العنوان أمريكا تحارب مصر بسلاح «المعونات مقابل الديمقراطية»
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003
مشاهدات 50
نشر في العدد 1580
نشر في الصفحة 26
السبت 13-ديسمبر-2003
عبر مركز ابن خلدون وحزب أمريكا في مصر
في أعقاب توقيع اتفاقية التسوية بين مصر وإسرائيل عام 1979، تم تخصيص مبلغ سنوي يعادل ملياري دولار معونات اقتصادية وعسكرية لمصر منها قرابة 615 مليون دولار معونات اقتصادية كانت بمثابة عنصر ضغط وتهديد أمريكي على مصر في عدة مواقف. وقد بدأ تخفيض المساعدات الأمريكية لمصر بمعدل 40 مليون دولار سنويًّا منذ عام ۱۹۹۸ بموجب قانون من الكونجرس لتخفيض المساعدات الخارجية عمومًا، ويفترض أن يتواصل انخفاضها إلى أن تقف عند مبلغ 400 مليون دولار سنويًّا.
ورغم التهديدات الأمريكية السابقة لمصر والضغط عليها للقبول بمواقف سياسية معينة ترغب بها واشنطن فلم يصل الأمر لحد التدخل في الشئون الداخلية المصرية بفرض سلوك معين على المصريين، واقتصر التهديد -دون تنفيذ- على السعي للربط بين المعونات وحقوق الإنسان عمومًا أو حقوق الأقليات في العالم بعدما بدأت تصدر تقارير «حريات الأديان» عبر الخارجية الأمريكية.
إلى أن بدأ طرح مشروع الديمقراطية الأمريكية في الشرق الأوسط عقب أحداث 11 سبتمبر بدعوى أن غياب الديمقراطية عن المنطقة يغذي الإرهاب ضد أمريكا، وبدأ الحديث عن ربط المعونات بتطبيق الديمقراطية بشكل علني في خطب للرئيس الأمريكي بوش ووزير خارجيته كولن باول.
وجاء الإعلان عن مشروع القانون الذي عرضه أحد النواب على الكونجرس يوم 24 نوفمبر الماضي والخاص بمساعدة مركز ابن خلدون المصري ماديًّا بما لا يزيد على مليوني دولار خلال العام المقبل خصمًا من المساعدات الخارجية الأمريكية لمصر ليطرح -لأول مرة- أسلوب جديد تنتهجه الإدارة الأمريكية الحالية للضغط على الحكومات التي ترغب في الضغط عليها عبر سلاح المعونات.
بعبارة أخرى، أصبح المطروح هو الديمقراطية مقابل المعونات أو (الديمقراطية مقابل الخبز) كما يسميه البعض، على اعتبار أن غالبية المعونة الأمريكية تذهب لشراء القمح الذي يتحول خبزًا!
صحيح أن مشروع القانون المعروض على الكونجرس بخصوص المعونات والديمقراطية لا ينص -كما يقول نبيل فهمي سفير مصر في أمريكا- على خصم مبلغ المليوني دولار المخصصة لمركز ابن خلدون من المساعدات الاقتصادية الأمريكية، إلا أن مجرد التهديد بالتدخل والربط بين المعونات وفرض الديمقراطية الأمريكية فتح الطريق أمام واشنطن للتدخل في شئون الكثير من الدول العربية والنامية من أوسع أبوابه!
حملة ضد مركز ابن خلدون
وقد شن مثقفون ووسائل إعلام مصرية حملة ضد مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية (الذي يرأسه الدكتور سعد الدين إبراهيم وسبق غلقه بتهمة تلقي معونات أجنبية من الخارج) في أعقاب الاقتراحات التي قدمت إلى الكونجرس.
وأعلن ستة من كبار أمناء المركز الـ 25 استقالتهم من المركز بسبب ما قالوا إنه الدور الذي أصبح المركز يلعبه برئاسة د. إبراهيم في الضغط على مصر عبر المعونة الأمريكية باسم الديمقراطية، كما شددت صحف مصرية من حملاتها ضد المركز ورئيسه متهمة إياه بالمشاركة في الحملة الأمريكية على مصر.
وعلى الرغم من نفي الدكتور سعد الدين إبراهيم أنه تم تخصيص جزء من المعونة الاقتصادية الأمريكية للمركز وتأكيده أن الأمر ليس سوى اقتراح في إحدى لجان الكونجرس، وأنه سوف يرفض حصول المركز على المنحة الأمريكية التي تقدر بمليوني دولار لمركزه لو كان المبلغ سيقتطع من المساعدات الأمريكية لمصر المخصصة لشراء الخبز والقمح، إلا أنه أيّد مسألة ربط المعونة الأمريكية لمصر بالديمقراطية.
وكان عضو بالكونجرس الأمريكي قد اقترح مؤخرًا أن يتم تخصيص مبلغ مليوني دولار لمركز ابن خلدون، وقال: كيف يتم رصد مبلغ 40 مليون دولار لبند الديمقراطية في مصر كل عام ولا يحصل مركز ابن خلدون على دولار واحد منها؟ وقد أثار هذا استياء المسئولين الرسميين في مصر.
ونتيجة قيام وسائل الإعلام المصرية بحملة جديدة ضد المركز، تذكر بالحملة التي تم شنها ضده عام 1999 قدّم ستة من أعضاء مجلس أمناء المركز، وهم: السفير عبد الرءوف الريدي، والسفير محمد شاكر، والدكتور مصطفى الفقي، والدكتور أحمد كمال أبو المجد، وعضو البرلمان منير فخري عبد النور، والدكتور عبد المنعم سعيد، قد تقدموا باستقالاتهم من المركز، وهو ما أكده كل من الدكتور أبو المجد والدكتور سعيد لمجلة المصور، مستنكرين مشاركة المركز في حملة الضغط الأمريكية على مصر، ورافضين فكرة استخدام المعونة الاقتصادية للضغط على مصر.
وتعود قصة مركز ابن خلدون إلى عام 1988 عندما استأجر سعد الدين إبراهيم أستاذ الاجتماع بالجامعة الأمريكية فيلا في منطقة هضبة المقطم بالقاهرة من السفارة الأمريكية وحولها إلى ما أصبح يعرف باسم مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية والاجتماعية.
وقد وضع المركز أكثر من 100 من الدراسات المشبوهة التي تدور حول سبع قضايا مثيرة للجدل وكلها تقريبًا تعادي الحركات الإسلامية بل والشريعة الإسلامية ذاتها، وهي قضايا مثل: التعليم (حيث ركز على إلغاء التعليم الأزهري والديني) وحقوق الأقليات أو الملل والنحل التي دافع فيها بوضوح عن حقوق ما أسماه الجماعات الدينية والعرقية والإثنية المضطهدة في العالم العربي وتحديدًا أقباط مصر وأكراد العراق والجنوبيين في السودان والبربر في المغرب والجزائر وهكذا) والمرأة والحركات الدينية.
ووفقًا لما قاله د. سعد الدين إبراهيم بنفسه في أحد أعداد المجلة التي يصدرها المركز، وهي (المجتمع المدني)، يحصل المركز على 200 ألف دولار كل عام في صورة معونات أجنبية من دول ومنظمات في أمريكا وهولندا وألمانيا وكندا منها المعونة الأمريكية ومؤسسة نوفيب الهولندية ومؤسسة دانيدا الدانمركية وسيدا الكندية وفريديور الألمانية.
إلا أن إبراهيم ينفي تمامًا أن يكون قد حصل على أي أموال أمريكية رسمية باستثناء بعض المنح من منظمات أهلية أمريكية.
إبراهيم: نعم للديمقراطية مقابل المعونات!
وقد رد سعد الدين إبراهيم في مؤتمر صحافي عقده بمقر مركز ابن خلدون على تهم أنه يسعى لتلقي جزء من أموال المعونة الأمريكية مقابل رفعه شعار الديمقراطية واستغلال الخطط الأمريكية في هذا الصدد، فأشار إلى عدة نقاط أبرزها:
1- أن ما انتهت إليه لجنتا الاعتمادات في مجلسي النواب والشيوخ، لم يصوت عليه الكونجرس الأمريكي بكامله بعد، فهو ما زال مشروع قانون، ينص على مساعدات عسكرية لمصر قيمتها 1,3 مليار، ومساعدات مدنية قيمتها 575 مليون دولار، أي ما جملته 1,875 مليار دولار، وأنه لم ترد أي إشارة من قريب أو بعيد في مشروع القانون لمركز ابن خلدون، أو لاقتطاع دولار أو سنت واحد من المعونة الأمريكية المخصصة للحكومة لصالح المركز، أو لأي مركز أو جمعية أهلية مصرية، أي أنه لا شريك للحكومة المصرية في المساعدات الأمريكية الرسمية.
2- من مراجعة مضابط الكونجرس، المتاحة على الإنترنت:
www.approniation.house.gov/index.cfm
يتضح أن السيناتور باتريك ليهي (ولاية فيرمونت) هو الذي كان قد اقترح تعديل مشروع القانون، يوم 29 أكتوبر لكي -«يضيف» لا أن «يستقطع» مليوني دولار- لمركز ابن خلدون، لتعويضه عما لحقه من دمار أثناء سنوات غلق المركز (2000- 2003)، ولكن السيناتور تيد ستيفنز، رئيس لجنة الاعتمادات، وأحد أصدقاء مصر في مجلس الشيوخ هو الذي لم يدرج هذا الاقتراح في مشروع قانون المساعدات الخارجية، وجاء المشروع النهائي للقانون خاليًا تمامًا من أي إشارة لمركز ابن خلدون أو لاقتطاع مليم واحد، من المعونة المقترحة لمصر، لصالح أي جهة أهلية.
3- انتقد سعد الدين إبراهيم ما أسماه اندفاع عدد من الصحف المصرية للحديث عن قرار الكونجرس، وعن مكافأة «سعد الدين إبراهيم»، و«رشوة لمركز ابن خلدون»، واقتطاع مليوني دولار من خير المصريين لسعد الدين إبراهيم، وأن أمريكا تريد أن تصنع من سعد الدين إبراهيم «جلبي» عراقي آخر، أو «قرضاي أفغاني آخر»... إلى آخر ما جاء من اتهامات وادعاءات القصد منها استثارة الحكومة واستفزاز الرأي العام.
كذلك رد إبراهيم على الموضوع الثاني، الذي انطوت عليه الحملة ضد مركز ابن خلدون، وهو اقتراح ربط المساعدات الخارجية بالتحول الديمقراطي في البلدان اللاديمقراطية في المنطقة، وأن ذلك جزء من الأجندة الأمريكية بعد حرب العراق فقال إن حقيقة الأمر أن دعوتي للديمقراطية وحقوق الإنسان يصل عمرها إلى أكثر من 35 سنة، وتحديدًا منذ منتصف الستينيات وخاصة بعد هزيمة 1967، وتصوري منذ ذلك الحين أن سبب الهزائم العربية هو الاستبداد وغياب المجتمع المفتوح، والمشاركة الشعبية الحقيقية في السلطة، والشفافية، والمحاسبة، وحكم القانون... وكنت وقت بداية الدعوة ما زلت رئيسًا للطلبة العرب أدرس في الولايات المتحدة.
وقال إنه منذ عودته إلى مصر والوطن العربي عام 1975، وهو لا يكف عن النضال من أجل «توأمي» حقوق الإنسان والديمقراطية، وكان من العلامات الفارقة لهذا النضال قيامه وآخرون بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وتنظيم مؤتمر أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، (ليماسول، قبرص 1983)، وشدد على أن «نضالي من أجل توأمي الديمقراطية، وحقوق الإنسان، كان سابقًا لأحداث سبتمبر 2001 ولدعوة الرئيس الأمريكي بوش، لديمقراطية في المنطقة بعشرين عامًا على الأقل»..
وقد أكد سعد الدين إبراهيم أن استخدام أمريكا وغيرها من الدول المانحة للمعونات كإحدى آليات سياستها الخارجية أمر معروف وليس بدعة هذا العام فقط، ففي ديباجة قوانين واتفاقيات هذه المساعدات يرصد المانح شروطه بوضوح وجلاء بما فيها تلك التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر هذا العام والأعوام السابقة، وأنها هي ودول نادي باريس من قبل، ودول الاتحاد الأوروبي من بعد، فعلوا ذلك من سنوات من أجل الإصلاح الاقتصادي.
وقال إن «كل ما اقترحته بعد حرب العراق هو أن تكون شروط المعونة من أجل الإصلاح السياسي أيضًا، بدلًا من استخدام القوة المسلحة».
سياسة أمريكية مستقبلية!
المشكلة الحقيقية ليست في الجدل حول تخصيص مبلغ من المعونة الأمريكية لمركز مصري يدافع عن الديمقراطية أو جمعية حقوقية أو غيره، بقدر ما هي في التحول الجديد في السياسة الأمريكية، واللعب بورقة الديمقراطية لفرض قوى معينة ليبرالية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل