; المجتمع التربوي (العدد 2037) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 2037)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 01-فبراير-2013

مشاهدات 73

نشر في العدد 2037

نشر في الصفحة 52

الجمعة 01-فبراير-2013

 أمراض الأمة.. بين العلاج وزيادة العلة

أحمد محمد محمود

(*) كاتب كويتي

السمات التي فضل الله عز وجل بها الأمة الإسلامية على سائر الأمم أساسها مبني على الصلاح والإصلاح، بناء الإيمان في النفوس، ونقله إلى الواقع التطبيقي، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدافع الحقيقي له هو الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بالله شفاء للباطن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شفاء للظاهر، وقد قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (سورة آل عمران : ۱۱۰). 

والأمراض إما باطنية وإما ظاهرية، وبذلك نجح المسلمون الأوائل الذين أنزل الله عليهم هذا الوسام الشرقي الإلهي ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فجاهدوا في الله حق جهاده لتكون كلمة الله هي العليا، حتى نالوا الرضا الإلهي في الدنيا والآخرة والعزة والتمكين ثم ثناء أجيال المسلمين عليهم إلى يومنا هذا، بل إلى أن يشاء الله جل وعلا، فما لبث ذلك الجيل الفريد والأول أن مضى حتى يتحقق ما حذرهم منه الرسول ﷺ: «من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا»، إلى أن قال: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» «رواه الترمذي من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وقال الترمذي: حسن صحيح»، وقوله ﷺ: «ولكن أخشى عليكم أن تبسط لكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» «رواه البخاري من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه». 

فظهرت الأمراض الفكرية والعقدية والأخلاقية التي رانت على قلوب بعض المسلمين، حتى سرت في بعض الساسة والولاة، ولكن الله تعالى لم يترك عباده

هملًا، إذ هيأ لأمة الإسلام أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين لم يبرحوا حتى يعيطوا تلك الأمراض أو يقلصوها، ولكن ما ليثوا أن غادروا الدنيا، حتى عادت بقايا تلك الأمراض المتقلصة تنمو شيئًا فشيئًا، حتى غدت الأمة مشلولة لا حراك لها، إلا نُبيضات قلبها تدوّي أحيانًا وتخفت أحيانًا أخرى، بعد أن عاثت بها ذئاب الغدر وكلاب العقر، قد غمرتها سكرة من آثار تلك الأمراض التي أوهنتها، فأغرت أعداءها بنفسها، وإن كان من دون قصد، ولكن النبي ﷺ أخبرنا: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» «رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وصححه النووي». 

إنها ممزقة مهلهلة، واهية.. كل فرع منها يريد أن يصير أصلًا بجهله! إلا من رحم الله تعالى. 

كلٌّ يريد لنفسه وأهل مذهبه الصدارة، ولا يعتبر مخالفه إلا عدوًا بغيضًا. 

نعم، إنه البغضاء والحسد الذي حلقوا به دينهم وهم لا يشعرون! 

وإن التاريخ ليعيد نفسه.. ها هم بنو جلدتنا اليوم، كيف هم؟ وكم هم على هذه الحال؟ إنهم في الحقيقة أوصال مقطعة، وأجزاء متفرقة وفروع منفصلة عن أصلها. ورغم تلك الحال التي أورثت قنوطًا، وحجبت آمالًا يأبي الفال إلا أن يظهر ولنوره أن يلوح في الأفق، ومع ذلك نجد صدورًا تغلي فيها أدران تلك الأمراض، وتسعى لإراقته لتسقي النفوس ادرانها فتزداد مرضًا على مرض، ووهنًا على وهن.. فحسبنا الله ونعم الوكيل. 

«إن الشفاء حالٌّ لا محالة، ووعد الله آت بلا شك: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (سورة غافر: 51).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. والله المستعان.

 خواطر داعية

بقلم: عبد الحميد البلالي (●)

al-belali@hotmail.com 

(●) رئيس جمعية «بشاير الخير» الكويتية

العقل والشهوة

أودع الله تعالى في الإنسان هاتين النعمتين والقدرتين «العقل، والشهوة».. ومن خلالهما يستطيع الإنسان الاختيار والتحكم بما يدعوه له هواه، ونفسه الأمارة بالسوء، ويستطيع من خلال عقله التحكم بشهوته فلا يضعها إلا في موضعها، هذا الاختيار هو الذي يجعله أعلى منزلة من الملائكة والبهائم، إذا ما استعمل هاتين القدرتين كما ينبغي ليحدث التوازن بين العقل والشهوة، يقول الإمام قتادة يرحمه الله: «خلق الله الملائكة عقولًا بلا شهوة، وخلق البهائم شهوة بلا عقول، وخلق ابن آدم وركب فيه العقل والشهوة، فمن غلب عقله شهوته التحق بالملائكة، ومن غلبت شهوته عقله التحق بالبهائم».

وهنا مكمن القوة والعظمة، فهو يملك الشهوة ويستطيع إنفاذها في الحرام، ولكنه لا يلغي عقله، ولا يقبل بأن يكون أسيرًا لشهوته تتحكم فيه بالمسار التي تريد بل يستعمل هبة العقل التي بها ميزه الله عن الملائكة، ورفع قدره، وأمر الملائكة وإبليس بالسجود له فينتبه للهاوية التي تدعوه شهوته إليها، فيكف ويبتعد، ويعدل مساره إلى الهدف الصحيح الذي بيّنه له إيمانه ودينه، وهذا هو الفرق بين فريقين من الناس، فريق قبلوا بطواعية أن يكونوا عبيدًا لشهواتهم، يأتمرون بأمرها، فأوردتهم موارد الهلاك، ويكونون ممن يهدمون أنفسهم ومجتمعاتهم، وفريق رفض أن يكون عبدًا لغير الله تعالى، فاستخدم نعمة العقل فبان له طريق الخير من طريق الشر، ووضحت عنده الرؤية، فأبتعد عما يؤذيه في الدنيا والأخرة.. فإياك أن تكون أسيرًا لشهوتك، وتلغي عقلك، فتلتحق بالبهائم.

العبادة.. مفهوم جامع

د. سعد المرصفي (●)

(●) أستاذ الحديث وعلومه

بعض الناس يعيشون حياتهم كالهمل، ويهيمون في الحياة على غير هدى، يأكلون ويشربون، ويلهثون وراء الملذات والشهوات، وهذا منتهى طموحهم في الدنيا، بل قد يصل بهم الأمر إلى حد التصارع والتقاتل من أجل عرض زائل أو غنيمة زائفة.

ولا كبير فرق بين هؤلاء وبين الأنعام، بل ربما يكونون أضل سبيلًا، وليس لهذا العبث خلق الله الإنسان، وميزه عن سائر المخلوقات بالعقل والفكر والتأمل والقدرة على التمييز، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 115).

إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لعبادته، واتباع أوامره، واستخلافه في الأرض، وعمارة الكون، فمن حاد عن ذلك واستكبر استحق العقاب الرادع، قال الله تعالى: وقال ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (سورة غافر:60)، ومن امتثل فاز بالنعيم المقيم الذي وعد الله به عباده، واستحق الجزاء الأوفى وهذه حقيقة لا مراء فيها، كما دلت عليها النصوص الصريحة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)﴾ (سورة الكهف: 107 - 108)، ولهذا ينبغي أن تكون حياة المسلم كلها عبادة خالصة لله سبحانه في جميع جوانبها الخاصة والعامة، والاعتقادية والعملية، فالمسلم عبد الله في كل حركاته وسكناته، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(سورة الأنعام: 162)، وعلى المرء أن يتوجه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الجوانح، وكل حركة في الحياة، مع التجرد من كل شعور آخر، ومن كل معنى غیر معنى التعبّد لله، وبهذا وذاك يتحقق معنى العبادة، ويصبح العمل كالشعائر والشعائر كعمارة الأرض، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله، وعندئذ يعيش الإنسان مؤمنًا ومعتقدا أنه خلق للقيام بالعبادة.. والقرآن الكريم يغذي هذا الإحساس ويقويه بإطلاق مشاعر الإنسان من الانشغال بهمّ الرزق ومن شحّ النفس، فالرزق في ذاته مكفول، تكفل به الله تعالى لعباده، وهو لا يطلب إليهم أن يطعموه سبحانه أو يرزقوه جلّ شأنه، حين يكلفهم إنفاق المال لمحتاجيه، والقيام بحق المحرومين، كما جاء في الآية الكريمة: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ * إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ (سورة الذاريات: 56 - 58)، وبهذا لا يكون حافز المؤمن للعمل، وبذل الجهد في الخلافة هو الحرص على تحصيل الرزق، بل يكون الحافز هو تحقيق معنى العبادة الذي يتحقّق ببذل أقصى الجهد والطاقة.

