العنوان أم سلمة رضي الله عنها.. «الزوجة الحكيمة»
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2011
مشاهدات 46
نشر في العدد 1961
نشر في الصفحة 54
السبت 16-يوليو-2011
- تنّزل الوحي في بيتها وروت 378 حديثاً وكانت تعد من فقهاء الصحابة
- هاجرت هي وأبو سلمة مع السابقين الأوائل إلى الحبشة ثم رجعا إلى مكة ولما أذن في الهجرة إلى المدينة كانا من السابقين إليها
- تزوجت من الرسول ﷺ في السنة الرابعة للهجرة وعاشت معه عيشة الكفاف واختارت الله ورسوله والدار الآخرة
- كانت امرأة حكيمة تراعي أحوال زوجها وما يعانيه من مشاق الدعوة ولا تبخل بجهد من قول أو فعل
- توفيت بالمدينة عام 61 ه بعد أن عاشت نحو 90 سنة ودفنت بالبقيع فكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين
إذا ذُكِرَتْ ذكِرَ معها الإيمان والثبات، والصبر والتضحية، والحكمة والعقل، والرأي السديد.. انتقلت إلى بيت النبي ﷺ زوجة له بعد أن ترملت باستشهاد زوجها بجرح له أصابه في غزوة أحد ظن أنه التأم، لكن الله تعالى كتب له الشهادة، كما كتب لها أن تصير من بعده أمّاً للمؤمنين وزوجة لنبي الله في الدنيا والآخرة، وداعية إلى دينه على مر العصور، وقد تنزل الوحي في بيتها، وروت 378 حديثاً وكانت تُعَد من فقهاء الصحابة.
إنها أمّنا أم سلمة رضي الله عنها.. هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن مخزوم، ولدت سنة 28 قبل الهجرة، في أسرة عريقة ذات مجد ونسب، كان أبوها سيد قومه معروفاً بالكرم والسخاء، فكان يكفي كل من يسافر معه مؤنة سفره من زاد وماء حتى لقب بزاد الركب. وهي بنت عم خالد بن الوليد، وبنت عم أبي جهل عمرو بن هشام، وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة الكنانية، لكنها سبقتهم جميعاً إلى الإيمان فأسلمت مبكراً مع زوجها أبي سلمة عبدالله بن عبد الأسد بن هلال بن عمر بن مخزوم الذي كان أخاً للنبي ﷺ من الرضاع وكانت أمّه عمّة النبي ﷺ. المهاجرة الصابرة..
هاجرت هي وأبو سلمة مع السابقين الأوائل إلى الحبشة، ثم رجعا إلى مكة، ولما أذن في الهجرة إلى المدينة كانا من السابقين إليها، لكن الله تعالى ابتلاها في هجرتها فلم تستطع مغادرة مكة معه إذ انتزعها قومها بنو المغيرة منه وغلبها بنو عبد الأسد على ولدها فتنازعوه مع قومها حتى خُلعت يده، وتروي كتب السيرة أنها قالت: «مضى زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة، وفرق بيني وبين زوجي وابني فكنت أخرج كل غداة وأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريباً منها .»
وبعد أن ذاقت حرارة الشوق وطعمت ألم الفراق كتب الله لها اللقاء بزوجها، فهاجرت بابنها إليه لتكون أول من هاجر إلى المدينة من النساء.
دعوة أبي سلمة..
روى ابن سعد في الطبقات عنها أن أبا سلمة دعا لها قبل موته: «اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني، لا يحزنها ولا يؤذيها، فلما مات أبو سلمة قلت من هذا الذي هو خير من أبي سلمة؟! وحين أقف أمام هذه الكلمات الرائعة لا أدري ممن أتعجب، أمِن أبي سلمة ودعائه وحبه لها وخوفه عليها، أم مِن حبها هي لأبي سلمة وعظم قدره ومنزلته في قلبها حتى أنها لم تر أحداً من الرجال يكافئه أو يحل محله في نفسها، فلم تكن تعلم حينئذٍ أن خير البرية ﷺ سيخطبها لنفسه.
