العنوان من الحياة أمي الحبيبة (2)
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2010
مشاهدات 96
نشر في العدد 1898
نشر في الصفحة 56
السبت 17-أبريل-2010
تناولت في العدد الماضي الإشارة إلى قصة الابن البار بأمه المعوقة ذهنيًا والتي أذاعتها إذاعة القرآن الكريم بدولة الكويت يوم الأربعاء 31/3/2010م, وتفاصيل هذه القصة كما يلي:
تقول إحدى الطبيبات: دَخَلَتْ عليَّ في العيادة امرأة عجوز في الستينيات من عمرها، يصحبها ابنها في الثلاثينيات من عمره، لاحظت اهتمامه الزائد بوالدته، فهو يُمسك بيدها، ويُهندم عباءتها، ويُعدلها، ويطعمها، ويسقيها. لاحظت الطبيبة اضطراب الأم العجوز في تصرفاتها وأقوالها، وعرفت من الابن من خلال الفحوص أنها تعاني اضطرابًا عقليًا فسألته: مَنْ يرعاها؟
فأجاب الابن: أنا
فقالت: من يهتم بنظافة ملابسها
وبدنها ؟
فقال الابن أنا أدخلها الحمام وأحضر ملابسها، وأنتظرها إلى أن تنتهي، وأصفف لها شعرها، وأضع ملابسها في خزانتها، وأغسل ملابسها، وأشتري لها ما تحتاج إليه من ملابس واحتياجات سألت الطبيبة الابن: ولماذا لا تُحضر لها خادمة تقوم على خدمتها؟
فأجاب الابن: لأن أمي مسكينة
كالطفل لا تشتكي وأخشى أن تؤذيها الخادمة دون أن أدري.
تقول الطبيبة: دهشتُ من كلام الابن وعظيم اهتمامه وبره بأمه وسألته هل أنت متزوج؟
فأجاب: نعم، متزوج والحمد لله، ورزقني الله أطفالًا.
قلت: إذن زوجتك ترعى أمك.
قال: إنها لا تقصر في حقها ولكني أحرص على أن أشارك أمي الطعام حتى أطمئن على ضبط السكر لديها, فزاد إعجابي، وحاولت التحكم في دمعتي، واختلست نظرة إلى أظافرها، فرأيتها قصيرة ونظيفة.
نظرت الأم لابنها، وسألته: متى تشتري لي البطاطس؟ فأجابها: الآن سنخرج من هنا، ونذهب لشرائها قبل أن نعود إلى البيت بإذن الله تعالى، ففرحت الأم، كالأطفال وهى تردد: الحين سنشتري البطاطس نظرت الطبيبة إلى الابن، فإذا وجهه مشرق، تملؤه ابتسامة تعبر عن فرحه لفرح أمه، وهو ينظر إليها بحب وود، ثم بادر الابن الطبيبة قائلًا: والله يا دكتوره إني أفرح لفرحتها أكثر من فرحتي بأطفالي الصغار.
تقول الطبيبة تناولت ملف الأم العجوز وبدأت أسجل فيه ما أريد تسجيله، كنت أكتب وأنا غاية في التأثر، ولم أستطع التحكم في دموعي، وسألت الابن: هل لوالدتك أبناء أو بنات غيرك؟ فأجاب: أنا وحيدها، فقد طلقها والدي بعد شهر من زواجهما.
فقالت الطبيبة إذن الذي رباك هو أبوك؟
فأجاب: كلا، بل ربتني جدتي لأمي، فقد كانت ترعاني وترعى أمي، ثم توفيت جدتي وعمري عشر سنوات.
فسألته الطبيبة في هذه الفترة. هل كانت أمك قادرة على رعايتك ولو جزئيًا؟
فأجاب الابن: أمي مسكينة غير قادرة طوال عمري، ومنذ أن بلغت العاشرة وتوفيت جدتي وأنا أحمل همها، وأرعاها بفضل الله تعالى وتوفيقه.
تقول الطبيبة كتبت للعجوز الوصفة الطبية، ووضحت للابن كيف يعطي أمه الدواء، ثم أغلقت عيادتي وقلت للممرضة أحتاج إلى راحة وبكيت من أعماق قلبي وكبدي، وأنا أردد يصنع هذا مع أمه رغم أنها لم تسهر الليالي ولم تمرضه، ثم بكيت على أحوال كثير من الأولاد العاقين لأمهاتهم وآبائهم، وتذكرت حالي مع أمي، وقارنت حالي بحاله، وتساءلت: هل سيبرني أولادي عندما أكبر كهذا الابن الكريم الحنون؟ ثم قلت في نفسي: إن الأم تستحق العطاء بلا حدود، ألم تتحمل المعاناة والمكابدة في فترة الحمل وساعة الولادة؟ فما أروع التعبير القرآني وما أعد له وما أحكمه: ﴿﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ ﴾ (الإسراء: 23-24).
من الجميل أن تمتلك «فيلا» واسعة عظيمة، وتتزوج زوجة طيبة جميلة وتستمتع بزينة الدنيا وملذاتها، ولكن الأجمل من هذا كله أن تكون لك أم تبرها، فتسلك ببرك لها طريقك إلى الجنة تقبل يدها وتطلب دعاءها، وتسعى دائمًا لإرضائها, ربما لا تعرف حجم الحب الذي يكنه قلب أمك لك، ولن تدرك ذلك إلا بعد أن تتزوج وتنجب, فإذا لم تدرك ساعتها ذلك الحب الفياض فاعلم أن قلبك اعترته قسوة، فصار كالصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
إن الأم تظل تحمل هم ابنها حتى عند سكرات الموت، فمن واقع الحياة وصلتني رسالة تبرز مدرسة الأمومة التي لا ينضب معين حبها أبدًا، حتى في أشد اللحظات، في سكرات الموت لم تنس الأم ابنها، فهذه أم لم تنجب إلا ابنا وحيدًا، وكانت منبع الحنان ونهر الحب المتدفق بالنسبة له إنها أم سطرت أسمى معاني الحب عند الاحتضار، كان ابنها يحضر هذه اللحظات العصيبة، فيحتضن أمه ساعة سكرات الموت، ويرتمي بأحضانها، ويضمها، ويحتويها، وهي تردد: أنت الأهم يا بني، من سيطهو لك طعامك؟ ومن يغسل لك ملابسك؟ من سيؤانس وحدتك هذه الليلة بعد أن أفارقك راحلة إلى دار الحق؟ فيبكي ابنها وتذرف دموعه من عينيه، فتبادر باحتضانه، وهي تمسح دموعه وتقول: لا تحزن يا بني فالله أرحم بك مني، فلن يضيعك, يا بني، لا تحزن علي، فالآن أرى مقعدي من الجنة وها هي ملائكة الرحمة تتنزل تبشر أمك، فاجتهد في عمل الخيرات، حتى تكون معي في الجنة, يا بني، الآن أرى بشارة ربي، تلك البشارة التي كنت كثيرًا ما أقرؤها في القرآن الكريم وأعيش معناها وأتمناها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32)﴾ (فصلت: 30-32).
حسبي يا بني أني أرى الآن مقعدي في الجنة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأن الملائكة تبشرني، وأن الله لن يضيعك أبدًا.
سلام عليك.. أمي الحبيبة:
لقد أبدع الشاعر الدكتور لطفي زغلول في بطاقة الحب التي أرسلها إلى الأم، حيث يقول:
كتبتُ أحدث عنك الجموعا
وأوقدت أحلى القوافي شموعا
وأطرقت بين يديك خشوعا
وحُبك يغمر مني الضلوعا
ورددت أماه بين يديك
سلام عليك.. سلام عليك
ســلام على بسمة
تمطر الحب من مقلتيك
تغمر الروح من شفتيك
سلام على لمسة من يديك
سلام عليك.. سلام عليك
توضأ قلبي بفيض حنانك
كبر بين يديك وصلى
فمن منك أماه بالحب أولى
ومن منك أحلى.. ومن منك أغلى
لك الشعر في عرشه يتجلى
قصائد حب لعينيك تتلى
وهـا أنـا أصبحت في العمر كهلًا
وحين تضميني أتمنى
لو أني أعود كما كنت
بين ذراعيك طفلًا
سلام عليك.. سلام عليك
ومهما قسوت ومهما سلـوتُ
فإني الحبيب المفدى لديك
أيمم رحلة عمري إليك
سلام عليك.. سلام عليك
تباركت بين الخلائق أمًا
فحبك مــا زال يكبر
في القلب يومًا فيومًا
فهل كان غيرك يأسو جراحي
ويحنو إذا أي خطب ألمًا؟
وهل غير قربك فرج همًا
وهوٌن غما؟
سأبقى أجلك مهما تقلدت
أعلى المراتب جاهًا وعلمًا
فأنت أجل وأغلى وأسمى
وهل من عظيم على الأرض إلا
صنيع يديك؟؟
سلام عليك.. سلام عليك
سأبقى الصغير الذي كنت يومًا
بحضنك أجبو سأبقى إلى قبلة
منك أهفو.. أحن.. وأصبو
وأقـسـم مـا غيـر قلبك قلب
وحبك ما قبله كان حب
ولا بعده.. كان والله حب
وأقسم أني سأبقى إلى آخر العمر
من نبع حبك أُسْقى وأُسْقَى وأُسْقَى
وقلبي سيورق شوقًا
وروحي ستزهر عشقًا
ومهما بعدت رجوعي إليك
سلام عليك.. سلام عليك
دعوة إلى البكاء:
تلك قصة أخرى من الواقع لا من الخيال إنها تدعو إلى بكاء البار بوالدته، كما تدعو العاق للبكاء على نفسه بطل هذه القصة شيخ كبير وصل إلى التسعين من عمره، وكان يرعى والدته رعاية كاملة، فلما تقدمت به السن، ووهنت عظامه، واشتعلت رأسه شيبًا، جاء أخوه الأصغر، ليحمل عنه العبء وينال جزءا من شرف رعاية الأم، فرفض الابن الأكبر، فاحتكم الابنان إلى القضاء ويوم جلسة المحكمة أتى الابنان يحمل كل منهما أمه بالتناوب مع الآخر، وهي لا تتجاوز عشرين كجم، فسأل القاضي الأم العجوز عمن تفضل من الابنين أن يرعاها؟ فأشارت إلى الأكبر وقالت هذا عيني، ثم أشارت إلى الأصغر وقالت وهذا عيني الثانية، فاضطر القاضي أن يجتهد، فحكم بالرعاية للأصغر لأنه الأقدر على رعايتها، فبكى الابن الأكبر وانهمرت دموعه حزنًا وحسرات على ضعف قدرته على رعاية أمه بعد أن صار شيخًا كبيرًا ضعيفًا، وحرم من رعاية أمه فليبك كل من فقد أمه ولم يستثمر حياتها فيرعاها وليبك كل من بر أمه شوقًا لنيل ثواب ذلك وللقائها في الجنة، وليبك كل من عق والدته حسرة على إهماله وضياع تلك الفرصة الذهبية.
[*] أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل