; أمير الجماعة الإسلامية بالهند يلقي كلمته عن: مؤتمر الجماعة الإسلامية بالهند.. | مجلة المجتمع

العنوان أمير الجماعة الإسلامية بالهند يلقي كلمته عن: مؤتمر الجماعة الإسلامية بالهند..

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1974

مشاهدات 53

نشر في العدد 228

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 03-ديسمبر-1974

أمير الجماعة الإسلامية بالهند يلقي كلمته عن: مؤتمر الجماعة الإسلامية بالهند.. أيضًا: مقاطع من كلمة رئيس الجماعة الإسلامية بالهند بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. سيداتي وسادتي الكرام! إنني أرحب بكم في مؤتمر الجمـــاعة الإسلامية لعموم الهنــد في دورته الخامسة في ساعة أحدقت بالعالم كله الأزمة والاضطراب والمأســـاة العامة الشاملة، وبلادنا أيضًا محاطة بأزمة اقتصادية واضطراب سياسي عام، وأن القلوب والأذهان قد فقدت السكينة والطمأنينة والهدوء، وارتفعت أصوات النقمة والصخب والطيش من كل جانب، ففي مثل هذه الساعة والظروف الحرجة، إنني فــكرت كثيرًا في إرسال الدعوة إلى زملائي وتكليفهم وتحملهم صعوبة السفــر ومصاعبه ليجتمعوا هنا من جميــع أنحاء الهند، ولكنني وزملائي الأحباء عندي قد قرروا أن هذه الأزمـات والساعة الدقيقة تتقاضى وتطالبنا أيضًا أن يجتمع أصحاب الرأي والفكر والإخلاص الذين يـشـعرون بجنـب تضايقهم ومأساتهم أزمة الإنسانيـة العامة ومأزقها ،ليفـكروا في تخليص هذه البيئة من تلك الأزمة القاسيـة الشديدة ويقوموا بمهمة شماء وعزم راسخ محكم ليقبلوا تيار الحيـــاة ويصلحوا الأمور كي تجري الميـــاه مجاريها. ولا تخص هذه القضايا المتراكمة المترامية الأطراف وهذه الأزمـة الإنسانية والاضطراب العام في الناس ليس ببلادنا الهند فـحـســب، بل إن العالم كله يكاد أن يقع فريسة لمثل هذه الظروف الحرجة القاسية والأزمة المميتة. إن هذه الأحوال تضطـــر جميع أصحاب الرأي والفكـــر أن يفكروا من جديد ويلقوا نظرة عميقة شاملة کل أرض ومصر، ومن كــل ناحية وجانب، لإصلاح الحال والبيئة والظروف، وفي نفس هذه الساعة التي نحن نجتمع الآن في دلهي قــد اجتمع ثلاثة آلاف مندوب مـــن جميع أمم العالم في هيئة الأمم المتحدة «يو، أین، أو» ليفكروا في تقديم حلول أساسية للقضايا العالميـــة الخطيرة. إن العالم اليوم على مفترق الطرق الجديدة والناس جميعًــــا ينتظرون بفارغ الصبر من الــــذي سيقرر يا تری لإنقاذ الإنسانية من الهلاك والدمار والأزمة المحدقة بها، ومسـودة البيان التي قررتها هيئــة الأمم المتحدة للنظام الاقتصـــادي الدولي الجديد في أبريل سنـــة 1974م يؤید رأي شخصية عالمية كبيرة صرحت بأن العالم اليـــوم يتمخض بنظام عالمي جديد بحرقــة وتألم يتمخض عالمًا بیئته وصلاحـه ونجاحه وأخلاقه الراقية تتقاضى أن يتساند البعض بعضه ويعتمد واحد على الآخر. الواقع أن النهضة العلميــــة والتكنولوجية توحد الدنيا كلهـا بسرعة عجيبة، وأن كل حركة تبرز في بلد من البلاد تحيط بالآخر وتغمره بأهدافه وأسسه ونتائجه، وأن مجالات عمل الجماعة الإسلامية في الهند تخص الجمهورية الهنــديـة فحسب، ولكن الرسالة الإلهية الخالدة التي حبـــاها الله لتدبيـر الحياة الإنسانية ونظمها التي قامت هذه الجماعة لتنشرها بين أوساط بلادها هي في الواقع حاجة الإنسانية بأجمعها. إن الأسس الصالحة التي يكمن فيها صلاح مواطنينا وإخواننا في الهند هي الأسس نفسها التي تكفل فلاح الإنسانية كلها وصلاحها، هذا هو الحافز الذي شجعنا لنتقدم إلى مواطني بلادنا التي تؤمن أغلبيتها الساحقة بالله تعالى بشكل مــــن الأشكال، وتشعر بحاجة الرسالـــة الإلهية والمبادئ الروحية والأسس الخلقية وتعترف بأهميتها بدعوة الفكر والنظر في هذه الظـــروف الدقيقة القاسية، نحن نتمنى أن أكبر جمهورية في العالم هذه تعني بجد وهدوء لتأليف نظام عالمي جديد وخلق بيئة إنسانية جديدة علـــى الأسس القويمة التي هي بحاجــــة إليها، وتبرز بلادنا الحبيبة هـذه للنوع البشري بتعمير بيئتها علــى أسس صالحة ومبادئ بناءة جديدة، وتقدم إلى العالم كله نموذجًا صالحًا للبناء والرقي والنهضة العظيمة. ونحن اجتمعنا اليوم في قلب بلادنـا بتلك المشاعر المخلصة الظاهرة لنتقدم باقتراح مناسب وحلول سليمــــة للقضايا المهمة الخـطيرة في هـــذه الساعة، ونظرًا لهذه الفرصــــة الدقيقة، رأينا من الخير أن يشاركنا في هذه الندوة الفكرية العلمـــاء والمفكرون البارزون في العالم الإسلامي، لذلك رجونا عددًا كبيرًا من رجال الفكر وأصحاب العقائد والمبادئ أن يشرفونا في هذا المؤتمر الإسلامي العام ونحن نشعر غاية السرور والفرحة بأن عددًا منهم شرفـــونا بقدومهم الميمون وهم الآن بين أيدينا على هذه المنصة ولله الحمد. نحن نشعر بسرور بأن حضورهم في مثل هذه الساعة الدقيقة يبرهن على أن مشاعر هؤلاء المفكرين الإسلاميين ذات المشاعر التي نحن نكن في صدورنا نحو القضايا الإنسانية المشتركة، قدموا لنتعاون نحن جميعًا في تقديم الحلول الأساسية السليمة لهـــذه القضايا التي نحن بصددها الآن. فيجب أولًا أن نفـــكر فيما هي القضايا الإنسانية الخطيرة المعقدة؟ أزمة القوت والجوع من أهم قضايا العالم الإنساني وأعقدها في قضية قلة التنمية وقضية الجوع، أن هذه القضية تشكلت بأزمة خطرة هائلة نحن نمر بها في بلادنا ونذوق مرارتها، أن الغلاء الفاحش وفقدان الحــــوائج الضرورية والجوع والفقــر يحيط البلاد من كل جانب، وقد أصيبت الولايات المختلفة بحدب وقحط وقلة الزرع والغلة، وأن الأنباء تتوالى من ولاية بنغال الغربية وأوريســــــــة وراجستان أن مئات من الأشخــاص قد ماتوا جوعًا، وحرمت النساء مــن الملابس التي يسترن بها عوراتهـــن، وقد فقد الأطفال أبصارهم من الأغذية الفاسدة الناقصة، ويشاهــد في دلهي نفسها جمع كبير من أهالي بنغال الغربية الذين لاقوا الجـوع والفقر والفاقة وجاءوا طلبًا لقوت يومهم وهم يهيمون في كل وادٍ ولا يجدون ما يشبع جوعهم ويقضـــون أيامهم بتعاسة وبؤس وشقاء، وأن بلادنا المجاورة بنغلادش في حالـــة أخطر من ذلك قد لاقى آلاف مـــن الأشخاص حتفهم جوعًا، ويمــوت مئات منهم يوميًا، وليست قلــة التنمية وأزمتها تخص بلدًا دون بلد، بل إن جميع البلدان المتخلفة محاطة بمثل هذه الأزمات والمصاعب، ويبدو المستقبل أحلك وأظلم من الحاضر. فقبل أيام قليلة أعلن في تقــرير اللجنة الإضافية لمجلس العمـــوم للولايات المتحدة الأمريكية كالتالي: أن الأزمة الاقتصادية وقلة الغذاء لا تزال تزعج الناس وتقض مضجعهم في كل مجال من مجالات الحياة إلى أن يفكر من جديد في تعــــدیلات أساسية لنظام الغذاء والأقـوات وزيادة السكان التي تؤثر على كـل شخص من كل ناحية من نواحـــي الحياة، كما أن أزمة القوى العامة قد تأثر بها الناس جميعا في عـــــام 1973 – 1974م وسيصاب في عـــام 1974م نحو مائتي مليـــــون إلى أربعمائة مليون شخصً من الجوع والفقر، ويموت أكثر من عشرة ملايين شخص من قلة الغذاء، ويكون عدد الموتى فيهم أكثرهم من الأطفــــــال أعمارهم تتراوح بـين خمـس سنـوات وأقل من ذلك. وقد أعلن نفس الهواجس المخيفة قبل أيام الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة الدكتور كورت فالدهايم، وفي ضوء هذه البيانات التي صدرت من الجهات المسؤولة تقدر الحالة الخطر الشديدة للعالم. إن الأرض بدأت تفتح خزائنهـــا بطرق زراعية حديثة وبنهضة علمية تكنولوجية يومًا بعد يوم، ولكن مع ذلك قضية قلة الغذاء وقضيــــة الجوع تقلق بال العالم وتشتد يومًا فيومًا. إذا ألقينا النظر على الحقائق والأحوال بدقة وإخلاص لرأينــــا واضحا جليًا أن هذا العذاب الــذي ابتلى به النوع البشري هو بما كسبت يده، لأن هذه الحالة التي ظهــرت هي نتائج تلك الأسباب التي نشأت بفساد تفكير الإنسان وطرق أعماله السيئة مباشرة. • السبب الأول من هـــذه الأسباب هو توزيع الثروة الخاطئ والتخطيط الخاطئ والنظام الاقتصادي الفاسد. • والسبب الثاني هو تقصـــير الحكام وعدم شعورهم بواجبهـــم وفسادهم الخلقي. والسبب الثالث هو الميزانية الهائلة والنفقات الباهظة لإعـــداد أدوات الحرب والقوى الحربية.. إن الوسائل والحوائج الضرورية لحياة النوع البشري التي أعدتها له القدرة الإلهية تنفق في إعــداد الأسلحة الفتاكة والتجارب النووية والقنابل الذرية. • والسبب الرابع هو شره تجار بلادنا والرأسماليين والإقطاعيين في حصول الأرباح والفوائد والاحتكار وسيطرة السوق السوداء على اقتصاد بلادنا التي سببت فقدان الأشيــــاء الموجودة في البلاد لعامة الناس. والسبب الخامس هو سياســة الاستغلال والقساوة في حصـــول المطالب والاغراض من البلاد الراقية والغنية بالثروة والتنمية. إن هذه البلاد تحتل مكانة مرموقة بين الأمم في التجارة وكسب المنافع بالنسبــة للأمم الأخرى، لذلك فإن هذه البـــلاد تحصل على فوائد كثيرة وتفتــــرس اقتصاد البلاد المتخلفة والضعيفة في الرقي والنهضة، وهذه البـــلاد الضعيفة في حاجة ماسة شديدة إلى منتوجات تلك البلاد والحبــــوب الزراعية لحاجاتها اللازمة من ناحية، ومن ناحية أخرى تسترعي انتبــاه الناس مروءة هذه البلاد الراقيــة بأنها تشتري المواد الخام بأثمــان رخيصة بخسة ويصنعون بها أشيــاءً ومنتوجات يبيعونها في هذه البلـدان الضعيفة المتخلفة بأثمان غالية رفيعة، وأن هذه البلدان الراقية عندمـــا تقدم ديونًا لهذه البلاد نفسهـــا لتشتري مصنوعاتها فتأخذ الفوائد الربوية، ولا تغفل أن تستغل في ظلالها القيمة السياسية أيضًا في هذه البلاد الضعيفة. سادتي الكرام وســـيداتي الكريمات.. إن لم تستأصل هــذه الأسباب لا يمكن أن تزال قلـــة الأشياء والتنمية والجوع والفقر والفاقة. إن الأمر الذي يثلج فؤادنا هو أن في هذه القضية نفسها، قضية قلــة التنمية والأزمة الغذائية، يعقــد في أيامنا هذه مؤتمر الغذاء العالمي في روما، نرجو أنه سيلقي نظرة عميقة واقعية على القضية، وعندما تقــدم حلولًا لهذه القضية لا تصرف النظــر عن تلك النواحي التي ذكرناها أعلاه. الخوف وعدم الثقة فيما بينهم: والقضية الثانية المعقدة التي أثرت كثيرًا على السلام العالمي والخلــق الإنساني والأقليات الإنسانية والأواصر البشرية وسياسة الأمم واقتصادها هي الخوف وعدم الثقة بين الجماعات والطبقات والأحزاب والأمم المختلفة، ونستطيع أن نشاهد في أوساطنـــا هذا التخوف وعدم الثقة بوضــوح وجلاء، ويسيطر هذا الخوف والذعر على أقليات بلادنا من قبل أكثرية السكان، ومن الطريف أن الأكثرية لا تخلو من الذعر والخوف من قبـل الاقليات أيضًا. إن التعبئة العسكرية والنشاطات الهجومية والاضطرابات الطائفية كلها نشأت من هذا الذعــر والخوف، ذلك هو الخوف الذي يعمق البعد الحضاري واللســاني والإقليمي بين الأفراد والجماعات، والعالم الخارجي أيضًا يقلق بالنا ويفسد هدوءنا وطمأنينتنا ويسيطر دائمًا على قلوبنا وجوارحنا خشيـة القوى الخارجية، إن كل ذلك قد أثر على أخلاقنا ومثاليتنا وطرق تفكيرنا وسياستنا الداخلية والخارجية وسياستنا الاقتصادية، لـذلـك نحن نضطر أن نخصص في ميزانيتنــــــا مصارف كبيرة لإعداد أدوات الحرب والدفاع القومي مع أننا مصــابون بأزمة اقتصادية شديدة. لا تختلف ظروف البلدان الأخرى عن ظروف بلادنا، يشاهد في كــل بلد ومكان الخلاف المذهبي واللساني والامتياز العنصري، وذلك هو الخوف وعدم الثقة الذي فتح هوة كبيرة بين الأمم المختلفة هددت سلامة العالم وأمنه، ذلك هو الخلاف وسوء الظن الذي نشأ بين الدول الكبرى الثلاث «أمريكا، وروسيا، والصين»، ولذلك تشعر الدنيا كلها بأنها على حافة الحرب المدمرة والأسلحة الفتاكة. إن التنافس الكبير الذي يشاهد في الشرق والغرب لإعداد الأسلحة والقنبلات الذرية نشأ من ذلك الخوف نفسه، فالوسائل التي خلقتها القدرة الإلهية وهيأتها لراحة الإنسان وعيشه الرغيد قــد تسببت اليوم في خلق القلق والذعــر والخوف والاضطراب في قلبـــه، القوة الذرية التي كان من الممكن أن تستغل لسلامة الإنسان ولحــل قضاياه السليمة، تحولت إلى إنشاء الخوف والذعر، للهتك والفتــك والدمار، كان من الممكن أن تعود ترقية العلوم والتكنولوجية رحمة للإنسانية كلها، صارت وسيلة مفزعة لكيل الظلم من الإنسان على الإنسان. قد صودفت الدنيا في هذا القــرن بحربين هائلتين، وقد ظهرت الحرب الباردة بشكل جديد، والحـــروب الإقليمية تلتهب حينًا بعد حيـــن، وتتحلق الحرب الذرية دائمًا على النوع البشري كله ولا ترتبط سياسة الأمم بمبادئ وأخلاق، كل أمـــة تفعل ما تشاء وتسير كما تريد، كل حزب بما لديهم فرحون، تزعم كل أمة أن نهضتها ورقيها يكتمن في القوة الحربية وسياستها الاقتصادية، ولا ترى البلدان الضعيفة فلاحهـــــا ونجاحها إلا أن تستظل بظل كتلة قوية لتحصل بمساعدتها قوة كبيرة بأقصى سرعة، وترى القوى الكبرى من اللازم أن تتشبث بمكانتهــــا المميزة وفوائدها الجمة أن تبقى البلاد الضعيفة ضعيفة كما كــانت لكيلا تزول سيطرتها ويدها العليا من أمكنة القوة وخزائن الطاقة، لذلك لا تزال الأمم الغنية تزداد غناءً وقوة، والأمم الفقيرة تزداد فقرًا وشقاءً مع أن أصوات التعاون ترتفع عالية بين أوساط الأمم والمجالات الدولية. وتتوسع الشقة والبون الشاســــع بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة المحرومة في المجال العالمي.. إن هذه الروابط الودية والتعاون الوثيق بين الكتلات القوية تجعل الأمم الضعيفة تشد أزرها وتلم شعثها وتقوى نفسها وتسير بالعالم إلى كتلة جديدة من الطاقة. أزمة القوت والجوع القضية الثالثة الكبيرة، بل أكبر قضية في الواقع يواجهها العالــم الإنساني اليوم، هي قضية الانحطاط الخلقي، وكانت الإنسانية تستطيع أن تتخلص من عذاب قلة التنمية والجوع والخوف والذعر وعدم الثقة فيما بينها إذا كانت تملك المثالية والأخلاق الفاضلة، ولكن الواقع اليوم أن إنسانًا لا يثق بإنسان ولا يرجو منه خيرًا ولا نصيحة ولا برًا أو معروفًا ولا رأفة ولا رحمة، ولا يتوقع منه إنجاز الوعد والصدق والأمانة والوفاء، وتكاد أن تزول هذه القيم الخلقية السامية التي هــــي جوهرة الإنسانية الغالية، إن هذا الانحطاط الخلقي وفقدان السيـــرة المثالية قد دمرت سياستنــــــا واجتماعنا واقتصادنا، وما بقي الناس متخلفين بهذه القيم الخلقية في أي ناحية من نواحي الحيـــاة لا يشعرون بالتلكؤ والخجل والحياء في الكذب والخداع والخيانة وإخلاف الوعد، يشعرون بحرية تامة في الرشوة والارتشاء، ويسيطرون على حقــوق غيرهم بدون حياء واحتشـــام، ولا يراعون في تداوي الإنسان وصحته لجلب الأموال وإكثار الغني، ويوقعون خلق الله في مصائب كثيرة بالاحتكار وجلب المنافع والفوائد العاجلة. إنهم يدوسون أغـراض الناس الآخرين وأرواحهم وأموالهم لأغراض تافهة ولحصـــول الجـــاه والمنصب والثراء، والطامة الكبرى هي أن جيلنا الجديد الذي هــــو مستقبل هذه الأمة يسير مهرولًا إلى الانحطاط الخلقي، ولو أن هـــذا الانحلال الخلقي لا يخص بلادنا فحسب بل إن العالم الإنساني كلـــه مصاب بهذا الداء المزمن الفتـــاك، ولكن الحالة في بلادنا خطيرة جدًا. إن كل رجل في بلادنا يشعر بضيق وانزعاج من الخيانة والفوضى، كما صرح رئيس جمهورية الهنـــد السابق السيد ف. ف. كيري أن قضيتنا الكبرى هي الخيانة المنتشرة في كل ناحية من نواحي البــــــلاد، والزعماء الآخرون قد صرحوا أنه ليس من الخطأ أن نقول إإن الخيانة قد تسربت في كل مصلحة من مصالح البلاد، وقد تسرب الفســــاد إلي سياستنا وصحافتنا خاصة إلــــى أقصى حد، كان يجب أن تـــكون متصفة بأهداف الحياة الرفيعـــة ومبادئ الأخلاق السامية ومرتفعة عن الأغراض النفسية والنفعيـــة، ولكن هذه السمات لا توجد لها أي أثر عند هؤلاء الناس. إن مــن أهم أسباب هذا الانحطاط الخلقي وفقدان المثالية في المحيط الداخلي والبيئات العالمية هو أن التعبد لله والخـــوف منه والمسئولية في الآخرة قد جعلوها وراءهم ظهريًا، ولم تبق قوة تنشئ ارتباطًا سليمًا مع القيم الخلقية، وقد صفيت نظم التعليم خاصــــة ونظم الحياة عامة من هذه الأسس والأفكار والنظرات التي كــــانت تستطيع مباشرة أو رأسًا أن تحلــى الإنسان بالميول الخلقية السامية، وذلك بسبب الحضارة الغربية الملحدة، وعدم الثقة والارتيــــاب في الرســـالات السماوية والتوجيهات الدينية. ثم فصمت علمانية الفكر الحيــــاة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن الدين والروح، وحصرت الديانة في تقاليد دينية بحتة، وصـــارت الأسس الخلقية الرفيعة للدين خاصة بالحياة الشخصية، ونشأت أسس أخلاقية حديثة مستضيئة من زعم وتقدير فلسفة ميكاويلي والأفكار الاقتصادية الماركسية ونظرات فرويد، وطبقت كل هذه الأسس في مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصاديــة والسياسية الواسعة المهمة، ومن الطريف أن الإنسان جعل نفسه حرة في تطبيق مفاهيم هذه القـــواعد والأسس طبقًا لأهوائه وأغراضــــه ومطالبه، والمقاييس التي اختارها لنفسه لم يسمح لغيره أن يسير على تلك المقاييس، وبعض الأحيـــان خولفت هذه المقاييس حسب الحاجة والضرورة الشخصية. الواقع أن الفرد بانحطاط القيم الخلقية والمثالية الإنسانية يشعر بقلق وأزمة شديدة وحرمة العائلات والأسر من الإخلاص والحب والتقدير، ويتفجر بركان التفكك والتخرب والتناحر في سياسة الأمم الداخلية وأصيبت الروابط الدولية بأزمــة وضعف كبير. ليس هناك من رجل لا يريد تغيير الوضع واصلاح الأمر، وهناك أغلبية ساحقة من الناس تشعر بأنه لا يمكن الإصلاح إلا بالتحلي بالأسس الخلقية والقيم الخلقية المستقلة في الحياة العملية كلها، ولكن يوجد قليل من الناس يتجاوز إرادته الأمـــاني والأهواء ويجتهد بإخلاص وصــــدق أن يخضع قضايا الحياة كلها تحت القيم الخلقية، ثم يوجد أقل منهم رجال يفكرون بأن اتباع أسس الحياة الصالحة وتطبيق القيم الخلقية في المجتمع وترويجها لا يمكن أن ينشأ بالبراهين المنطقية أو الوعظ والتذكير والنصيحة. سادتي وسيداتي الكرام.. هـــذه القضايا الخطيرة المهمة التي تمر بها الدنيا كلها وبلادنا وأمتنا وملتنا جميعًا، تعالوا نشعر بمسؤوليتنــــا الضخمة في التفكير بأن هذه القضايا المعقدة كيف تحل؟ إن فكرتنا بهذا الصدد هي أن الإنسان بحاجة ماسة حقيقية أن يدرك مكانته الصحيحة وأهداف حياته الحقيقية ويخضع بين يدي ربه وخالقه تعبدًا وامتثالًا، ويحيي في نفسه فكرة المسؤولية في الأخرة ويعتبر الجنس البشري كله أســرة ومجموعة من عباد الله الواحد الصمد، ويعيش معهم كفرد واحد من هذه الأسرة العظيمة ويحس نفسه أن جميع وسائل الدنيا وأسباب الحياة هي وسائل هذه الأسرة المشتركة، ويدرك واضحًا جليًا أن التوزيع الجغرافي للبــلاد والمناطق لتيسير الأمور للإنسان بسهولة ويسر فحسب، وليس أساسًا لتبديد الأخوة الإنسانية بین أحزاب وجماعات وفرق، والحاجة ماسة إلى أن يوجد للوحدة الإنسانية أساس محكم قويم، ونستطيع أن نجد ذلك في فكرة الوحدة الإلهية ولكن يجب أن تتضح تمامًا هذه الوحدة الإلهية وفكرتها الشاملة وإلا لا يمكن أن نحل القضايا الإنسانية المعقدة بهذه الفكرة غير الواضحة. إن الفكرة الواضحة والتصور الشامل الجامع لوحدة الإله هي أن نؤمن بأن الله واحد أحد صمد، ونؤمن بأن البشرية كلها يجب أن تخضع للوحدة الإلهية وتعترف بالحكم الإلهي فحسب، وبهذا الشكل يمكن أن يمتنع الإنسان أن ينفذ أوامره على الإنسان الآخر ويستغله لأهوائه وأغراضه، ويمكن بذلك أن تتحول تلك الهتافات التي ترتفع هنا وهناك للحرية والمساواة والعدل الاجتماعي والتكافل الاجتماعي الى تطبيق عملي صحيح، وفي تعبير آخر.. إن اضطراب العالم الإنساني وفساده الحالي يستأصل إذا خطونا خطوة جريئة لبناء الحياة من جديد بوحي مــن تعاليم الواحد الأحد الصمد ورسالته، وأن هذه التعاليم والهداية الإلهية كانت تواصل رسالاتها في المناطق المختلفة والأمم المتنوعة عن طريق رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وكان آخرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانت رسالته الخالدة للإنسانية جمعاء وإلى يوم القيامة كما أعلن بذلك الله تبارك وتعالــــى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة سبأ: 28)،﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107). إن المجتمع الإنساني الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من جديد بحكم من الهداية الإلهية كان يكمن في طيه كل وسيلة من وسائل الهداية والتوجيه لكل أمة وبلاد في كل عصر ومصر، إنه نموذج مثالي صالح للمجتمع الإنساني الخيِّر ونظام الحياة العادل، كان من مثالية هذا المجتمع وطهارة ذلك الحكم وصلاحه أنه اضطر الزعيم غاندي قبل الاستقلال بأيام أن يقول لوزرائنا في المستقبل أن يجعلوا عصور خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، أسوة حسنة ونموذجًا مثاليًا لحكمهم وسلطتهــم، إنني أحب من رجال الحكم والسيادة في بلادنا أن يدرسوا الإسلام وتعاليمه برحابة الصدر وقلب حيادي نزيه لينقذوا الوطن الحبيب مـن الأزمات القاسية الحالية ويعمروه على أسس صالحة بناءة.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

143

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

231

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8