أين دعوة أبي سلمة تلك من حكر بعض الأزواج على زوجته الزواج بعده إن طلقت أو ترملت، بل إن بعض الرجال يقسم عليها ألا تتزوج حتى تموت، فما الحال لو كانت بحاجة إلى العفة والعفاف والرعاية والسكن؟!
وأين قول أم سلمة من أقوال بعض النساء حين لا يتورعن عن ذكر أزواجهن بكل منقصة ويسترن الجميل من فعالهم أحياء وأمواتاً ويكفرن العشير؟!
«وبشر الصابرين ..»
أما عن صبرها فتروي وتقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها- إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها »، قالت:
فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ، فأخلف الله لي خيراً منه، رسول الله ﷺ. رواه مسلم.
في بيت النبي..
تقدم كبار الصحابة لخطبتها لكنها اعتذرت، وحني خطبها النبي ﷺ قالت له: «ولكني امرأة فيّ غيرة شديدة فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال. فقال: «أما ما ذكرتِ من الغيرة فسوف يذهبها الله عز وجل منك، وأما ما ذكرتِ من السنّ فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرتِ من العيال فإنما عيالك عيالي ،» قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ، فتزوجها رسول الله ﷺ. روره أحمد، وتم الزواج في شهر شوال في السنة الرابعة للهجرة. ودخلت أم سلمة بيته وعاشت معه عيشة الكفاف وتحملت خشونة الحياة، وخُيّرت فيما بعد مع أزواجه فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة.
دروس من الزواج المبارك..
وحين نمعن النظر في زواج أم سلمة من النبي ﷺ فإنا نجد فيه من الدروس والمعاني الكثير ومن ذلك:
- الصراحة والأمانة قبل الزواج: وهذا من أسباب استقرار الحياة الزوجية فيما بعد ودوام المحبة والألفة بين الزوجين.
- خطورة الغيرة الشديدة على الحياة الزوجية: وإلا لما دعا النبي ﷺ بذهابها عنها، فالغيرة من الزوجة مقبولة شريطة الاعتدال فيها، كما أن على الزوج مراعاة ما جبلت عليه من تلك الغيرة فلا يدفعها إليها دفعاً، ولألسف فإن بعض الأزواج يخطىء حين يكثر من مديح غيرها أو يقارن بينها وبين ضرتها، ويسعد عندما تأكل الغيرة قلبها بل ويتلذذ بذلك، وهذا ليس من حسن العشرة في شيء.
- رعاية الولد: خاصة إن كانت المرأة أرملة وكان زواجها الجديد فيه إضراراً بأولادها الصغار الذين هم في حاجة لرعايتها، فهنا يجدر بها أن تصبر وألا تتزوج حتى لا يضيعوا، وفي الحديث: «أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أني أرى امرأة تبادرني فأقول لها: مالك ومن أنت؟ فتقول أنا امرأة قعدت على أيتام لي » رواه المنذري الترغيب والترهيب.
- ضم الزوج أولاد زوجته الأيتام إليه وفضيلة كفالة اليتيم: وهذا ما كان من النبي ﷺ حين قال لأم سلمة: «فإنما عيالك عيالي » ولو اقتدى الأزواج به في ذلك لكُفل أيتام كثيرون وعُوضوا عن فقد آبائهم بأب بديل راع هو زوج أمهم، وهذا من مكارم الأخلاق، لكننا للأسف نجد من يشترط على الزوجة إما هي وإما أولادها الأيتام، ويعلنها صراحة إن أرادت ضمهم إليها فيقول لقد تزوجتك ولم أتزوج أولادك! فماذا لو كانت هذه الزوجة هي ابنته أو أخته أو زوجته من بعده؟!
المجاهدة الصابرة.. والزوجة الحكيمة..
لقد صحبت أم سلمة النبي ﷺ في غزوة خيبر، وفي فتح مكة، وفي غزوة هوازن وثقيف، وحصار الطائف، ثم في حجة الوداع, وكانت امرأة حكيمة عاقلة، تراعي أحوال زوجها وما يعانيه من مشاق الدعوة ومتطلباتها فتعينه عليها بصبر وحكمة، ولا تبخل بجهد من قول أو فعل، وكانت خير مثال للزوجة الصالحة الحكيمة، فحين صحبته إلى مكة معتمراً مع أصحابه ومنعوا من دخولها وتم صلح الحديبية، أمرهم أن يتحللوا من إحرامهم فشق عليهم أن يرجعوا دون أداء عمرتهم. وذكر لها النبي ﷺ هذا فقالت له:
«يانبي الله، أتحب ذلك، اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل غماً » رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر: «وإشارتها على النبي ﷺ يوم الحديبية، تدل على وفور عقلها وصواب رأيها .»
شاوروهن وخالفوهن!!
قال السيوطي: وأما ما اشتهر على الألسنة من خبر: «شاوروهن وخالفوهن ؛» فلا أصل له، وقال الزرقاني: باطل لا أصل له. وقال السخاوي: لم أره مرفوعاً.
نعم.. ففِعل النبي ﷺ يبطله، فقد أخذ وهو أفضل الخلق وأكملهم بشورى زوجته أم سلمة، وأثبت بهذا أن للمرأة رأياً محترماً وفكراً ناضجاً، وكأن في ذلك دعوة للأزواج ألا يهملوا رأيها وأن يستمعوا إليها، وما يضير الرجال في أن يشاوروا أمهاتهم وزوجاتهم، وأخواتهم وبناتهن ويستمعوا لهن ولا سيما فيما يتعلق بأبنائهن وبناتهن وشؤون الأسرة، وما يضرهم إذا أخذوا بشُُوراهن في ذلك وغيره ما كانت صواباً وخيراً، وها هي القدوة تتمثل في فِعل النبي ﷺ، ليس في زماننا الذي نزعم فيه تحرر المرأة، بل في زمن قريب العهد بوأد المرأة جسداً وفكراً، لكن الإسلام حررها ورفع قدرها وأعلى من شأنها واحترم رأيها، ألا يحتاج الذين يقولون شاوروهن وخالفوهن، وينسبون ذلك زوراً لنبي الله، أن يراجعوا أنفسهم ويضعوا الموازين في نصابها ويعيدوا للمرأة حقها!!
هل «طاعة المرأة ندامة !؟»
وهذه حجة أخرى يستدل بها من لا يعرف قيمة المرأة ويحط من قدرها، فيظن أنها إنسانة قاصرة التفكير دائماً، عاجزة عن الرأي أبداً، بعيدة عن الحكمة دوماً، وقد ذكر الألباني أن هذا الحديث موضوع، وقال ابن الجوزي: لا يصح. وضعفه السيوطي.
وفي هذا الحديث، وفيما رواه العسكري عن عمر أنه قال: «خالفوا النساء، فإن في خلافهن البركة » جاء في الجامع الصغير للإمام السيوطي: «وقول عمر رضي الله عنه هو في كل ما هو من وظائف الرجال كالأمور المهمة، ولا يؤخذ منه مخالفتهن على إطلاقها فذلك خالف العقل والحكمة، وإنما يفهم منه عدم التحرز من مخالفتهن إذا رأى الرجل خطأهن، فإن في مخالفتهن حينئذ البركة.
ومردّ ذلك شدة ضعف الرجال من قبيل النساء، وسهولة ذهاب لبّ العاقل بسببهن، فنبهوا في هذا الحديث وأمثاله إلى ذلك الضعف، كما نبهوا مثلاً في القرآن وفي أحاديث أخرى إلى فتنة المال والبنين. أما موافقتهن في أمور الخير، ومشاورة المرأة الصالحة، فلا ندامة في أمثالها .»
هذه هي أم سلمة..
قال لها النبي ﷺ: «أنت وابنتك من أهل البيت ».. وقد شبت ابنتها زينب في رعايته فكانت من أفقه نساء زمانها، وزوّج النبي ﷺ ابنها سلمة من أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب.
توفيت بالمدينة سنة 61 ه بعد أن عاشت نحو تسعين سنة, ودفنت بالبقيع, فكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
المراجع
1- عظماء الإسلام - محمد سعيد مرسي
2- تراجم سيدات بيت النبوة رضي الله عنهن.. الدكتورة عائشة عبد الرحمن
3- صور من سير الصحابيات.. تأليف عبد الحميد بن عبدالرحمن السحيباني
4- مؤمنات لهن عند الله شأن - تأليف الدكتور محمد بكر إسماعيل.
5- موقع المحدث.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل