العنوان أنا مدمنة«شات»..فماذا أفعل؟
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012
مشاهدات 76
نشر في العدد 1993
نشر في الصفحة 60
الجمعة 16-مارس-2012
طارت إلى رسائل كثيرة متنوعة-عن طريق البريد الإلكتروني، والحوار المباشر، والهاتفي-من مدمني«الشات» ومدمناته، أحسست من خلال هذه الرسائل أن هذه المشكلة تكاد تعصف بمقدرات الأمة من شبابها وفتياتها ورجالها ونسائها !
قالت إحدى الفتيات في رسالتها:
أنا مدمنة«شات»، وفي حالة مستعصية، أحاول أن أبتعد عن الإنترنت لكني لا أقدر، وإذا جلست عليه لا أقوم، حيث أمكث ساعات طويلة، وفي كل ليلة أشعر بحاجتي إلى جرعة«الشات»، لأني إن لم أخذها أشعر باكتئاب يصيبني، وأتصور أحيانًا أنني من دونها سأموت!! فهل هذه حالة مرضية؟ وإن كانت كذلك فما أسبابها؟ وما أعراضها؟ وما أضرار إدمان «الشات»؟ وكيف أنجو بنفسي وأعالج ذاتي من هذا الخطر؟
وليسمح لي القارئ الكريم أن أؤخر الإجابة عن أسئلة هذه الفتاة بعد عرض نموذج آخر وتجربة أخرى لفتاة عربية أدمنت«الشات»، وأثارت موجة من التعاطف على أحد مواقع«يوتيوب»، بعد أن تناقل زوار الموقع«فيديو» يكشف ما آلت إليه حالة هذه الفتاة، نتيجة إدمانها «الشات».
قالت الفتاة في«الفيديو» الذي شاهده أكثر من ٨٣ ألف شخص، إن إدمان«الشات»، قد أدى إلى اضطراب في حياتها برمتها.. وتضيف لقد كنت أقضي الليل كله مع«الشات»، حتى في أيام امتحاناتي، بحثًا عن عريس، ومكثت على هذه الحال عامين، دون أن أخطو خطوة واحدة نحو الهدف الذي من أجله دخلت غرف«الشات»!
وتضيف الفتاة:«كنت أحزن كثيرًا وأتحسر على حالي، وأتساءل أحيانًا مع نفسي: ما هذا الهوس الذي أصابني؟ وما هذا الخيال الجنوني الذي أشعر به؟ وما هذه الحياة الافتراضية التي تبعدني عن واقعي وتشعرني بأني مريضة نفسيًا؟ وإلى أين يصل بي إدماني لـ«الشات»؟ ما الذي أفعله بنفسي؟ إني أشعر بأنني أنتحر انتحارًا بطيئًا!! أحس بأني أدمر كل شيء في حياتي.. نعم أدمر دراستي، وصحتي، وأسرتي وحياتي، ومستقبلي!! وبرغم ذلك كنت أعاود الأمر ذاته مرات ومرات، وأمكث أمام جهاز الحاسوب على الإنترنت ساعات وساعات ولا أستطيع أن أتحكم في ذاتي!!
حكت الفتاة قصتها على الفيديو بعفوية وهي تبكي وعيناها تمطران دموعًا، وهو ما أثر في كل من شاهدها، فتنافس مستمعوها وتسابقوا في تقديم النصح لها .
قالت الفتاة التي أدمنت دخول«الشات»، وتحدثت مع من تعرف ومن لا تعرفك إن حياتها كانت طبيعية، وكانت تعيش في سعادة وسكينة قبل أن تدمن«الشات»،ولكنها بإدمانها لـ«الشات» عاشت صراعًا رهيبًا مؤرقًا مع ذاتها وأسرتها بشكل شبه يومي، وأغرقها هذا الإدمان في مشكلات مزعجة.
وصرحت الفتاة في حديثها للطبيبة النفسية التي كانت تعالجها من إدمان «الشات» أنها تمنت أن تكون أمية حتى لا تتعلم«الشات» ولا تدمنه، ثم أردفت قائلة: شيء واحد أنا متأكدة منه هو أنني بالفعل ضعت وهلكت !!
وتقول أم الفتاة ابنتي لم تكن تأكل، لأنها كانت تهدر وقتها كله في محادثات «الشات»، وكنت أضغط عليها لتأكل، فكانت تأكل القليل وبسرعة وهي أمام الحاسوب، وتشكو من فقدان شهيتها للطعام، وكانت متوترة دائمًا، وكثيرة التشاجر معي ومع بقية أفراد الأسرة، وكانت تصرخ فينا بأعلى صوتها إن نحن ناقشناها أو نصحناها في هذا الأمر، وتقول لا تتدخلوا في شأني الشخصي، وهذه حرية شخصية، ولا أقبل وصاية من أحد، لأنني أعرف مصلحتي جيدًا وأنا لست صغيرة، بل أنا كبيرة ناضجة !!
وأضافت الأم قائلة: لقد أصيبت ابنتي في صحتها، وساءت حالتها النفسية، وتعثرت في دراستها، مما اضطرني إلى أن أذهب بها إلى الطبيبة النفسية المتخصصة في هذا الشأن.
وفي أول زيارة للفتاة إلى الطبيبة المعالجة حاولت الأخيرة أن تعرف بداية المشكلة، فذكرت الفتاة أن السبب الرئيس الذي أوقعها في إدمان «الشات»، هو الصحبة السيئة، والفراغ العاطفي الذي عاشت فيه.
أعود بك-أيها القارئ الكريم-إلى أسئلة الفتاة الأولى التي وردت في رسالتها التي أثبتها في بداية المقال، وهي: ما أسباب إدمان«الشات»؟ وما أعراضه؟ وما أضراره؟ وكيف النجاة والعلاج من إدمان«الشات»؟
ما أسباب إدمان«الشات»؟
ثمة أسباب تؤدي إلى إدمان«الشات»،ينبغي أن يحذرها شبابنا وبناتنا ورجالنا ونساؤنا.. وأهم هذه الأسباب: الملل ووجود وقت فراغ طويل، والحرمان العاطفي، وضعف الثقة بالنفس، وغياب الدور التربوي للأسرة والمربين والتعرض لتجربة جنسية خطأ في الطفولة أو المراهقة، والمغريات التي توفرها التكنولوجيا.
ما أعراض إدمان«الشات»؟
من الأهمية بمكان أن يعرف الناس-وخاصة الآباء والأمهات-أعراض إدمان «الشات» ومظاهره، ومن أهم أعراض هذه المشكلة ما يلي:
1-المكوث ساعات طويلة أمام الإنترنت.
2-السهر ساعات طويلة متأخرة من الليل، والتأخر في الاستيقاظ من النوم.
3-المبادرة بفتح الحاسوب ودخول دردشة«الشات» فور الاستيقاظ من النوم.
4-الاهتمام بالإنترنت وإكثار الحديث عنه.
5-إهمال الواجبات الدراسية والوظيفية والاجتماعية والأسرية.
6-حدوث اضطراب في العلاقات الاجتماعية ومكان العمل.
أضرار إدمان الشات
إن إدمان الشات سلوك مرضي، يجعل من الصعوبة بمكان أن يستغني الشخص المدمن عن الدخول للإنترنت والتحدث من خلال«الشات»، ولقد تفشي هذا الداء وصار ينذر بخطر شديد وخاصة بعد أن انتشر الحاسوب، وصار كل بيت لا يخلو من حاسوب أو أكثر، بل تيسر الدخول على شبكة الإنترنت من خلال مقاهي الإنترنت، أو من خلال زيارة الصديق لصديق آخر في بيته لديه حاسوب واشتراك في الإنترنت.
ومن أخطر الأضرار التي تصيب مدمن«الشات» :
1-الأضرار الجسمية:
ومنها آلام العضلات والمفاصل والعمود الفقري، وزيادة الوزن والسمنة المفرطة، والخمول والكسل، والشعور بإرهاق عام، وبصداع شديد ومتكرر، وكذلك إيذاء العين واحمرارها وإضعاف قدراتها، كما تشير التجارب إلى أن أشعة الحاسوب تؤدي إلى بهتان لون البشرة.
2-وفاة العقل:
فهناك تقارير طبية تشير إلى أن جلوس الإنسان فترات طويلة أمام شاشة الحاسوب يؤدي إلى موت ملايين من خلايا الدماغ، وذلك يؤدي بدوره إلى انخفاض مستوى التركيز، ويضعف الذاكرة، ويسبب سرعة النسيان وكثرته، مما يؤدي إلى خفض معدل الدراسة والإنتاج، ومدمن«الشات» دائمًا سارح الفكر، شارد الذهن، قليل النوم يفكر فيما دار من محادثات على«الشات»، فتعزله عن واقعه، وتعيشه في أوهام وخيالات.
3-الأضرار النفسية:
مدمن«الشات» يصاب بالانطواء والميل إلى الوحدة، فغالبا ما ينزوي بعيدًا عن الناس ويدخل غرفته في البيت ويعتزل أفراد أسرته ويصاب بعصبية في مزاجه وسرعة الغضب نتيجة الإرهاق الذهني.
ولقد أثبتت التقارير الطبية أن الأشخاص المدمنين لغرف«الشات» يعانون حالات من الضيق والتبرم والتمرد والتعاسة والعنف والضجر، وأنهم غائبون عن الواقع.. كما أن إدمان«الشات»، يجعل كثيرًا من الأشخاص يهلوسون، ويعيشون أنفسهم في خيال ربما يعصف بصحتهم النفسية عندما يفيقون فيجدون أحلامهم صارت سرابًا بقيعة، أو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف!! ومن ثم تشرد أذهانهم، ويصابون بالعصبية ويبتعدون عن أهلهم وأصدقائهم في الحياة الواقعية، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير بسبب اندماجهم في عالم افتراضي خيالي رهيب، وقد يؤدي إدمان«الشات»، أيضًا إلى مشكلات نفسية خطيرة كاحتقار الذات، والإحساس بالنقص، وانعدام الثقة بالنفس، والانطواء والخجل، والخوف من الزواج !!
4-الأضرار الجنسية:
فكثيرًا ما يتبادل المتحدثون على الشات أفلام الجنس، أو القصص الجنسية، مما قد يؤدي إلى سلوكيات ضارة كممارسة الجنس بصورة خطأ، أو إدمان«العادة السرية»، أو المهاتفات الجنسية، وهذه السلوكيات تؤدي بدورها إلى أضرار جنسية مثل: الالتهابات التناسلية، وكذلك تضر بالجهاز التناسلي للشاب، وقد تحدث التهابات بولية، وقد تؤدي السلوكيات الجنسية غير الصحيحة أيضًا إلى أضرار جنسية أخرى، مثل سرعة القذف، والبرود الجنسي، وربما فقدان البنت لعذريتها، مما يهدد الحياة الزوجية برمتها.
كيف تقى أولادك إدمان الشات؟
على الآباء والأمهات أن يراعوا ما يلي:
1-التقرب من الأولاد، فنخرج معهم للتنزه، ونكثر من الحوار معهم، ونعمق صداقتنا بيننا وبينهم.
٢-نتيح لهم فرص ممارسة الأنشطة التي يحبونها: الرياضية، والفنية، والثقافية،وغيرها.
3-نبين لهم أهمية القراءة لهم في حياتهم، ونشاركهم القراءة، ونشجعهم عليها.
4-أن يتجنب الآباء ما يسمونه«بـراحة الدماغ من الأولاد»،حيث يتركونهم ساعات طويلة أمام الحاسوب بقصد تلهيتهم عن الآباء والأمهات طلبًا للراحة.
5-ألا نستخدم الأسلوب البوليسي في مراقبتهم على الحاسوب، بل نمنحهم الثقة ونتابعهم دون أن نباغتهم، وتعاملهم معاملة صداقة.
6-الاتفاق على مكان محدد لوضع الحاسوب فيه، بحيث تكون شاشة الحاسوب في وضع يمكن الآباء من متابعتها ورؤيتها، كأن توضع في الاستقبال أو الصالة في مرأى من مخارج الغرف، بدلًا من وضعها في غرفة الابن أو البنت، ثم نفاجئ أولادنا باقتحام الغرفة فجأة بغرض التفتيش، فهذا أسلوب غير تربوي وغير صحيح.
7-الاتفاق مع الأولاد على ساعات محددة لجلوسهم أمام الحاسوب، ويستحسن كتابة ذلك كبند من بنود وثيقة البيت أو دستور الأسرة على أن نشرك فيه أولادنا، ونكتب ما اتفقنا عليه، وتوقع جميعًا على ما كتب، ثم نعلق ذلك بجوار الحاسوب.
8-توعية الأولاد بخطورة«الشات» وإدمانه، والأضرار المترتبة عليه، من خلال حوار هادئ هادف مثمر يسوده الحب وإظهار حرصنا عليهم.
كيف نعالج إدمان«الشات»؟
إن إدمان الشات والإنترنت كإدمان المخدرات-له درجات ومستويات بناء على درجة الإصابة يكون العلاج.
ففي الحالات المبكرة يمكن اتباع ما يلي:
1-قبل دخولك الإنترنت احرص على تحديد هدفك أولًا من الدخول.
2-قيم الهدف الذي حددته، فإن كان سلبيًا فكف عن الدخول ولا تدخل، وإن وجدته إيجابيًا فحدد الوقت اللازم لتحقيقه، والتزم بهذا الوقت، وتحقيق الهدف.
3-إن شعرت بأنك شغوف بـ«الشات»، فتوقف فورًا عن استخدام الحاسوب لمدة أيام أو أسابيع إلا إن كانت هناك ضرورة لاستخدام الإنترنت في إنجاز تكاليف دراسية أو علمية، وفي هذه الحالة احرص على أن يكون أحد بجوارك وأنت تستخدم الحاسوب، وقد يكون قرار التوقف صعبا، ولكن عود نفسك أن تكون قوي الإرادة في اتخاذ قراراتك، فالإنسان يقدم على إجراء عملية جراحية ضخمة رغم علمه بخطورتها لأن البديل أصعب.
4-الجأ إلى الله تعالى، وتوكل عليه، فقد قال سبحانه:﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُ﴾(الطلاق: ٣).
5-اشغل نفسك بالحق تصرفها عن الباطل، وذكر نفسك بأن بصرك وطاقاتك وقدراتك إنما هي من نعم الله تعالى التي ينبغي أن تستثمر في طاعته، فلا يصح أن تستغلها في إغضابه.
6-اشغل نفسك بتطوير الذات وترقيتها وتثقيفها وتعليمها ما يفيدك ويفيد أمتك، عملًا بقولهﷺ:«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»؛ فاشغل نفسك بالبدائل الإيجابية.
7-تحديد الأسباب التي أدت إلى الإصابة بإدمان«الشات»، ثم العمل على تلافي هذه الأسباب.
8-الأخذ بوسائل الوقاية السابقة الذكر.
9-تنظيم الوقت، فللدراسة وقتها، والترويح وقته، وللأنشطة الأخرى وقتها..وهكذا.
١٠-أكثر من القراءة عن أضرار إدمان«الشات».
۱۱-كن دائمًا قوي العزيمة عالي الهمة، فلن يفيدك أحد أكثر من نفسك، لأنك من تملك إرادتك وقوتك.
۱۲-بالنسبة للحالات المزمنة المستعصية، يجب فيها مراجعة الطبيب النفسي المتخصص، لأنها قد تحتاج إلى علاج طبي.
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل