; أمتي تحتاج إلى الدعاء.. بعد عون الله وكرمه | مجلة المجتمع

العنوان أمتي تحتاج إلى الدعاء.. بعد عون الله وكرمه

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1999

مشاهدات 80

نشر في العدد 1370

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 05-أكتوبر-1999

أمتي تحتاج إلى الدعاء.. أمتي تحتاج إلى عون الله وكرمه، فليس لها أحد إلا الله، ثم الأيدي المتوضئة التي ترتفع بالدعاء، وتقف بعزائمها وآمالها والآمها على الثغور المنهارة والحصون المتداعية تدافع عنها بأجسادها ودمائها وأرواحها، والصغار لاهون، والقردة يلعبون والبهلوانات يرقصون والمنافقون يزغردون والسيرك هنا والسيرك هناك يرقص على الخمس تسعات، ويقول الثعلب أن يحمل ديوان الوفيات والقلب المكلوم، والصدر المكتوم تقتله النكبات فقلت أبحث عن نجوى عن سلوى ابتعد عن الآهات أستغفر ربي من كل ذنوبي، ابتعد بكبدي عن كل همومي، أرتاح قليلاً عن نار شجوني وكنت دائمًا أتمثل قول القائل:

ولي كبد مقروحة من يبيعني                     بها كبدأ ليست بذات قروح

أباها علي الناس لا يشترونها                  ومن يشتري ذا علة بصحيح؟

أراجع أيامي أتابع أحلامي أرقب خطواتي أحسب نظراتي أتأمل يسر أمتي وعسرها، صعودها وهبوطها، وأتفحص حوادثها وأحوالها، وأتذكر قول القائل:

لقد كنت أشكوك الحوادث برهة                 وأستمرض الأيام وهي صحائح

إلى أن تغشتني -وقيت- حوادث                  تحقق أن السالفات منائح

 فلئن كان الاستعمار قبل ذلك يقهر الناس، فإذا عشت صديقي وقاك الله تلك الأيام الاستعمارية وعشت هذه الأيام لرأيت الفرق واضحًا، والفتن أقل، والحرية أكثر، والاستعمار أخف من الاستعمار القومي، الذي يأكل زادي ويضربني ويقتلني ويرغمني على الهتاف له والرضاء به.

جوعان يأكل من زادي ويضربني          لكي يقال عظيم القدر مقصود

وهناك اليوم من يأكل لحوم الناس ويذبحهم وقد انقلب إلى شيء آخر، وحقق نظرية أفلاطون حيث يقول: «إذا ذاق المرء قطعة من لحم الإنسان تحول إلى ذنب»، ثم يقول: «ومن يقتل الناس ظلمًا وعدوانًا، ويتذوق بلسان وفم دنسين دماء أهله ويشردهم ويقتلهم، فمن المحتم أن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية، ويتحول إلى ذئب...»!! وهنا تسقط الضحايا تحت الأقدام، وتتحول الشعوب إلى فتات تذروه الرياح، ويتجرأ الأعداء على الأمم، ويفعلون بها الأفاعيل، ويتقدم هذه الذئاب المسعورة جموع من خنازير المنافقين وببغاوات من سفلة الأمم وشرارها، ليكونوا حداة الدرب لهؤلاء الطغاة الأبالسة الجزارين الذين يرفعون إلى مصاف الأنبياء، بله الآلهة، ولهذا تاريخ يقول فيه أحدهم للمعز الفاطمي:

 ما شئت لا ما شاءت الاقدار                  فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنما أنت النبي محمد                        وكأنما أنصارك الأنصار

ويقول أيضًا:

ندعوه منتقمً عزيزًا قادرًا                     غفار موبقة الذنوب صفوحا

أقسمت لولا قد دعيت خليفة                  لدعيت من بعد المسيح مسيحا

من هنا تقع الكارثة، ويتأله الطاغية الذئب الوحش، وترخص الدماء، ويكثر المرتزقة المداحون، وتتورم الآراء، ويكون موقف الطاغية هو موقف ذلك الذي يقطع الشجرة لكي يقطف ثمرة وتذوب في الأمة الكرامات، وتضيع الأقدار والمنازل، ولا يبقى لعامل ولا لعالم حرمة أو مكانة، فيضيع العلم، ويضيع الجهد، ويحجم الأشراف ويتقدم السفلة، قال القاضي الجرجاني متأبيًا على الظلم:

ولم أقض حق العلم إن كنت كلما               بدا طمع صيرته لي سلما

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي              لأخدم مَن لاقيت لكن لأُخدما

أأشقی به غرسًا وأجنيه ذلة                   إذن فاتباع الجهل قد كان أسلما

 وقال آخر:

إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها              هوانًا بها كانت على الناس أهونا

فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكن             عليك بها فاطلب لنفسك مسكنا

وإياك والسكنى بدار مذلة                     تعد مسيئًا بعدما كنت محسنا

وقال آخر :

دهر علا قدر الوضيع به                      وترى الشريف يحطه شرفه

كالبحر يرسب فيه لؤلؤه                       سفلًا وتعلو فوقه جيفه

 فحينما يكثر الخبث ويزداد الطمع، وتسود الوضاعة، وتقل البضاعة، ويظهر في الزمان الفقاقيع والغثاء، فقل على الدنيا العفاء.

ولقد سمع بشار بن برد- وكان رجلاً أعمى- غريبًا يسأل عن منزل أحد السكان في البصرة، فقال له بشار سر في هذا الطريق، فإن صاحبك يقيم في المنزل آخر هذا الشارع، وظل يصف له وصفًا لا يخطئه أحد، فقال له الرجل: ألا تذهب معي ترشدني، فقال له بشار: إني رجل أعمى أتريد من أعمى أن يرشدك قال: إني أمسك بيدك وأنت تقودني، ففعل بشار، وذهب معه إلى أن أوصله إلى المنزل، ثم قال:

أعمى يقود بصيرًا لا أبا لكم             قد ضل من كانت العميان تهديه

فلله در هذه الأمة العرجاء التي تقاد بالمكسحين، والعوراء التي ترشد بالعميان والبلهاء التي تخدع بالمداحين والدجالين، وهل نسي الكل أنه مسئول يومًا أمام الله وأمام الناس عن هذا الضياع؟

روى ابن كثير أن أبا زرعة دخل على الوليد ابن عبد الملك فقال له الوليد: أخبرني أيحاسب الخليفة، فإنك قد قرأت القرآن والعلم وفقهت؟ فقال: يا أمير المؤمنين هل أقول وأنا أم؟  قال: قل في أمان الله قال يا أمير المؤمنين، أنت أكرم على الله أم داود عليه السلام إن الله تعالى جمع له بين الخلافة والنبوة، ثم توعده في كتابه فقال:﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾  (ص: ٢٦) وكان عمر بن عبد العزيز حاكم عادل يعرف ذلك، فكان يدعو ربه فيقول: «اللهم أنت ربي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت، فإن غفرت فقد متنت، وإن عاقبت فما ظلمت ألا إني أشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك المصطفى، ونبيك المرتضى، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فعليه السلام والرحمة» فاللهم إني أستغفرك من كل ذنب قوي عليه بدني بعافيتك، ونالته يدي بفضل نعمتك. وانبسطت إليه بسعة رزقك، واحتجبت فيه عن الناس بسترك واتكلت فيه على أناتك وحلمك وعولت فيه على كريم عفوك. اللهم وانصر الإسلام والمسلمين. وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين.. أمين.. أمين. 

الرابط المختصر :