; أمي.. يا حبيبتي | مجلة المجتمع

العنوان أمي.. يا حبيبتي

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 25-مارس-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1694

نشر في الصفحة 41

السبت 25-مارس-2006

أمي حبيبتي.. أكتب لك من وراء الحجب، ناجيك بظهر الغيب، وأدعو الله لك إن كانت لي دعوة مستجابة، أن يجزيك عني الجزاء الأوفى، حبك لي وإحسانك إلي، وعطفك علي، ورعايتك شخصي الضعيف، وجسمي الواهن، وعقلي الغرير ونزعاتي الشرود، وتقويمك لرغباتي جامحة، ونفسي العنيدة، وطبعي الهائج صغيرًا نشت طفولتي الطليقة على حساب طاقتك، صبوتي الغريرة على حساب راحتك، ودراستي العديدة في ظل رعايتك، كم كانت فرحتك بي حانية، وشوقك إلى غامرًا، وتوجيهاتك لي العديدة، كنت الحياة التي لا بديل عنها، والحنان الذي لا أرى سواه، والغذاء الذي لا أطعم غيره، التربية التي لا تيأس من جموحي، والأمان الذي لا أشعر معه بخوف، والمحضن الذي ألوذ إليه من همي وغمي، أنت أول الحب، وبدء الهوى، عشق الروح، وبحر العطاء، ومفتاح الجنان.

هواها هوى لم يعرف القلب غيره***فليس له قبل وليس له بعد

كانت أمي صاحبة عقل فطري، ونظر سيري، ومعرفة واقعية، وتجربة ذاتية، تحس الأشياء كما هي، بغير بهرج ولا ألوان، وتحكم إليها بدون لف أو دوران، وتأمر وتنهى فيها بدون عياء أو خذلان، لا تعرف النفاق، ولا تطيق الرياء، لها طبيعة مستقيمة ونفس واضحة رادة قوية وشخصية عظيمة قادرة لا تهاب النقد، ولا تتساهل في التوجيه، أو تتسامح مع الضياع واللعب تعرف المجد فتمدحه، وتكشف الكسول وتفضحه.

كنت أعجب من معرفتها للمُجّ من أول هلة، وللبليد من أول نظرة، كانت تحس تعبي في الدراسة وجدي فتمدحه وتقدره، ورغم ذلك بإنها كانت تلاحظني وتنصحني، وتراقبني، عطف وحنو وتقدير، كانت تتألم كثيرًا لألمي مزني وكنت أعلم ذلك، فأحاول أن أخفيه أداريه ولكنها كانت تكشفه وتسائلني فلا تستطيع له إنكارًا، أو لها خداعًا، كانت تحب الحياة سهلة سلسة لا تعقيد فيها ولا مشكلات ترضها، حيث تربيت في بيوت مستقرة في الحياة وفي العيش، فهي من سلالة لأصحاب جاه ومكانة وعز وشرف، ولهذا فهي تكره الخضوع أو الإحراج، أو ما يذهب الكرامة ويسبب المهانة. 

كان تعليمي بعيدًا عنها في باكورة حياتي الدراسية في الابتدائي، فتغريت صغيرًا، وكان ولهها بي كبيرًا، وعشنا بعيدًا عن الأهل بدون رقابة من أحد، فلعب من لعب فهوى، وجد من جد ففاز، فنفعتني نصائحها وفراستها، وغرسها العظيم للجد في نفسي، وللثقة في ذاتي، حتى أنها قالت لمن خوفوا أهلي من غربتي: لا أخاف عليه وفيه مخايل الرجولة، وكنت عند حسن الظن في الجد وعدم التيه، رغم الفرق الكبير بين حياة الريف ومعيشة المدينة التي تسرح فيها الملاهي وتروح، وكنا نزور أهلنا في كل شهر أو شهرين لنأخذ وتتزود ما نقتات به من خبز وارز ولحم ودجاج وخلافه، وكنا نصل إلى قريتنا يوم الخميس بعد الدراسة ليلًا، فلا تسل عن فرحة اللقاء، وحر الشوق، وبرد الحنان الذي لا يباري، وبعد قليل يبدأ العمل في تجهيز «الزوادة»، وليس عندنا إلا سحابة الليل، لأننا سنسافر الجمعة بعد الصلاة. 

فتشمر الأم الحنون عن ساعد الجد، وتنخل الدقيق وتعجنه، وتبيت تخبزه حتى يبرق الفجر، ثم توالي طبخ الدجاج إلى الظهيرة بغير نوم أو راحة، وهي فرحة مسرورة، إلى أن يأتي الظهر فنصلي الجمعة ونتغذى مما لذ وطاب، ثم نتهيأ للسفر، ويكون الوداع بالعواطف الجياشة، والقلب الملتاع بالفراق، مع التزود بالنصائح الغالية، والوصايا الكريمة، بالحفاظ على أنفسنا وعلى دراستنا، ثم نعطى النقود التي نعيش بها الشهر أو شهرين من الوالد، ونتوجه بعدها للسفر.

وكم كنت أحس أن هناك نفسًا واحدة تتفتت لتفترق، وتنفصل ليسافر بعضها ويلتاع البعض الآخر، ومازلنا كذلك حتى أمضينا الدراسة الابتدائية، والثانوية في معهد الزقازيق، ثم المنصورة، ونحن على هذا الحال، ثم سافرنا إلى العاصمة «القاهرة» لتلتحق بالكليات الأزهرية، فبعدت الشقة ولم تبتعد الأرواح والنفوس والأشواق، وكنا قد اخترنا أن تعمل مع العاملين في الحقل الإسلامي والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقامت الثورة المصرية ففرحنا بها، لذهاب حكم الملك الفاسد، ولكن سرعان ما انقلب الأمر، وحاربت الثورة العاملين في الحقل الإسلامي، ونالنا ما نالهم، ودخلنا السجون والمعتقلات، وسبب ذلك ولأول مرة صدمة عند والدتي ووالدي، وأهلي، وأصبح لا يقر لهم قرار، ولا يهنأ لهم عيش أو بال.

وصاحبت تهمة العمل في الحقل الإسلامي أهوال ما بعدها أهوال، ومحاكمات تذاع، وتهم تلفق، وإعدامات تنفذ، وانتشر هذا الهول حتى فتت أكباد الأهل، وفعل بالوالدة الأفاعيل، ولا ندري من حسن حظنا أو سوئه أننا كنا في سجن مصر نطل من بعيد على شارع مهجور، فنشأت سماسرة تدل الناس على مكاننا، فيأتي الأهل وينادون على أسمائنا، فإن سمع أحد الإخوة نادى على الاسم، فيتعلق الشخص على رقاب زملائه ليطل من كوة تسمى شباكًا، ليحادث أهله ويطمئنهم أنه ما زال حيا يرزق، وكان هذا يخفف شيئًا من ألم الفراق، ولكنه كان في نفس الوقت يفعل الأفاعيل في عواطفهم؛ إذ كيف صار ولدهم بغير ذنب إلى هذا المصير الذي لا يعرفون له نهاية؟! فبعض الناس مرضت أمه وأصاب أهله ما أصابهم.

وأذكر أنني كنت أحس بلوعة والدتي وأنا أنظر من بعيد إليها، وهي لا تستطيع أن تستبين سوى صوتي، وأدعو الله لها وهي عن بعد تذهب حطامًا نفسيًا لا يعلم مداه إلا الله، وتكرر معنا هذا الموقف في سنة ١٩٥٤، و١٩٦٥م، وهلم جرا، وفي كل مرة تلاقي ما تلاقي ولا تقول يوما إلا ما يرضي ربنا سبحانه، ولا تنهاني عن هذا التوجه مادام يرضي الله سبحانه. 

وها أنت قد رحلت يا أمي، والحال هو الحال، ولكنا على العهد راعون، ولنصائحك عاملون، وفي برك ماضون، وبالدعاء لك مستمرون، نسأل الله أن يجزيك عنا خير الجزاء، وأن يلحقنا بك في الصالحين، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، فسلام عليك إلى يوم الدين، وفي جوار رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2123

207

السبت 01-سبتمبر-2018

الحج موسم الرحمات

نشر في العدد 12

139

الثلاثاء 02-يونيو-1970

ركن الأسرة - العدد 12

نشر في العدد 2101

1028

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

تلك هي إحدى معجزات هذا الكتاب