أم سلمة.. والتربية بالسنّة
للأستاذ: منير الغضبان
أم سلمة بنت زاد الركب. أو هند بنت أبي أمية بن المغيرة رضى الله عنها. علم من أعلام التربية الإسلامية الخالدة. نقف مع حديث روته ننهل من معينه دروسا رائعة في التربية..
ها هي تفقد أغلى ما في حياتها حين وصلها نبأ استشهاد زوجها أبي سلمة رضي الله عنه أنها في لحظات الصدمة العنيفة. والخبر المفجع يرد على بالها ذلك الخاطر الحبيب إلى نفسها وهي تصغي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظته.
«ما من مسلم تصيبه مصيبة فقال ما أمره الله وإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها».
وها هو لسانها يردد.. إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها.. استجابة لأمر الله ورسوله ثم تقف عند هذه الجملة.. إلا أخلف الله له خيراً منها. وتسائل نفسها ومن خير من أبي سلمة؟ ما لها وللرجال، أن زوجها العظيم الذي عاشت عمرها معه تفكر في بديل عنه معاذ الله، أنها تطرد الهاجس من فكرها وكلما بدأت أسماء الرجال تلتمتع في ذهنها تستغفر الله. ما لها وللناس. ومن في الناس مثل أبي سلمة؟ أول مهاجر إلى الله ورسوله في دار هجرته. أو تلك الأيام الخوالي التي قطعت بها الصحراء وحيدة مع الوحشة والليل والغربة حتى تلحق بزوجها في قباء. وترجع بها الذاكرة أكثر وأكثر إلى الوراء.
أو تنسى ابنها سلمه وقد خلعت يده بين أهلها وأهل زوجها؟ ثم تستفيد ذلك الرجيع يوم سجنها أهلها وحالوا بينها وبين الهجرة أو تنسى تلك الأيام السود وهي تخرج خارج خبائها كل ليلة تبكي ما شاء الله لها أن يبكي حزناً على فراق زوجها الحبيب؟ والحزن الأكبر على بعدها عن أخواتها المسلمات. رهينة بيد الشرك. إن قلبها ليتفطر. تذكر دمعها المدرار. ثم تحس بدمعات غزار تهطل منها تبلل وجنتيها. هيهات. لقد مضى زوجها الحبيب إلى غير رجعة. وبدأ الألم والحزن يتجدد. فيهيج النفس للنحيب فتستجيب. تم تذكر موعظة نعيها لها فتردد.
إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها.
ثم تتلعثم والغصة في حلقها. من خبر من أبي سلمة. وتنظر إلى ابنتها زينب زهرة لم تتفتح الأكمام عنها بعد. فتضمها إلى صدرها وتودعها في قبلة كل ما تملك من حنان. وتذكر أنها صارت يتيمة بلا معيل فيشتد الألم. وتذكر الدعاء. وتستجيب المسلمة الصابرة لله ورسوله:
إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها.
وتكرر الدعاء إذعاناً واستسلاماً لله ورسوله.
وتمر الأيام بطيئة ثقيلة. ويخف وحر الصدر وسعير الألم، وتشارف على مغادرة أيام الحداد. أربعة أشهر وعشرا، والشهيد العالي في قلبها قرير. لقد كان يملأ حياتها سعادة وطمـأنينة وهناءة وبدأت تفكره في هدوء.. واخلفني خيراً منها.
إنها عن الرجال عازفة. ولها في ابنتها شغلاً عن الناس. وفي سنها عزوفاً عن الزواج. ولكن رسول الله الصادق المصدوق يؤكد- إلا أخلفه الله خيراً منها.
ترى من يقدم لخطبتها وهي المسنة ذات العيال؟..
وهي مؤمنة مستسلمة لله. تكرر الدعاء استجابة لأمر الله ورسوله.
وانقضت العدة. وبدأ القلق يساورها من الخاطبين. وودت لو تغلق بابها عليها فما لها من إرب بالرجال بعد أبي سلمة.
أهو هو. خير من أبي سلمة. ثاني اثنين إذهما في الغار. وأول الأمة إسلاماً، ومن واسى رسول الله بنفسه وماله. وعادت صورة أبي سلمة تحتل ذهنها، وتملأ عليها حياتها. فاعتذرت في رفق. أنها لا تريد الرجال. ولكن كيف تفعل بحديث رسول الله صلوات الله عليه.
- إلا أخلفه الله له خيرا منها.
