العنوان أمريكا تستعد لافتراس السودان!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006
مشاهدات 70
نشر في العدد 1719
نشر في الصفحة 40
السبت 16-سبتمبر-2006
ربما يكون مصيرها في دارفور أسوأ مما يجري لها في العراق
البشير قال لمبعوثة بوش: إن أمريكا اعتادت أن تسمع كلمة «نعم».. ولكن الخرطوم ستقول: «لا».. فعجلت واشنطن عرض قرار نشر قوات دولية على مجلس الأمن!!
اليمين المتطرف يسعى لتغيير العالم في العامين المتبقيين له في الحكم
هل ينقذ (1706) شعبية بوش في انتخابات الكونجرس القادمة؟!
لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون الهجوم الأمريكي - البريطاني المشترك على أكثر من بقعة عربية وإسلامية، تارة بالغزو المباشر، وتارة أخرى بالتحريض على الغزو أو القصف أو بتحريك دمية الأمم المتحدة ضدها، أو تحريض أعوانهما «كما حدث في العراق وفلسطين ولبنان والصومال، ثم أخيرًا السودان» مجرد مصادفة!
وفي اللحظة التي وافق فيها مجلس الأمن -بأغلبية 12 صوتًا ضد 3 ممتنعين- على القرار (1706) الذي ينص على نشر قرابة 17 ألف جندي أجنبي في دارفور «بشرط موافقة الحكومة السودانية»، بدأت أوساط سياسية سودانية وعربية تحذر من أن عناصر مأساة جديدة في السودان «بعد فلسطين وأفغانستان والعراق ولبنان» تتجمع فوق سماء دارفور غرب السودان.
والأخطر أن هذا الفرض للقوات الدولية ستكون له انعكاسات داخلية خطيرة على حكومة الوحدة الوطنية السودانية الحالية التي يشارك فيها الجنوبيون الذين يؤيدون -عکس حكومة الشمال- نشر القوات الدولية، ما يهدد حتى اتفاقية السلام في الجنوب، ويعرقل تنفيذ اتفاقية السلام في دارفور، ويهدد بعودة مناخ الحرب الأهلية في الجنوب وكل السودان حتى ولو لم تتدخل القوات الدولية.
مطامع أمريكية
فاليمين المسيحي المتطرف في إدارة بوش يصر على تحقيق أي إنجاز في تغيير خريطة العالم ورسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، في ظل الفشل الواقع في العراق ولبنان وفلسطين، ويصور أن هذا ممكنًا في ظل علاقة الصداقة التي بدأها مع الحكومة السودانية لحد إرسال مبعوث خاص للرئيس البشير ودعوته للقاء الرئيس بوش في أمريكا في سبتمبر الجاري لإقناعه بالأفكار الأمريكية لنشر قوات دولية في دارفور.
وليس سرًا أن هناك مطامع أمريكية وغربية في بترول السودان الغزير، وفي موارده المعدنية، وخصوصًا اليورانيوم وخام الألمونيوم المستخدم في صناعة الطائرات والمركبات والسلاح.
ولهذا جدد الرئيس البشير رفضه القاطع دخول قوات دولية إلى السودان مهما كانت الظروف والمبررات، و«مهما كان الثمن»، خصوصًا بعدما صرح مسؤولون أمريكيون أن موافقة الخرطوم على نشر القوات «ليست مهمة»؛ لأن القوات المراد إدخالها إلى السودان تعد «مشروع وصاية، وحركة استعمارية جديدة»، وتعهد بطرد أي جندي من القوات الأفريقية المنتشرة في دارفور إذا غير قبعته إلى «زرقاء»، في إشارة إلى «القبعات الزرقاء» التابعة للأمم المتحدة.
وقال: «نحن حسبناها بطريقة صحيحة، ووجدنا إن المواجهة العسكرية حتى إذا دخلت إلى الخرطوم أفضل لنا من دخول هذه القوات الدولية، التي لن نقبلها: لأنه - حسبما قال باللغة العامية - استعمار جديد تاني ما في، وهذا كلامنا النهائي»، مهددًا بطرد أي جندي أفريقي يغير قبعته إلى اللون الأزرق.
وفقًا لآراء خبراء سودانيين وعرب، فإن السعي الأمريكي والأوروبي الحثيث للتدخل في دارفور الآن ليس اعتباطيًا، ولكنه يسير وفق خطط مدروسة للتدخل في السودان وفرض واقع جديد هناك بدعوى منع التطهير العرقي.
وفي هذا الصدد يقول د. حسن مكي المفكر السوداني المتخصص في الشؤون الأفريقية أن هناك رهانات على التدخل في السودان ودول عربية أخرى من زاوية دارفور، بسبب أهمية الموقع الجغرافي لدارفور، وأن التهديد الأمني من جانب قوات الأمم المتحدة في حال دخلت دارفور يتمثل في خطورة اعتماد هذا التدخل - وفقًا لــ «البند السابع» من ميثاق الأمم المتحدة الذي يعطي صفة الإلزامية لقراراته، ويسمح بحمل هذه القوات أسلحة، وليس «البند السادس» الذي يسمح باستئذان الدولة - ومن ثم التدخل عنوة والاصطدام بالدولة السودانية وقواتها، كما حدث في كوسوفا والبوسنة والهرسك!
احتلال باسم السلام
والأمر الأكثر غرابة الذي يلفت إليه المسؤولون السودانيون الأنظار هو الإصرار الغربي على تدخل قوات الأمم المتحدة في دارفور، رغم توصل طرفي النزاع «الحكومة والمتمردين» لاتفاق سلام يحتاج إلى من يحفظه، وبدء تشكيل حكومة انتقالية هناك بالتعاون مع المتمردين، الذين وقعوا اتفاق السلام، والسعي للتدخل قبل محاولة إقرار السلام يدل على سوء النوايا.
وعلى فرض حسن النوايا فتجارب الأمم المتحدة في حفظ السلام في أفريقيا غالبيتها فاشلة، وتتم لأغراض مشبوهة لمساندة أنظمة أو هدم أخرى.. فمن بين 32 عملية سلام قامت بها الأمم المتحدة في أفريقيا، كانت 21 عملية منها فاشلة، ولم ينجح سوى 11 عملية أي ثلث العمليات فقط، ولذلك فاحتمالات الفشل - على فرض وجود نوايا حسنة لحفظ السلام - في دارفور كبيرة، ويزيدها فشلًا وجود معطيات موضوعية للفشل بسبب التدخلات الإقليمية في الإقليم من دول الجوار، وننتشار السلاح والتدخلات الدولية، بجانب الحروب والصراعات القبلية.
لماذا دارفور؟
أما لماذا دارفور، فالسبب له علاقة أخرى بثروات السودان النفطية، والموقع الجغرافي للسودان عمومًا في منطقة القرن الأفريقي، المرشحة لتكون منطقة عمليات أمريكية استراتيجية مستقبلًا، مثل منطقة الخليج، تسمح بالتدخل في العديد من مناطق العالم العربي والأفريقي والإسلامي بسهولة ويسر.
أيضًا هناك مبرر قوي وراء سرعة التحرك الأمريكي يتعلق برغبة الرئيس جورج بوش في القيام بأي تحرك قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2006 م المقبلة، لشحذ همم مؤيديه في المنظمات اليهودية والكنائس الإنجيلية الذين عبؤوا الرأي العام الأمريكي منذ شهور ضد ما أسموه تخاذل بوش عن «المحرقة» التي ينفذها العرب في دارفور «ضد السود» في حين أن كل أهل دارفور «العرب والأفارقة» مسلمون!
تعويض الفشل
وهناك كذلك احتمالات أن إدارة بوش تسعى بشكل أو بآخر لتحقيق أي إنجاز سياسي خارجي يعوض فشلها المتكرر في العراق وأفغانستان، وأخيرًا لبنان بشأن فرض خريطة سياسية تتماشى مع المصالح الأمريكية في العالم، وأنها تصورت أن إنجاز نشر القوات الدولية في دارفور لوقف الانتقادات الموجهة لها في الكونجرس بالصمت على ما يجري في دارفور، ربما يخفف حدة الانتقادات الموجة لها، خصوصًا مع إقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بعد شهرين «نوفمبر 2006 م)، والحاجة لتحقيق أي إنجاز يساند «الجمهوريين» فيها.
القرار (1706) والخيارات السودانية
واللافت في القرار (1706) أنه يكاد يجمع بين البندين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، رغم أنه - نظريًا - تحت البند السادس فقط، فالفقرة (12) من القرار تمنح القوة الدولية - التي ستضم قوات أفريقية وآسيوية بجانب قوات الناتو - صلاحيات في استخدام القوة العسكرية في مصادرة أو جمع الأسلحة أو أي عتاد عسكري في دارفور تشكل إنتهاكًا لاتفاق السلام ولوقف إطلاق النار، ويتضمن القرار تعزيز قوة الأمم المتحدة بعدد يصل إلى 17,3 ألف جندي أجنبي و 3200 من الشرطة المدنية السودانية.
ولكنه بالمقابل - في مسعى لتليين موقف الحكومة السودانية - اشترط موافقة الحكومة السودانية، وأكد على «إلتزام المجلس القوي باحترام سيادة ووحدة وسلامة واستقلال أراضي السودان، التي لن تتضرر عبر نقل العمليات إلى الأمم المتحدة في دارفور»، وأشار إلى «تصميم المجلس على العمل مع الحكومة السودانية بما يضمن الاحترام التام لسيادتها وعلى المساعدة على حل مختلف المشكلات التي يواجهها السودان»، وأن القوة الدولية المقترحة يفترض أن «تكون، بقدر الإمكان، ذات طابع أفريقي وبمشاركة أفريقية كبيرة»، مشيرًا إلى «توسيع تفويض» قوات الأمم المتحدة في السودان «إنميس» العاملة حاليًا في جنوب السودان والبالغة 12273 عنصرًا.
ويضع قرار مجلس الأمن السودان أمام خيارين: إما أن يقبل بقرار مجلس الأمن، خصوصًا أنه ألمح لبعض إيجابياته في البداية، ويقبل بأن تشرف هذه القوات الدولية على دارفور بما يعني إنتهاء السيطرة الحكومة وانتقاص سيادتها هناك، وإما أن يرفض القرار ما يعني احتمالات زيادة الضغوط على السودان مثل سعي الثنائي الأمريكي البريطاني لاستصدار قرار آخر تحت البند السابع يتيح للقوات الدولية دخول دارفور دون موافقة الحكومة بدعوى در خطر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، إضافة لحظر جوي على الطريقة العراقية ولعقوبات اقتصادية، والمطالبة بتسليم 51 مسؤولًا لمحاكمتهم أمام محكمة جرائم الحرب.
تصورات المستقبل
المشكلة الآن أن هناك مخططًا يجري تنفيذه في المنطقة ككل، ومقدر للسودان أن يشهد مرحلته الحالية، والخطورة أن المخططات الأمريكية تنفذ غالبًا بأيدي أبناء المنطقة، سواء نتيجة التخاذل والصمت العربي والإسلامي، أو من خلال «الطابور الخامس»، وهذا الطابور تحديدًا نشط في قضية نشر القوات بشكل غير عادي من جانب معارضين وقوى أخرى جنوبية وشرقية، ووجه انتقادات للحكومة لرفضها نشر القوات؛ لأنه يتصور أن الدفة ستكون له في نهاية المطاف لو تدخلت هذه القوات الدولية.
وربما يكون الرئيس البشير والمقربون منه هم أكثر من يتفهم هذه المؤامرة التي بدأت منذ محاولة تنفيذ حكم ذي صبغة إسلامية في السودان على مدار ربع قرن مضى، ولهذا رفض حزمة الحوافز والإغراءات والعقوبات التي قدمتها المبعوثة الأمريكية «فريزر»، واعتبر قرار تدخل قوات أجنبية «محاولة لفرض الوصاية الكاملة من الولايات المتحدة وبريطانيا على سودان».
بل إن البشير قال المبعوثة بوش: إن أمريكا اعتادت أن تسمع كلمة «نعم»، ولكن الخرطوم ستقول: «لا».. ما عجل بمساعي واشنطن لعرض قرار نشر قوات دولية على مجلس الأمن، والقول إن موافقة الخرطوم ليست مهمة، رغم نص قرار مجلس الأمن عليها!!
وسيكون على الحكومة في هذه الحالة الشروع في تنفيذ الخطة السودانية لتسوية الأزمة في دارفور «التي رفضتها الأمم المتحدة» من جانب واحد، وتقوم على نشر 10500 جندي سوداني في فترة أقصاها مطلع يناير 2007 م، ومهلة ستة أشهر بهدف إعادة الأمن إلى الإقليم، خصوصًا بعدما أدى «كبير مساعدي رئيس الجمهورية» الجديد، «مني أركوي» - رئيس جبهة تحرير دارفور السابق الذي وقع اتفاق سلام مع الخرطوم - القسم القانوني أمام الرئيس البشير، وبدأ في تشكيل السلطة الانتقالية في دارفور.
أيضًا سيكون على الحكومة أن تستفيد من الفشل الأمريكي الحالي والخلافات حول تدبير قوات دولية في جنوب لبنان، في فتح أبواب الحوار مع الدول الكبرى بشكل يجمد القرار (1706) تلقائيًا ويفرغه من مضمونه، بحيث يتم فقط توسيع دور القوات الأفريقية الحالية ومدها بإمكانيات أكبر، ونشر قوات الحكومة السودانية بأعداد أكبر لمعاونتها، والسيطرة على أنصار الحكومة في دارفور بهدف توفير أجواء الاستقرار.
وإذا نجحت الخرطوم في تنفيذ هذه الخطة، ولو على مدار العامين المقبلين لحين انتهاء دور هذه الحكومة اليمينية المتطرفة في أمريكا بعد العامين، فسوف يمثل هذا نجاحًا كبيرًا لها، خصوصًا لو اتبعت هذا بمحاولات جدية لتوحيد الجبهة الداخلية بين كل القوى والفئات السياسية والقبلية والعرقية، ورغم أن هذا لن ينهي مطامع الدول الغربية التي ربما تعمد إلى تصعيد العقوبات ضد الخرطوم وفتح جبهات جديدة، فقد يكون صمود الخرطوم هو المسمار الأخير في نعش إدارة بوش.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل