; أموال المسلمين... إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان أموال المسلمين... إلى أين؟

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 20-نوفمبر-1979

مشاهدات 66

نشر في العدد 459

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 20-نوفمبر-1979

لماذا انقلبت أموال المسلمين في هذا العصر من ملكية الشعب إلى ملكية الحكام؟

● لماذا أصبح تسبب أموال المسلمين هو الأصل في الظاهرة المالية؟

● شاه إيران المخلوع ينفق ١٠٠ مليون دولار في احتفال واحد.

 ● كلفة رحلة رئيس عربي لواشنطن ملايين الدولارات لماذا؟ وكيف؟

       لا يكاد يختلف اثنان على أن هناك انسيابًا أو تسيبًا في أموال المسلمين حتى أصبح ظاهرة عامة في سائر بلاد المسلمين، ويبدو هذا واضحًا في الإسراف السفيه في الإنفاق على الاحتفالات الموسمية وبخاصة الاحتفالات بأعياد تولي السلطة لأصحاب السلطان أو الأعياد القومية للدول والتي ابتدعت أخيرًا، ومثل هذا السفه  في الإسراف لا مثيل له إلا في البلاد المتخلفة سياسيًا، والتي لا يتمتع فيها الشعب بأدنى قسط من الوعي السياسي، وحتى لو فرض أن في الشعب من يتمتع بوعي سياسي فهذا البعض لا يملك أن يستعمل ما يملكه من وعي سياسي، لأن حرية الرأي محجور عليها في بلاده، ولأن حرية التعبير مسموح بها -فحسب- للذين يجيدون فن التزلف إلى الأباطرة الذين يتحكمون ويتسلطون ولا يرحمون، والذين يتواضعون حين يعتبرون أنفسهم أنصاف آلهة، لأنهم يطمعون في أن يكونوا آلهة لا أنصاف آلهة.

لقد أثيرت هذه الظاهرة المخجلة بيني وبين شاب نمساوي وطالب جامعي، أسلم عن دراسة وفهم وحسن إسلامه، حفظ القرآن الكريم وتعلم العربية، التقيت به في دولة عربية، قلت له: قد تكون هذه الظاهرة مستساغة لدى الدول الغنية التي لديها فائض من المال تريد أن تستهلكه في المظاهر الزائفة، ولكنها -أي الظاهرة المخجلة- ليست مستساغة على الإطلاق في الدول المسلمة الفقيرة التي تعيش إما على المعونات وإما على القروض الربوية ذات الفوائد الفاحشة.. وقال لي الشاب المسلم: مثل هذا التفسير لا أوافق عليه، لأن الإسلام لا يقره وما دمنا متفقين على أن هذه الظاهرة مخجلة، فيستوي أن تتفشى في دولة فقيرة تعيش على المعونات أو علي القروض، أو تتفشى في دولة ثرية لديها فائض المال، لأن القاعدة الإسلامية ترفض كل مظاهر الإسراف والحديث الشريف الذي يعتبر الفرد يوم القيامة يسأل عن ماله: من أين أكتسبه وفيم أنفقه، ينطبق على الدولة في شخص الحاكم المسؤول عن الدولة..

وحينما كنت أزور دولة عربية مسلمة صغيرة تعتمد كثيرًا على المعونات، لاحظت نشاطًا غير معهود على مستوى الدولة من أقصاها إلى أقصاها، وقال لي شاب جامعي: أن الاستعداد للاحتفال باليوبيل الفضي للجالس على العرش أو شك على العام، ولقد أقيم «إستاد رياضي» على مساحة شاسعة من الأرض تكلف بضعة ملايين من الدولارات، ووزارة التعليم منذ شهور مشغولة بتدريب الطلاب والطالبات في شتى مراحل الدراسة على ألوان من الألعاب الرياضية لتقديمها في اليوم المشهود، هذا وقد قدر الخبراء والمطلعون على بواطن الأمور تكاليف الاحتفال بأكثر من خمسين مليونًا من الدولارات..

وقد أشارت الصحف العالمية إلى أن شاه إیران المنفي قد كلف الاحتفال بمرور خمسة وعشرين قرنًا على تأسيس الدولة الفارسية أكثر من مائة مليون دولار، في الوقت الذي كان الشعب الإيراني يعاني الأمرين من ضنك المعيشة، وأن أكثر من مليون عامل إيراني هاجروا إلى منطقة الخليج من أجل الحصول على لقمة العيش، بعد أن ضاقت بهم السبل في بلادهم..

وسمعت منذ عامين من قنصل دولة عربية، أن رئيس هذه الدولة حين زار الولايات المتحدة، كلفت كل قنصلية لهذه الدولة العربية في دول البترول بإرسال نصف مليون دولار إلى سفارة الدولة في واشنطن لتغطية نفقات رحلة الرئيس.. الذي رافقه في الرحلة بضع مئات من هيئة المنتفعين.. أو المعتبرين عاطلين بالوراثة..

لقد سافر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى الشام لتفقد أحوال الرعية في الولاية، فلم يصحب معه إلا مرافقًا واحدًا ودابة واحدة، تبادلا امتطاء ظهرها، كان بيت مال المسلمين يسمح وقتها أن يسير الخليفة في موكب هائل إلى الشام تتحدث به الركبان، ويتغنى به الشعراء، لكن عمر كان يعلم أن أموال المسلمين ليست ملكًا لهواه ومظاهره، ولو فعل- وكان محالًا أن يفعل هذا مثل عمر، لوجد في عامة المسلمين من يصرخ في وجهه: اتق الله في أموال المسلمين يا عمر، ولقد زار أبو ذر الغفاري ولاية الشام في عهد عثمان والوالي يومئذ معاوية بن أبي سفیان، فهال أبا ذر ما رآه هناك من مظاهر البذخ والسرف مما عاد إلى الأذهان عهود الأباطرة والكياسرة فقال لمعاوية: «اسمع يا معاوية: لئن كان المال مالك فهو الإسراف الذي نهانا الإسلام عنه، ولئن كان المال مال المسلمين، فهي الخيانة لله وللمسلمين».

وعندما حج الخليفة العباس أبو جعفر المنصور تصدى له أحد الوعاظ فسأله: «كم أنفقت في حجك هذا يا أمير المؤمنين؟ فأجاب: لا أدري، إن لي غلمانًا يكتبون ويحصون ما أنفقنا» فقال له: يا أمير المؤمنين، لكن عمر بن الخطاب حين حج، سأل غلامه: كم أنفقنا في حجنا هذا؟ فقال: بضعة عشر دينارًا يا أمير المؤمنين.. فقال عمر: ويحك يا غلام، لقد أجحفنا ببيت مال المسلمين..!

وهذا هو الفرق بين أن يكون مال المسلمين ملكًا للمسلمين، وحقًا خالصًا لهم، وبين أن يكون ملكا للولاة وحقًا خالصًا لمظاهرهم.. 

عندما عاد الإمام محمد عبده من أوروبا، وسُئِل ما شاهده هناك، قال: رأيت هناك إسلامًا بلا مسلمين أما هنا فنشاهد مسلمين بلا إسلام.

كان الإمام يعني: أن الإسلام مبادئ يطبقها من لا ينتمون إلى الإسلام، وفي ديار الإسلام من ينتمون إلى الإسلام ولا يطبقون مبادئه..

فمنذ سنوات قام زوج ملكة بريطانيا برحلة بحرية على ظهر يخت تملکه وزارة الحربية.. وثارت الصحف معترضة لأن دافعي الضرائب لا يتحملون نفقات زوج الملك في رحلته، واليخت ملك للدولة، وعلى زوج الملكة أن يتحمل من ماله الخاص نفقات الرحلة.. وفي الحرب العالمية الثانية أعلن القصر الملكي البريطاني إلغاء الاحتفال بعيد ميلاد الملكة، لأن مخصصات الملكة من البيض كسائر أفراد الشعب، والبيض عامل أساسي في صناعة «الكيك» الذي هو من مستلزمات الاحتفال.. وكان أن تطوع بعض أفراد الشعب البريطاني بنصيبهم من البيض للملكة

ليتم الاحتفال. 

بل حتى في الهند الهندوكية، أرسل رئيس الوزراء نهرو يومئذٍ نشرة دورية إلى سائر سفارات الهند في العالم، يوصي فيها السفارات بعدم الإسراف في الاحتفالات التي تقيمها في المناسبات ومما جاء في النشرة: أن ثمن زجاجة «ويسكي» يكفى لإطعام عشرين من المواطنين الهنود.. كان نهرو يلبس جلبابًا متواضعًا، ونعلًا أكثر تواضعًا، لم يجلب خبراء في التجميل وعمل المكياج، كما يفعل اليوم بعض رؤساء الدول العربية المسلمة، ولم يكن يرافقه في رحلاته إلا بضعة أفراد تعد على الأصابع، لم يكن يرافقه أفراد أسرته، وأصهاره والمقربين وعشرات من رجال الأمن وعشرات

من العاملين في الإعلام.. كان يغادر الهند ويعود إليها فلا تتعطل المصالح في وداعه أو استقباله، ولا تنصب الزينات، ولا تتوقف الأيدي العاملة عن الإنتاج لتتفرغ للتصفيق لرئيس وزراء الهند.

منذ بضعة عشر عامًا- وكنت أقيم في شارع مجاور لشارع البرلمان بالقاهرة -يومئذ- سمعت هتافات مدوية بحياة الرئيس عبد الناصر، يهتف الألوف المحتشدة من العمال البسطاء والريفيين السذج، وفي الصباح استطلعت الأمر، فقيل لي: إن الرئيس «المفدى» سوف يصل غدًا في الساعة الخامسة بعد الظهر ليلقي خطابًا في مجلس البرلمان وسألت أحد العمال: لكن ما الذي جعلكم تمكثون في الشوارع المحيطة بمجلس البرلمان ثمانيا وأربعين ساعة؟ وأجاب العامل في بساطة:

ليس هذا بإرادتنا، لقد أخذنا من مواقع العمل، وتكفلوا لنا بأجر مضاعف بالإضافة إلى طعامنا وشرابنا، والعجيب أن الصحافة خرجت في الصباح وقد كتب في صفحاتها الأولى بالخط الكبير: 

الشعب يبيت في الشوارع المحيطة بمجلس الأمة يهتف في انتظار مقدم السيد الرئيس ليلقي خطابه التاريخي ويبدو أن الجهاز المسؤول عن إعداد مثل هذا التهريج، لم يفته أن يشبع هواية الرئيس حتى وهو يودع إلى مثواه الأخير، لقد استأجر النائحات لجنازته، يندبن ويلطمن، ويدعون بدعوات الجاهلية، وفي أموال الشعب السائبة متسع لمثل هذا السفه.. أقول: إن الجهاز المسئول حرص على أن يشبع هواية الرئيس وهو في طريقه إلى مثواه الأخير..

 لأن مثل هذا التهريج الرخيص كان هواية مفضلة أثيرة لديه، وما يزال أيضًا الهواية المفضلة الأثيرة لدى كثير من رؤساء الدول العربية والمسلمة، وتذكرت قصة من التاريخ فقد شاهدت السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد في موسم الحج زحامًا شديدًا، فتساءلت عن مصدر هذا الزحام، فقيل لها: هذا هو عالم أهل الشرق والغرب، عبد الله بن المبارك، يحتشد الحجاج من تلقاء أنفسهم لمشاهدته، فقال: هذا -والله- هو الملك.. لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس له بالسياط والعصي..

 قيل: إن المجمع الديني الذي سوف يقام في سيناء، والمكون من بناء مسجد وكنيسة ومعبد يهودي سوف يتكلف ستين مليونًا من الدولارات، وسوف يقام حفل عالمي يدعى إليه فنانو العالم من الراقصين والراقصات والمطربين والمطربات والممثلين والممثلات، ولا مانع من أن يفتتح الشيخ الحصري الحفل بأي من الذكر الحكيم حتى تحتفظ مصر بصفتها كدولة للعلم والإيمان، والإنسان لا يملك إلا أن يقف عاجزًا عن التعليق على هذا التهريج السفيه.. ولقد كتب الأستاذ الدكتور محمد حلمي مراد في جريدة الشعب القاهرية في أكتوبر الماضي تحت عنوان: «بين الانحراف في التحيات، والإسراف في الاحتفالات» بمناسبة احتفالات النصر في السادس من أكتوبر، و إعلانات النفاق المخالفة للقانون ولقد اعتبر أن هذه النفقات الباهظة، ليست إلا إهدارًا للمال العام، قال: إن الملايين التي أنفقت على الاستعراض العسكري و على مهرجانات الشباب لن تحقق الشعور بالأمان والابتهاج قدر ما يحققه الشعور بتوافر المواد الأساسية اللازمة للحياة اليومية للمواطن.. إن أخبار هذه المهرجانات والحفلات، والأغاني والمسارح والأوبريتات تعتبر بمثابة محركات استفزازية للجماهير التي تكد حاليًا في سبيل الحصول على الضروريات!

وبعد فإن أموال المسلمين لم تصبح -في سائر بلاد الإسلام- ملكًا للمسلمين ولا حقًا خالصًا لهم، بل لقد أصبحت ملكًا للرعاة وحقًا خالصًا لهم، والصحافة وسائر وسائل الإعلام تؤيد هذا، بالإضافة إلى أعضاء المجالس النيابية، أما علماء الدين فسامحهم الله وغفر لهم، فقد أصبحوا أعجز الناس عن أن يجهروا بكلمة الحق في مواجهة الإسراف السفيه في أموال المسلمين، أعجز من أن يتساءلوا مجرد التساؤل: أموال المسلمين أيها الحاكمون.. إلى أين؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

116

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 79

97

الثلاثاء 28-سبتمبر-1971

الجيش الأمريكي.. مسطول!

نشر في العدد 242

89

الثلاثاء 25-مارس-1975

توقفت مهّمة كيسنجر