; أمض لا تلتفت ها هنا أو هناك | مجلة المجتمع

العنوان أمض لا تلتفت ها هنا أو هناك

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1981

مشاهدات 66

نشر في العدد 533

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 16-يونيو-1981

أخي في الله، ثبتنا الله وإياك على طاعته وقد علمت قيمة المبادرة وحرص السلف الصالح على العمل في سبيل الله وبذل الروح رخيصة بين يدي الله، وعلمت أثر التردد والتسويف في فوات الكثير من الطاعات والفرص التي قد لا تعود مرة ثانية، وها نحن معًا نتواصى على هذا الطريق، وقد وقع بصري على نور من أنوار الطريق يعينك في هذه المرحلة، أضاءه لنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- وأحد تلاميذه الصحابي الجليل علي -رضي الله عنه-، فقد روى الإمام في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال يوم خيبر: لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه. قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبى طالب فأعطاه إياها، وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. قال: فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.. 

بهذه الروح تمضي الدعوات، وبهذه العزيمة تنتصر، وبهذا الالتزام والدقة تنفذ الأوامر، لقد كان توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الالتفات يحتمل وجهين: أحدهما على ظاهره أي لا تلتفت بعينيك لا يمينًا ولا شمالًا بل امض على جهة قصدك، والثاني أن المراد الحث على الإقدام والمبادرة إلى ذلك (۱).. وقد حمله علي رضي الله عنه على ظاهره ولم يلتفت بعينه حين احتاج إلى الالتفات.

فما أجمل أن يعيش الداعية قوله صلى الله عليه وسلم "امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك"، فيمضي في طريق الدعوة.. لا يلتفت إلى المثبطين وأصحاب الأهواء، ولا يتخذ من النفوس الضعيفة رفيقًا في هذا الطريق، فإن هذا الأمر لا تقوى عليه إلا النفوس ذات الهمم العالية، التي لا يزيدها هذا العمل إلا إيمانًا وتصميمًا على المضي.. كما ألقاها عبدالله بن رواحة رضي الله عنه يوم مؤتة مدوية عندما أقام المسلمون يتدبرون أمرهم بعد أن عرفوا أن في انتظارهم مائة ألف من الروم ومائة ألف أخرى من نصارى العرب.. فقال نفر منهم نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -نخبره بعدد عدونا.. وهنا وقف عبدالله بن رواحة قائلًا «يا قوم إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة.  وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، والله لقد رأينا يوم بدر ما معنا إلا فرسان ويوم أحد فرس واحدة. فانطلقوا بنا. فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور عليهم فذلك الذي وعدنا نبينا وليس لوعده خلف، وإما الشهادة، فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنات (۲).

فامض أخي الحبيب ولا تلتفت، فإن الدعوة دعوة الله: ﴿إن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: ٣٨).

والحمد لله رب العالمين

١) صحيح مسلم ١٥/ ١٧٦ دار الفكر- بيروت. 

۲) غزوة مؤته/ باشميل ص ۲۷۱ نقلًا عن تاريخ الطبري ٣/ ٣٧ ومغازي الواقدي ٢/ ٧٦٠.

المبادرة بالطاعة  وفعل الخير

أخي في الله: بعد أن استنار لك الطريق وعرفت حرص السلف الصالح على ألا يفوتهم موطن عمل في سبيل الله، اعلم حفظك الله أن بيت الأرقم بن أبي الأرقم لم تقفل أبوابه والعصبة المؤمنة التي قال عنها الرب تبارك وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ﴾ (الكهف: ٢٨). لا تزال في انتظارك إن شمرت عن ساعد الجد وعقدت النية لتتوب حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.. فهذا نور جديد يضعه بين أيدينا الصحابي الجليل كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك، فاحرص على أن تعمل به بما يعينك على مواصلة الطريق من غير التردد والتسويف في الطاعات، فإن الله سبحانه وتعالى تفضل عليك بأمر لا يعطيه إلا من أحب ولا يتيسر إلا لمن يسره، فبادر ولا تتأخر فما قصر من قصر إلا لأنه أخذ الأمر بالتهاون إلى أن مضى ركب الدعوة وهم في موقف المتفرج حتى ... أيديهم الخير الكثير. يقول كعب بن مالك فيما رواه البخاري:

«.... وغزا رسول الله صلى الله عليه تلك الغزوة حين طابت الثمار وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أكون معهم فأرجع ولم أقض شيئًا. فأقول في نفسي: أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى حتى اشتد بالناس الجد. فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معًا لم أقض من جهازي شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي.. اسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أمضي فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي..

والله سبحانه يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه بأن يحول بين قلبه وإرادته فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له: فمن لم يستحب لله ورسوله إذا دعاه حال بينه وبين قلبه وإرادته فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك. قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (الأنفال: ٢٤).(۲). يقول القاسمي في تفسيره: إن ذلك يحتمل وجوهًا من المعاني منها: أنه حث على المبادرة إلى الطاعة، قبل حلول المنية، فمعنى «يحول بينه وبين قلبه» يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب، ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليمًا كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا لطاعة الله ورسوله (۳) ..

هذه أحدى المعاني ولكن المعنى السابق رواه غير واحد من السلف ويؤيده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقيل: يا رسول الله آمنا بك، وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها (4) وعلى هذا القول: فوجه المناسبة كما يقول ابن القيم: إنكم إذا تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم. فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة، وعقوبة لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانته، فيكون كقوله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: ١١٠).

وقوله ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الصف: ٥).(5)

الهوامش:

(۱) فتح الباري (٤٤١٨) وهو قطعة من حديث.

(۲) زاد المعاد ٣/ ٥٧٤ بتحقيق الارناؤوط.

(۳) تفسير القاسمي ٥/ ٣٥ سورة الأنفال.

(4) أخرجه أحمد والترمذي عن أنس.

(5) التفسير القيم ٢٩١.

الرابط المختصر :