وما كادت يقر لها قرار حتى خطبها عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
أهو هو. خير من أبي سلمة. فاروق الأمة من أعز الله به الإسلام. إنها لتعرف من عمر. وما مثلها يجهله. ومع ذلك فلأبي سلمة في قلبها من الحب والإكبار ما لا يطاله عمر. واعتذرت في رفق ولا يزال صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرن في أذنها. إلا أخلف الله له خيراً منها وتخشاه في الوقت نفسه في أعماقها. ولكن أبا سلمة شاخص أمام عينيها في زاوية الغرفة، في صحن الدار، في الفراش عندما تأوي إليه. ثم تضم زينب إلى صدرها وتغيب عن دنياها بها فهي دنياها مع بقية أحبابها الصغار مع سلمة الذي اقترب من الخامسة من عمره. يدرج كزهر الربيع النضير، والله كفيل بإعالة يتيماها.
وأشرقت الشمس عليها ذات صباح. وهي تحس في نفسها بخدر غريب من النشوة الحالمة لا تدري مصدراً لها، ومضت سحابة من النهار لتنتبه على طريق الباب عليها. وعرفت أنه حاطب بن أبي بلتعة ترى يريد الزواج، والتي اعتذرت برفق لوزيري رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، أفلا تعتذر لحاطب؟.. لكنها فوجئت بالنبأ المذهل. إنه يخطبها لرسول الله.
أم سلمه.. لرسول الله.
يا لها من أمنية أغلى من قبض القمر عندها. أو ترنو في الدنيا إلى أعظم من سيد الخلق يكون لها زوجاً وتصبح أما للمؤمنين في الأرض؟.. ماذا تجيب؟..
وتتوارد الخواطر العنيفة. فتتلعثم ماذا تجيب.
أبو سلمة المهاجر المجاهد الشهيد. سلمة وزينب ريحانتاها في الوجود. عائشة وحفصه في بيت النبي عليه الصلاة والسلام وكان لا بد من جواب. فحاطب بن أبي بلتعة في الباب.
حزمت أمرها وهي تعلم أنها تخسر العزّ العظيم بين الناس وليكن فمرضاة رسول الله أهم بكثير من تلبية عواطفها المضطربة قالت كلمتها الحاسمة:
إن لي بيتا وأنا غيور.
أو «إني مسنة، غيرى، ذات عيال».
ومضى حاطب بالخبر وأغلقت الباب ضارعة في قلبها إلى الله والصوت يرن في أعماقها: إلا أخلف الله خيراً منها... وأمسكت رأسها بيدها تحاول أن تدفع التفكير فلا تجد سبيلا إلى ذلك.
ثم يطرق الباب ثانية فتفيق من ذهولها وشرودها مرتاعة. حاطب يعود ثانية فيخفق قلبها بعنف وتسمع الجواب: أما إنك مسنه، فأنا أكبر منك، وأما الغيرة فيذهبها الله عنك، وأما العيال فإلى الله ورسوله».
نعم.
وندع لها رضي الله عنها أن تحدثنا بهذه القصة الرائعة "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة فقال ما أمره الله، إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها. قالت: فلما مات أبو سلمة رضى الله عنه قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إني قلتها فأخلف الله تعالى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: إن لي بنتا وأنا غيور فقال صلى الله عليه وسلم: أما ابنتها فندعو الله يغنيها عنها. وأدعو الله تعالى أن يذهب بالغيرة". أخرجه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي.
ونقف لنتعلم بعض دروس التربية من خلال هذا النص.
- المسلمة العالمة: فأم سلمة هي التي نقلت لنا هذا الحكم الشرعي ما يقوله المسلم عند المصيبة. إذا ألمت به. وكم من أحكام الإسلام فقهناها من النسوة الخالدات في تاريخنا العظيم.
- المسلمة الداعية: فلقد نقلت لنا الحديث رضى الله عنها بالأسلوب الذي يقربه إلى أذهاننا بحيث مثلته واقعاً حياً لا كلاماً نظرياً بحتاً. ومن خلال المعاناة الشخصية المباشرة.
- المسلمة المربية: فهي قد أعطتنا في هذا المجال من الدروس ما لا يحصى. ومن خلال مقتضب واحد.
- وفاء المرأة لزوجها: إن عليها أن ترى أن زوجها هو مثلها الأعلى بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام مهما كان هذا الزوج. وأن يحيا هذا في شعورها وتؤمن به الإيمان الذي لا يتزعزع لتستقر حياة الأسرة في عشها الهنيء الهادئ.
- التقسيم من خلال العقيدة: فعظمة أبي سلمة في ذهنها ليس بمدار ما يقدم لها من لباس وزينة، أو يهيئ لها من طعام وشراب. بل عظمته في نفسها أنه أول مهاجر إلى الله ورسوله.
- المسلمة الملتزمة: فليست علاقتنا مع نصوص الشريعة. علاقة حفظ وانتهى الأمر أو علاقة إعجاب على أحسن تقدير أو علاقة خاطر يرد للذهن ويمضي، بل علاقة عمل وتطبيق أنها بمثابة الأوامر للجندي في الميدان. ينتظر لحظة الأمر ليستجيب.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (سورة الأحزاب: 36).
- المسلمة المؤمنة: وليس تطبيق النصوص ناتجا عن عادة. أو إجبار وتكليف، بل عن قناعة وجدانيه لا يتطرق لها الشك أدنى ذرة.. «فقلتها» فأخلف الله لها خيراً منها.
- المسلمة المخلصة: فلقد صدقت مع الله فصدق الله معها، وأثابها سيد الوجود لتكون من زوجاته في الدنيا والآخرة.
- المسلمة العظيمة، سرّ عظمتها في رأيي أنها لم تستجب لعواطفها مع أوّل وهلةلأنها تعلم مدى خطورة كونها زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقتضي ذلك من تكاليف ومسؤولية خافت أن تؤذي رسول الله في سنها. وغيرتها. وابنتها فاعتذرت عن أشرف كرامه سبقت لها.
10- المسلمة الصابرة: فلم تقابل المصيبة بالنواح والنحيب وشق الجيوب ولطم الخدود حتى والدعاء بالويل والتبور على نفسها بل التزمت بالحديث الذي علمها إياه رسول الله صابرة أجرها عند الله.
11- المسلمة الأم: فابنتها الصغيرة تحتاج إلى عناية ورعاية وهي على استعداد أن تعاني شظف العيش، ولأواء المحنة لتتمكن من تربية ابنتها والحنو عليها ورعايتها الرعاية المطلوبة، وتعتذر- كما قلت- عن أشرف كرامة- في سبيل هذه الطفلة النامية.
12- المسلمة الأنثى: أنها لا تكابر في الواقع المحسوس ولا تنكر الواقع. فهي تعلم شديد غيرتها وعنفها. فمن الذي يضمن ألا تخرج عن طورها من جراء هذه الغيرة فتقع في سخط الله وغضبه في لحظة من لحظات غيرتها الجامحة.
13- المسلمة الواقعية: والنساء اللاتي فتنتهن الدنيا. وجثمت في صدورهن يعبدنها يتجاهلن سنهن، بل ويحسبن أنهن في ميعة الصبا وشرح الشباب، ويعكفن على دنياهن عابدات مهما امتد بهن الزمن
- المسلمة اللبيبة الذكية: فهي تدرك بثاقب نظرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يدعها دون توجيه. وهو يراها معرض بين يديه همومها وواقها وكان ما حسبته. دعا الله لغيرتها أن تذهب عنها.
ولابنتها أن تكون في رعاية الله ورسوله. وما أحوجنا في حياتنا إلى أن نستعمل حصافة التفكير وحسن الأسلوب للوصول إلى الهدف المنشود خاصة بين المدرسة المربية وطالباتها المتعلمات.
- المسلمة الأمينة: فهي يوم تنقل واقعها لخاطبها.. رسول الله صلوات الله صلوات الله وسلامه عليه تعلمنا درساً عظيماً في الحياة العملية أن نتخلص من أسر التزوير المقيت والمخادعة الكاذبة في التجميل والزينة، وإظهار المحاسن المموهة لدرجة تغيير خلق الله حرصاً على الصيت والثناء والمديح.
- المسلمة الخالدة: وهكذا دخلت أم سلمة تاريخنا الإسلامي. أما للمؤمنين في الأرض كل الأرض وللمؤمنين كل المؤمنين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في الدنيا والآخرة. ولم يكن بإمكانها أن تبلغ هذا المرتقى لولا ماضيها العظيم من جهادها في سبيل الله. وهجرتها إلى الله ورسوله واستعدادها لأن تخسر حياتها كلها في سبيل الالتحاق بركب الإسلام العظيم.
- المسلمة الرائدة: فهل لك يا أختاه المسلمة أن تحتذي بخط أم سلمة في البناء والتربية والسلوك. وأن تحرصي على أمثال هذه المفاخر لتعيدي لنا ذلك الواقع حياً ينبض في حياتنا اليوم، وتنهلي من معين السنة النبوية العظيمة مورد التربية العظيم.
وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (سورة المطففين: 26).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله.