العنوان أما آن لهذا المنطق أن يختفي؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1985
مشاهدات 68
نشر في العدد 726
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 23-يوليو-1985
قديمًا قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (الشعراء: ٢٧).
﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف: ٥١، ٥٢).
﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء: ٢٩). ولم يتسرع بسجنه؛ بل قبل الحوار من موسى، فلما قال له موسى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ (الشعراء: ٣٠، ٣١، ٣٢).. إلى آخر القصة التي انتهت بإيمان سحرة فرعون.
فلما حاول البطش بموسى ومن معه ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (الشعراء: ٥٣- ٥٦).
وفي مصر وعلى نفس المسرح يتكرر المنطق في أيامنا هذه.
كلنا علم بموقف مجلس الشعب في مصر ونواب الحزب الحاكم من قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، ذلك المطلب الجماهيري، والذي يسانده الشارع الإسلامي كله. وكان القرار بقفل باب المناقشة، ثم التصويت في غير جانب تطبيق الشريعة. وكلنا قرأ بالمحاولات المشروعة للتعبير عن عدم الرضا عن هذا الموقف والمطالبة بتطبيق الشريعة.. تلك المحاولات قام بها الشيخ حافظ سلامة وشباب من الجماعات الإسلامية، ومحاولة أخذ موافقة بمسيرة خضراء تحمل المصاحف تعبيرًا عن هذا المطلب، وكيف رفض الطلب، وقوبل بالقوة والتهديد والتحذير مما جعله يلغي المسيرة حقنًا للدماء.
ثم تحاول الجهات المسئولة تأميم مسجد النور بانتداب خطيب له تابع لوزارة الأوقاف.
وإذا بنا نفاجأ باعتقال الشيخ حافظ سلامة وبعض الشباب واتهامه بوجود منشورات في مكتبه بالمسجد، تحرض الجماهير ضد الحكومة، وينفي الشيخ حافظ علمه بها، ويقرر محاميه الدكتورعبد الحليم رمضان أنها دست عليه، وهذا أمر ليس غريبًا ولا مستحدثًا.
ثم إذا بالصحف تنقل لنا عبارات على لسان السيد وزير الداخلية، قالها في مؤتمر صحفي، تذكرنا بنفس منطق فرعون، فيقول سيادة الوزير عن الشيخ حافظ سلامة: «إنه شخص لا يؤبه له، وليس له أنصار كثيرون، إنه شخص مجنون يتقنفن الصراخ».
«إنكم ترون وضعه الآن في الزنزانة، فأين أتباع حافظ سلامة، لا شيء أبدًا. إن مصر هادئة آمنة،ونحن لسنا بحاجة لأي وعظ أو أي خطاب من أي شخص».
«هنالك بعض الأشخاص الذين يتحدثون عن الإسلام والقرآن وأمور كهذه، ولكنهم قلة، إنهم لايتعدون أربعين شخصًا وما يعني وجود ٤٠ بين ٤٧ مليون نسمة. إننا لا نعاني أية مشاكل في مصر».
«إنه شخص مجنون ارتكب أخطاء كثيرة، وعليه أن يواجه النتائج».
هذه عبارات السيد الوزير، هل يجد القارئ فيها خلافًا عن منطق فرعون على موسى؟
هنالك بعض الفرق، ففرعون هدد موسى بالسجن، ولكن هنا تم سجن الشيخ حافظ فعلًا، والأحكام العرفية قائمة إن فرعون قال: ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ (الشعراء: ٥٤، ٥٥)
ولكن سيادة الوزير قال: إنهم قلة وأخفى غيظهم له فلم يذكره. قال فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: ٢٩).
وقال سيادة الوزير: «نحن لسنا في حاجة لأي وعظ أو أي خطاب من أي شخص».
وذكرنا قول سيادة الوزير للصحفيين: «إنكم ترون وضعه الآن في الزنزانة فأين أتباع الشيخ حافظ سلامة»، يقول السادات عن الشيخ أحمد المحلاوي: «أهومرمي في السجن زي الكلب» وكانلتلك العبارة أثرها العميق المثير في النفوس.
والحقيقة أن الشيخ حافظ سلامة غير مجنون، ومعروف بدوره المشرف في حرب رمضان سنة ۱۹۷۳، وكيف حمى السويس بالمقاومة الشعبية من التسليم لليهود، بعد أن استعد المسئولون لتسليمها. وكوفئ بعد ذلك بوسام من أوسمة الدولة، فكيف يعطون الوسام لمجنون؟
ثم إن الشيخ حافظ سلامة لا يمثل عددًا قليلًا من أتباعه في جمعية الهداية، ولكنه يعبر عن جمهور الشعب المسلم ورغباته الأكيدة في تطبيق الشريعة، ولا ينكر هذه الحقيقة إلا مكابر، وما يعني سيادة الرئيس بتساؤله: أين أتباعه بعد وضعه في الزنزانة؟ هل يعتبر هذا التساؤل تحديًا واستفزازًا؟ هل يريد من الشباب المسلم أن يعبر عن استنكاره لاعتقال الشيخ حافظ بمظاهرة؛ ليبطش بها رجال الأمن، ويقدمونها كصورة من صور التطرف المزعوم، إن كان كذلك فلا يليق.
وماذا يعني بقوله: «إننا لا نعاني أية مشاكل في مصر». والمعلوم أن الشعب المصري يعاني من أزمات طاحنة، وما التخوف من المسيرات، ولو كانت خضراء سلمية إلا خشية انتهاز الشعب المعاني لها؛ ليعبر من خلالها عن معاناته، فيفلت الزمام من أيدي رجال الأمن، ودرس الشعب السوداني وثورتهوإسقاط الحكم ليس من شعب مصر ببعيد.
مع كل الذي سبق الأمل كبير في أن يراجع المسؤولون في مصر هذا الموقف وذلك المنطق،وألا يصادموا الشعب في عقيدته، فإن أثر العقيدة في النفوس لا يزول بالضغط والإرهاب؛ بل ربما ازدادت النفوس حماسًا وغليانًا وتمسكًا بالعقيدة وبكل متطلباتها، مهما استدعى ذلك من تضحيات.
وإذا كانت الحكومة أو مجلس الشعب لا يرى التطبيق الفوري للشريعة، فيمكن تقرير تطبيقها خلال خمس سنوات مثلًا، وتوضع الخطة لتهيئة مرافق الدولة المختلفة لهذا التطبيق، ويبدأ بالتنفيذ التدريجي للخطة. وبهذا يلمس التيار الإسلامي تجاوبًا وجدية نحو التطبيق، فتهدأ النفوسويتعاون الجميع؛ لتحقيق ما فيه مصلحة الوطن.. هل يستجيبون أم يصرون ويصدون؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل