العنوان أمم متفرقة: التكالب على القوة في عالم غير محكوم (1 - 2)
الكاتب د. محمود المنير
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2020
مشاهدات 56
نشر في العدد 2146
نشر في الصفحة 58
السبت 01-أغسطس-2020
الكتاب يناقش كيفية تغيُّر النظام الدولي بالتزامن مع تحولات القوى الكبرى الغربية وفي مقدمتها أمريكا
السياسة الخارجية الأمريكية مؤخراً فاشلة لتركيزها على تطوير ترسانتها العسكرية أكثر من أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية
الاتحاد الأوروبي أكثر عرضة للتفكك نتيجة زيادة نقاط الخلل في بنية مؤسساته وآليات إداراته الحالية
الاقتصاد الصيني ضعيف لأنه قائم على نظام اقتصاد الفقاعة ما يجعله معرضاً للتدهور وعدم الاستمرار
عرض-محمود المنير:
بيانات الكتاب:
عنوان الكتاب: أمم متفرقة: التكالب على القوة في عالم غير محكوم.
المؤلف: بيتر زيهان(*).
الناشر: هاربر بيزنس، الولايات المتحدة الأمريكية.
تاريخ النشر: الطبعة الأولى، مارس 2020م.
عدد صفحات الكتاب: 480 صفحة.
هذا الكتاب:
في الوقت الذي يشهد العالم فيه تحولات جذرية غير مسبوقة بفعل تفشي فيروس «كورونا»، وما واكبه من تداعيات على كافة الأصعدة عالمياً، يصدر هذا الكتاب مواكباً لانتشار الجائحة عالمياً؛ لذا أثار ضجة وجدلاً واسعين لما طرحه من توقعات وسيناريوهات استشرافية تتعلق بالنظام العالمي، لا سيما أن «بيتر زيهان» يمتلك من الخبرة عقداً كاملاً في رصد التحولات الجيوسياسية في العالم، من خلال عمله نائباً لرئيس مؤسسة «ستراتفور» لأكثر من 12 عاماً، ويثير الكاتب الكثير من الآراء الصادمة ربما للكثير بشأن مستقبل العالم في الوقت الذي نشهد فيها انهيار الاتفاقيات التجارية، وعجز المؤسسات الدولية التي تشكل الأعمدة الرئيسة للنظام الدولي الحالي، وتوقف سلاسل التوريد العالمية بفعل تفشي فيروس «كورونا».
ويقدم «زيهان» رؤيته وتحليله للتحولات الصاعدة والمشكلات الناتجة عنها عالمياً التي من المتوقع أن تصبح واقعاً خلال العقدين المقبلين، ربما المثير حقاً هو توقعه بأن العالم مقبل على فترة تتسم بالفوضى والتحولات الكبيرة غير المتوقعة من خلال تغير موازين القوى على مستوى العالم.
يطرح «زيهان» سؤالاً محورياً في كتابه حول مستقبل النظام الدولي القادم خلال العقدين القادمين الذي بدأت تتشكل ملامحه الآن، وفي سياق الإجابة عن هذا التساؤل، يناقش «زيهان»، في كتابه، كيفية تغير النظام الدولي الحالي، بالتزامن مع تحولات القوى الكبرى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
يقدم المؤلف تصوراً مستقبلياً للنظام العالمي الجديد، مشيراً إلى أن النظام الدولي الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة كقوة عظمى تشكّل بالتحالف مع مجموعة من الدول الكبرى في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ وهو ما جعل حالة من السلم والاستقرار العالميين تسود العالم بفعل هذه التحالفات، وضمن هذا النظام الدولي تأمين حركة ممرات التجارة الدولية في ممرات الملاحة العالمية المعروفة؛ مما أدى إلى زيادة نشاط حجم التبادل التجاري بين دول العالم.
وشكل التحالف مع واشنطن طوق نجاة لحركة التجارة العالمية من تهديد الاتحاد السوفييتي، وخفض كثيراً من الصراعات التي ترتبط بالحدود الجغرافية، لكن «زيهان» يرى -مثل غيره من الكثير من المحللين والمتابعين للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط- أنه مع الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من مواقع نفوذها وسيطرتها حول العالم، باتت تثار التساؤلات المقلقة على طاولات البحث والنقاش: ما مستقبل النظام الدولي القادم في ظل هذا التراجع الأمريكي؟ وما القوى القادمة؟ وهل سيكون النظام العالمي الجديد أحادي القطب أم متعدد الأقطاب؟
يرى «زيهان» أن العالم في ظل الهيمنة الأمريكية تمتع بمكاسب غير عادية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويرى أن السبب في ذلك هو قواعد النظام الدولي الذي ترعاه الولايات المتحدة، الذي يسمح بالتبادل التجاري الآمن بين الدول، ويشير الكاتب إلى أن التجارة الحرة بين الدول ليست مجرد تبادل للسلع والخدمات فقط، بل هي تعبر في الحقيقة عن وجود شبكة عالمية من التحالفات، يحكمها نظام إداري عالمي قوي يحمي هذه التحالفات من أي تهديدات تعيق حركة تدفقها.
وضرب الكاتب مثالاً لهذه التحالفات بالتحالف بين الولايات المتحدة ودول كبرى مثل ألمانيا واليابان، وأن عدد الدول المتحالفة معها استمر في الازدياد حتى انهار الاتحاد السوفييتي في عام 1991م، فانضمت دول الكتلة الشرقية الشيوعية لدول الكتلة الغربية الرأسمالية، ثم انضمت لهم الصين التي أرادت تحقيق مكاسب اقتصادية من الاندماج مع الاقتصادات الرأسمالية الكبرى؛ وهو ما أحدث توازناً واستقراراً عالمياً، ووفر ممراً تجارياً آمناً ومنظماً بين دول العالم.
تغير السياسة الأمريكية
يرى «زيهان»، كما ذهب غيره من المحللين والسياسيين حول العالم، أن النظام الدولي الذي شكلته وهيمنت عليه الولايات المتحدة الأمريكية في طريقه إلى التراجع والأفول، ويشير إلى أننا بصدد نظام عالمي جديد يتشكل، وتحكمه المنافسة التجارية بين أمم صغيرة بآسيا وأوروبا، وأكبر دليل على ذلك إدارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» للملفات الكبرى في الشرق الأوسط، وطريقة تعامله معها، التي تختلف اختلافاً جذرياً عن السياسة الأمريكية في عهد أسلافه من الرؤساء.
ووفقاً لنظرية التحدي والاستجابة، يشير «زيهان» إلى أن سقوط الاتحاد السوفييتي في عام 1991م ثبّط من عوامل التحدي والعزيمة لدى الولايات المتحدة في الحفاظ على النظام الدولي تحت هيمنتها المطلقة كما كان في السابق، وأن اكتشاف النفط الصخري في أمريكا قلل حاجة واشنطن من النفط في منطقة الشرق الأوسط؛ فلم تعد تهتم بالحفاظ على استقراره وحمايته وعدم تهديد تدفقه بصورة كبيرة، كما كان في السابق.
ويؤكد «زيهان» أن السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات الأخيرة فاشلة، ويرجع ذلك لتركيزها على تطوير ترسانتها العسكرية بشكل أكبر من أدواتها الدبلوماسية ومساعداتها الاقتصادية التي تقدمها للدول، وعدم الاستثمار في قوتها الناعمة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي؛ وهو ما جعل سياستها الخارجية ضعيفة مقارنة بدول أخرى صاعدة بفعل الاستثمار في قوتها الناعمة.
ويقول «زيهان»: إن الولايات المتحدة بمساندة الدول المتوافقة مع سياستها والمتحالفة معها استطاعت حماية العالم من عدم نشوب حرب عالمية ثالثة، بفعل سباق التسلح النووي الذي نشهده، لكنها اليوم في ظل إدارة الرئيس «ترمب» لم تعد مستعدة لتقديم الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي للدول إذا احتاجت له إلا بمقابل، ولن تقحم نفسها مجدداً في نزاعات الشرق الأوسط بشكل مباشر.
وبناء على هذا التقييم والتحليل لمسارات السياسة الخارجية الأمريكية في العالم، وباعتبارها تمثل قاطرة النظام الدولي الحالي والمهيمنة عليه، فإن 2020م هو العام الفاصل لزيادة معدلات كراهية الولايات المتحدة الأمريكية وسياستها الخارجية على مستوى العالم على نحو متزايد، مقارناً ومذكراً بعام 2003م عندما احتلت الولايات المتحدة العراق، حيث زادت معدلات الكراهية لها عالمياً بسبب ممارساتها في العراق.
وعلى قاعدة «رب ضارة نافعة»، يؤكد «زيهان» أن تراجع الهيمنة الأمريكية عالمياً وظهور مؤشرات أفولها يشكل التحدي الذي سيولد الاستجابة، وهو أمر إيجابي على المستوى الأمريكي داخلياً، حيث سيمكّنها مجدداً من إعادة بناء ذاتها، وتطوير قدراتها الداخلية، وسد نقاط العجز بمؤسساتها، ويرى أن ذلك ممكن ولا يزال متاحاً.
مؤشرات الاضطراب
في رؤيته للتغيرات الجيوسياسية عالمياً، ووفقاً لمسارات وسيناريوهات استشرافه لمستقبل النظام الدولي، يُشير «زيهان» في كتابه إلى مؤشرات الاضطراب في النظام الدولي الحالي التي تؤشر بزواله، وستسفر عن انكشاف وولادة نظام دولي جديد، حيث يرى أن التحالفات الدولية الحالية والقادمة لن تستمر بدون مجابهة تهديدات متنوعة ومحفزة للصراع.
ويرى أن الاتحاد الأوروبي أكثر عرضه للتفكك نتيجة زيادة نقاط الخلل في بنية مؤسساته وآليات إداراته الحالية، حيث ستتراجع مكانة ألمانيا داخل الاتحاد، بينما ستتقدم فرنسا لممارسة دور أكبر، ويرجع ذلك لامتلاك فرنسا جيشاً عسكرياً قوياً ومتطوراً ومتطلعاً؛ مما سيُكسبها مزيداً من النفوذ العالمي في المرحلة المقبلة؛ وهو ما يجعلها تستحوذ على النفوذ الألماني في أوروبا.
ويتوقع «زيهان» تراجع بريطانيا وضعفها تدريجياً في أعقاب خروجها من الاتحاد الأوروبي، وأنها ستكون مجرد تابع لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية.
وفيما يتعلق بقوة الصين الصاعدة، واحتمالية أن تشغل الفراغ الأمريكي، وعلى عكس الكثير من آراء الخبراء والمحللين، يرى «زيهان» أن الاقتصاد الصيني ضعيف؛ لأنه قائم على نظام اقتصاد الفقاعة، وهو ما يجعله معرضاً للتدهور وعدم الاستمرار، وفي ظل انسحاب أمريكا من تأمين الممرات التجارية العالمية، ومع ضعف الاقتصاد الصيني القائم على التجارة العالمية، فقط لن تكون لديها القدرة على التحول إلى قوة عسكرية عالمية تقود أو تهيمن على النظام الدولي.
وبنظرة استشرافية سبقت أحداث «كورونا» وتداعياتها التي نشهدها على مستوى العالم، وتوقف سلاسل التوريد العالمية التي تستحوذ الصين على جزء كبير منها التي أكدت ما ذهب إليه «زيهان»؛ حيث ينصح الدول بالاعتماد على الذات في النواحي التصنيعية في ظل احتمالية تأثر التجارة مع الصين.
(*) مؤسس مؤسسة «زيهان الجيوسياسية»، ونائب الرئيس بمؤسسة «ستراتفور» لأكثر من 12 عاماً.