العنوان قرار الكونجرس الأمريكي ينقل السفارة إلى القدس
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 26
السبت 12-أكتوبر-2002
الدوافع الدينية تتقدم على السياسة، والنفوذ الصهيونية يتنقل من الخارجية إلى «البنتاجون»
دبلوماسي أمريكي يسيطر على الإدارة الأمريكية فريق من فريق من الصقور انعزالي عدائي مندفع لا يؤمن إلا بالقوة، ولا يحسب عواقبها.
قرار الكونجرس الأمريكي الأخير باعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ونقل السفارة الأمريكية إليها، والذي مرره الرئيس بوش مع تحفظات شكلية خجولة- أثار الكثير من التساؤلات حول أسباب إمعان الإدارة الأمريكية الحالية في الانحياز لـ(إسرائيل) بصورة فاقت كل التوقعات، قرار الكونجرس وتمرير الرئيس بوش له دفعني مباشرة لاستذكار لقاء جمعني قبل ثلاثة شهور مع دبلوماسي أمريكي فاجأني فيه حجم صراحته التي تحدث بها، وعبر خلالها عن مدى دهشته وصدمته من سياسات بلاده تجاه قضايا المنطقة، فهو لم يتردد في التعبير عن تشاؤمه وإحباطه إزاء مستقبل العلاقات الأمريكية العربية، وقال إن السياسات العدائية التي باتت تنتهجها بلاده بعد الحادي عشر من سبتمبر، تدمر كل جسور العلاقة بينها وبين شعوب المنطقة، وتولد مشاعر كره عميقة في الساحة العربية والإسلامية تجاه الولايات المتحدة.
كل شيء تغير:
سألته وأين دولة المؤسسات والقانون ومراكز صنع القرار التي تدرس آثار أي قرار على أمريكا وصورتها في العالم؟ ولماذا باتت الولايات المتحدة تتعامل باندفاع وغوغائية ومراهقة سياسية تخلو من أي اتزان وتوازن أو تقدير لمستقبل مصالحها في المنطقة؟
أجاب بكل صراحة: ورغم أنني جمهوري من الحزب الحاكم، إلا أنني أنظر بكثير من القلق لما يجري، فأمريكا بعد 11 سبتمبر غير أمريكا التي عرفها العالم قبل ذلك. كل شيء تغير، لم تعد هناك أهمية لكل التقارير التي نكتبها في السفارات الأمريكية المنتشرة في العالم العربي حول سلبيات وأخطار السياسات الحالية، التي باتت تخلق لنا الكثير من الأعداء، وأضاف: يسيطر على الإدارة الأمريكية فريق من الصقور، انعزالي، عدائي، مندفع، مغامر، لا يؤمن إلا بالقوة، لا يحسب نتائج الأمور وعواقبها جيدًا، يعتقد أنه بقوته يستطيع أن يحقق كل أهدافه، وأن يخضع كل الأطراف في العالم لرغباته، ولكن الأخطر من ذلك أن هذا الفريق محسوب على التيار المسيحي الإنجيلي الذي هو أكثر صهيونية من اليهود الصهاينة أنفسهم.
وقال بصورة أكثر وضوحًا: الإدارة الحالية وعلى رأسها بوش تنطلق في تعاملها مع إسرائيل من منطلق ديني عقائدي أولًا، والمنطلقات السياسية تأتي تاليًا في حساباتها. وأضاف: إذا أنت تابعت خطابات الرئيس ستجد تباينًا واضحًا بين مضامين ولغة خطاباته المكتوبة التي يتم إعدادها مسبقًا في وزارة الخارجية، وبين خطاباته التي يتكلم فيها مرتجلًا دون إعداد مسبق، فهي التي تعبر عن معتقداته وقناعاته الحقيقية، وهي تمتلئ بالمصطلحات والمضامين الدينية.
ابنة الراهب والكنيسة الإنجيلية المتصهينة:
ومن المؤشرات التي تؤكد ما ذكره الدبلوماسي الأمريكي زلة لسان بوش الشهيرة حول الحروب الصليبية، ويعزز ذلك أيضًا ما كشفت النقاب عنه مجلة (نيوزويك) الأمريكية التي ذكرت أن مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس متدينة جدًا وابنة راهب، وخلال الأيام الماضية أشار العديد من التقارير التي أوردتها الصحافة الإسرائيلية إلى أن رايس هي الأكثر اندفاعًا من بين صقور الإدارة الأمريكية تجاه (إسرائيل)، وأنها لا تألو جهدًا في إسداء النصح للإسرائيليين في مختلف القضايا السياسية.
كما يذكر حديث الدبلوماسي الأمريكي بتحذير الكاتبة الأمريكية جريس هالسل في كتابيها (النبوءة والسياسة) و(يد الله) من تنامي نفوذ تيار الكنيسة المسيحية الإنجيلية المتصهينة في المجتمع الأمريكي؛ إذ أشارت إلى أن عدد اتباع هذه الكنيسة في أمريكا يقارب الخمسين مليونًا، وأن نحو (٤٠٪) من أتباع الحزب الجمهوري ينتمون لهذه الكنيسة، وقالت هالسل التي توفيت العام الماضي إن أربعة رؤساء أمريكيين، من بينهم الرئيس الحالي بوش هم من أتباع الكنيسة الإنجيلية المعمدانية التي يؤمن أتباعها بأن عودة المسيح مشروطة بقيام دولة صهيون، وتجميع اليهود في أرض فلسطين، وأن هذه العودة يجب أن تسبقها حرب عالمية ثالثة، ويرون أنها ستكون على شكل محرقة نووية يذوب فيها كل أولئك الذين ينكرون عودة المسيح.
ثلاثة يهود كبار في البنتاجون:
الصحافة الإسرائيلية التي أشادت بالعلاقة المميزة مع الإدارة الأمريكية الحالية، لا سيما مع كونداليزا رايس- تحدثت صراحة عن انتقال النفوذ والتأثير اليهودي على قرار الإدارة الأمريكية من وزارة الخارجية في عهد الرئيس السابق كلينتون إلى وزارة الدفاع البنتاجون في الإدارة الحالية. مصادر إسرائيلية كشفت النقاب مؤخرًا عن أن ثلاثة من كبار موظفي البنتاجون، الذين يقررون سياسة أمريكا تجاه الشرق الأوسط، هم من اليهود المتعصبين، وهم نائب وزير الدفاع بول وولفويتز، ومساعده دوجلاس فايت، ومدير التخطيط الاستراتيجي في الوزارة ريتشارد بيرل، وقد لعب هؤلاء الثلاثة دورًا مهمًا في التحريض ضد بعض الدول العربية خلال الأسابيع الماضية، وهم من أشد المتحمسين لإعادة رسم خريطة المنطقة وفق المصالح الأمريكية الإسرائيلية، ولتعزيز تحالف أوثق بين واشنطن وتل أبيب لتحقيق هذا الهدف.
المستنقع الأفغاني:
وبالعودة إلى الحوار مع الدبلوماسي الأمريكي فإنه لم يتردد في الاعتراف بأن أمريكا غرقت في وحل المستنقع الأفغاني. قال لي: أذكر أنك حذرت قبل ضرب أفغانستان من أن إسقاط نظام طالبان قد يكون سهلًا، وكذلك السيطرة على أفغانستان، وأن مشكلة أمريكا ربما تبدأ في اللحظة التي تحقق فيها ذلك، لم يكن الأمر مستوعبًا لي آنذاك، ولكني أشعر الآن بأن أمريكا في ورطة حقيقية، فلا هي تستطيع الخروج من أفغانستان؛ لأن ذلك يعني سقوط الحكومة الأفغانية الحالية وعودة نظام طالبان إلى السلطة، ولا استمرار وجود القوات الأمريكية في أفغانستان فذلك يعني استمرار حالة الاستنزاف القائمة نتيجة حرب العصابات التي بدأتها (القاعدة) وطالبان، وكلا الخيارين صعب.
(انتهى حديث الدبلوماسي الأمريكي).