هذا التيار، وأنه سيعيق كثيرًا من
المصالح التي سيصورونها بأنها في النهاية من المصلحة العامة، وبالتالي يجب أن تقف
الدولة كذلك في وجه من نادى بهذا التوجه الإسلامي في شئون الحياة.
كويت الصف الواحد
لم نكتب ذلك بهدف الدفاع عن أحد، أو بقصد الهجوم على أي كان، بقدر ما
كان الدافع هو تحقيق الحلم الذي رأيناه يشع بين ثنايا نصر التحرير، وهو أن تعمر
الكويت بالحب والوئام بين أبنائها وأن يعرفوا أنهم أبناء وطن واحد، له عليهم كثير
من الحقوق، التي لن تُؤدى لو التفتوا للتحريش بين بعضهم، وأكل لحوم إخوانهم.
إننا نعتقد بأن كويت ما بعد التحرير تريد الكلمة والعمل والبناء الذي
يعترف بالفضل لأهل الفضل، والذي يرى بأن كل مخلص يعمل لخير هذا الوطن، يجب أن يكون
له مكان التقدير، وأن تُفسح له القلوب والدروب لخدمة أهله، وأن تكون الأسبقية لمن
يقدم أكثر لهذا البلد؛ لا من ينتقد أبناءه دون أن يقدم إلا هذا الانتقاد.