العنوان أمة تنتفض للحرية والفلاح
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005
مشاهدات 76
نشر في العدد 1652
نشر في الصفحة 47
السبت 21-مايو-2005
ما أجمل أن تنتفض الأمة مطالبة بالحرية، وما أحلى الكفاح والنضال والتضحية، وما أروع أن ترى شعبًا يمزق الظلام من حوله، ويلقي بالظلم عن كاهله، ويزيل التراب عن محياه، ويصحو من غفوته، وينضم إلى ركب الإنسانية الناهضة وموكب الأمم الصاعدة، وينفض غبار السنين العجاف، ويفلت من عصا فرعون وهامان التي تلوح للشعب أن ينحني فيطيع وتسوقه للذبح مستسلماً كالقطيع، وكلاب الحراسة حوله تقطعه كل تقطيع وحاشية النفاق تغويه بالأوهام، وتبني له مدنًا من ظلام.
ما أجمل أن ينبعث الأموات، وترتفع الأصوات مطالبة بالحريات، وتظهر اللافتات فوق الحوائط والواجهات، والمآذن والمنارات بأجمل الشعارات والكلمات، وما أكرم أن يجد التائه الطريق والضال الرفيق، لتنطلق مسيرة السلسبيل فتدافع عن الكبرياء الجميل وتشعل القناديل وتطلع الفجر العظيم، ليضيء الحاضر الأليم ويصحو الواقع من غفوته الأبدية، ويبرق الغد في الآفاق المزهرية.
غنينا زمانًا بالتصعلك والهوى
كما الدهر في أيامه العسر واليسر
لبسنا صروف الدهر لينًا وغلظة
وكلًا سقاناه بكأسيهما العصر
الحق أن تحقق الإصلاح لن يكون سهلًا أو يأتي لأي شعب على أطباق من الحلوى، ومسارح السياسة في مصر وغيرها ملغمة باحتمال الانزلاق إلى موجة جديدة من القمع الأسود والتنكيل الوبيل بالخصوم السياسيين، ويبدو أن الأنظمة الحاكمة تستعد لإجراءات خشنة من بينها مداهمات واعتقالات واسعة على نمط ما حدث قبل أيام من اعتقالات عشوائية وعنف غير مبرر تسبب في قتل أحد كوادر الإخوان المسلمين في مدينة المنصورة، متخطية بذلك ما يقرره الدستور من الحق في التظاهر السلمي والحق في الاحتكام للرأي العام بانتخابات حرة نزيهة والحق في العدالة والمحاكمات النزيهة أمام قضاء مستقل.
ومتجاهلة نداءات الأمم المتحدة والمحافل الدولية، التي رصدت تواصل انتهاك الحقوق والحريات العامة والشخصية، وتصاعد سياسات القمع وكتم الأنفاس، واصفة المنطقة العربية بأنها ثاني أكبر سجن في العالم، وأن الحريات المدنية تتراوح بين النقص والنقص الفادح، وأن الانتخابات لم تستطع أن تؤدي دورها المفترض كوسيلة للمشاركة أو تداول السلطة، ولهذا أعادت إنتاج الفئات الحاكمة نفسها ، تلك التي عجزت عن إجراء أي إصلاح سياسي أو اجتماعي، وتمرست في الفساد وحمايته على كل الأصعدة، حتى ضجت لذلك الأمم المتحدة الذي أوضح تقريرها عن التنمية في مسح أجرته في خمس دول عربية سمحت بالدراسة «الجزائر – المغرب- لبنان- الأردن- فلسطين»، وأظهر المسح نتائج مفزعة منها:
1- أن 10% من العرب يعانون الفقر والجوع والمرض والجهل وقد ارتفعت نسبة من يعانون من قلة الدخل إلى 25%.
2- مجموع الدخل في بلدان الجامعة العربية الـ ۲۲ هو أقل من نظيره في بلد مثل إسبانيا.
3- حوالي ٤٠% من العرب البالغين ٦٥ مليون شخص أميون لا يعرفون شيئاً عما يحيط بهم.
4- سيدخل أكثر من ٥٠ مليونًا من الشباب سوق العمل بحلول ۲۰۱۰ وسيدخل ۱۰۰ مليون بحلول ۲۰۲۰ وهناك حاجة لخلق 6 ملايين وظيفة جديدة كل عام لامتصاص هؤلاء الوافدين الجدد إلى سوق العمل.
5- يعيش ثلث المنطقة على أقل من دولارين في اليوم للأسرة، وهو شيء مخيف.
٦- في إمكان ٦% فقط من السكان استخدام الإنترنت، وهو رقم أقل مما هو عليه في أي منطقة أخرى من العالم بما في ذلك بلدان إفريقيا الصحراء الكبرى.
7- عبر أكثر من 51% من الشباب العربي الأكبر سنًا عن رغبتهم في الهجرة إلى بلدان أخرى والهدف المفضل لديهم هو البلدان الأوروبية وهذا يمثل كارثة، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يبقى العرب الأقل تمتعًا بالحرية بين مختلف بلاد العالم؟!
ذلك لأسباب عدة منها:
١- قيام الحكام بتغييب القوى الاجتماعية والسياسية المنظمة والقادرة على التغيير والإنقاذ.
2- الدساتير في مجملها تعطي الحاكم حق التصرف في كل الأمور على حساب المصلحة العامة، وجعل القضاء لعبة بيد السلطة، إلى جانب قدرتها على تعيينهم وعزلهم، مما يجعل القضاء غير مستقل.
3- اختزال الدولة في شخص واحد وهو قمة الهرم في السلطة التنفيذية، مع تأكيد أن هامش الحريات المتاحة لا يؤثر في القبضة الصارمة.
4 - فزاعة الإسلاميين التي تقوم على تسويق فكرة أن الحكم رغم مساوئه هو خط الدفاع الأخير ضد الاستبداد الأصولي والإرهاب الإسلامي، وقد سمي هذا بـ «شرعية الابتزاز».
5- هناك علاقة قوية بين القمع وافقار الحياة السياسية، حيث تتعامل الدولة مع القوى السياسية كحالة أمنية لإقصائها عن الميدان والمنافسة «حالة الإخوان المسلمين في مصر» كمثال.
والآن: أما وقد انتفض الشعب مطالبًا بحقوقه مصممًا على الحياة الكريمة، فإن المعادلة لابد بإذن الله أن تتغير، وصدق القائل:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
سعيد من يرفع العلم ويشارك في خلاص بلده بعد غياب طويل، ونوم عميق، وعظيم من يعيش هذه اللحظات التي ترفع المعاناة، وتسعد الناس، وتطلق الحريات، وتكسر الأغلال، وتهدم الأصنام، وتزيل الأوثان، وترجم عهد أبي رغال، سعيد من يزيل الخراب، ويرفع العجز ويزيل الظلام، ويطارد كلاب الحراسة، ويمسك اللصوص، ويغرق الفرعون، ويطلع الجيل الجديد ويكسر اللانهاية، ويرفع رؤوسنا للسماء.
فقد صبرنا طويلًا إلى لا نهاية، ونمنا طويلًا إلى لا نهاية ومتنا طويلًا حتى العفن، واليوم تكتمل اللانهاية، فنصحو أخيراً، ويصحو الوطن.
واليوم نخرج للحرية من كل فج عميق في موجات بشرية تحمل الورد والرياحين اليوم نسعد بالبعث الجديد والجيل الجديد والعصر الجديد والهداية الربانية نسأل الله ذلك.. آمین.