ومن ثم يصبح قلب الإنسان معلّقًا بتحقيق معنى العبادة في الجهد، طليقًا من التعلّق بنتائج الجهد، وهي مشاعر كريمة لا تنشأ إلا في ظل هذا التصوّر الكريم.

وإذا كان البعض لا يدرك هذه المشاعر ولا يتذوّقها، فذلك لأنه لم يعش كما عاش الصالحون، ولم يستمد قواعد حياته من كتاب الله تعالى وسُنة الرسول ﷺ كما صنع المؤمنون.

وحين يرتفع الإنسان إلى أفق العبادة، ويستقرّ عليه، فإن نفسه تأنف حتمًا من اتخاذ وسيلة خسيسة لتحقيق غاية كريمة، ويطالعنا هنا قوله جلّ شأنه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (سورة النحل: 112 - 113)، وقد عرف الإمام ابن تيمية يرحمه الله تعالى العبادة بأنها: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة والزكاة،

والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبِر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة».

وخلاصة القول: إن العبادة في الإسلام مفهوم شامل ومتكامل، وليس كما يختزله

البعض في أداء بعض الفرائض في المسجد، أو بعض طقوس الحياة الخاصة بعقود الزواج والمآتم، إنها كلمة جامعة لجميع الأعمال والأقوال التي يحبها الله تعالى ويرتضيها سواء كانت من قبيل الفرائض والأركان أو من قبيل السنن والمستحبات، أو من قبيل الآداب أو المعاملات، فعنْ عُمَرَ رَضيَ الله تَعَالَى عَنْهُ أيضًا قال: بَيْنمَا نحْنُ جُلُوسٌ عنْد رسُول الله ﷺ ذَاتَ يوْم، إذ طَلَع عَلَينا رجُلٌ شديْدُ بَيَاض الثياب شديدُ سواد الشّعْر لا يُرى عليه أثرُ السّفر ولا يعْرفُهُ منّا أحٌد حتّى جَلَس إلى النبي ﷺ، فأسْنَد رُكْبِتَيه إلى رُكْبتيْه وَوَضَع كفّيْه على فَخذيْه وقَال: يا مُحمّد أخْبرْني

عَن الإسْلام، فقال رسُول الله ﷺ: «الإسْلامُ أنْ تشْهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسولُ الله، وَتُقيم الصّلاة، وتُؤتي الزّكاة، وتصُوْم رمضان، وتحّج البيت إن اسْتطعت إليه سبيلًا»، قَال: صَدَقت. فعَجَبنا له يسْأله ويُصدّقه، قال: فأخْبرنْي عن الإيْمان، قال: «أنّ تُؤمن بالله ومَلائكته وكُتبه ورُسُله، والْيوم الآَخر، وتُؤْمن بالقَدَر خَيرْه وشرَّه». قال: صَدَقت، قال: فأخْبرني عَن الإحْسَان، قال: «أنْ تعْبُد الله كأنك تَراه فإن لم تكُن تَراه فإنه يَراك»، قال: فأخْبرني عن السّاعَة، قال: «مَا المسؤوُلُ عَنْها بأعْلَم من السّائل»، قال: فأخْبرني عَن أمَارَاتها، قال: «أنْ تلَد الأمَة ربّتهَا، وأنْ تَرى

الْحُفاة العُراة العاَلَة رعَاء الشّاء يتطاولُونَ في البُنْيانِ»، ثُمّ أنْطلق فَلَبث مليًا ثُمّ قَال: «يَا عُمَر أتَدْري من السّائلُ؟»، قُلْتُ: الله ورسُوله أعْلَم، قَال: «فإنّه جبْريْل أتاكُمْ يُعلّمكم دیْنكُمْ» «رواه مسلم»، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين ولله در الشاعر:

قد هيّؤوك لأمر لو فطنت له ***  فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

الرابط المختصر :