العنوان أنس كرتشو وتجربة راديو «كالمان» والابن الضرير
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الجمعة 09-يوليو-2004
مشاهدات 50
نشر في العدد 1608
نشر في الصفحة 38
الجمعة 09-يوليو-2004
الصحافة الإلكترونية حطمت الحواجز والعوائق التقليدية للإعلام
أنس كرتشو رجل أعمال بوسنوى تبرع بأغلب ما يملك لصالح شعبه أثناء الحرب، ويعمل الآن رئيسًا لنقابة الصحافة الإلكترونية في البوسنة وصاحب راديو «كالمان»، الذي أسسه عام ۱۹۹۷ ويعمل به ۳۰ صحافيًا ومذيعًا وفنيًا، كما يقوم بتدريب طلبة الإعلام في استديوهاته، ويستمع للراديو ثلاثة أرباع الشعب البوسني البالغ خمسة ملايين نسمة، إضافة للبوسنيين المنتشرين في كل أصقاع العالم، ويحرص السياسيون على التعبير عن آرائهم من خلال الراديو لشهرته الواسعة في البوسنة، وإلى جانب ذلك مازال كرتشو يمارس أعماله التجارية، ومن هنا تأتى أهمية تسليط الضوء على ملامح هذه التجربة الإعلامية الناجحة:
الإذاعة لا تزال تحتل مكانة كبيرة في اهتمامات الناس.. وقطاعات كبيرة لا تستغني عنها
كيف استطاع راديو «كالمان» استقطاب هذا الجمهور العريض من المستمعين والسياسيين في وقت قياسي؟
- لقد شاء الله أن يرزقني بولد ضرير لكنه يتمتع بذكاء حاد، تخصص في البرمجة وبرع في استخدم الحاسوب كالمبصرين، بل أصبح من أفضل مستخدميه، وقد انبهر بعمله الكثيرون عندما شاهدوه يستخدم الحاسوب فضلًا عن أن الآلاف من الناس أحبوه دون أن يروه، لكونه من أفضل المذيعين، بشهادة أصحاب الخبرة مما أسهم في نجاح الراديو فضلًا عن أداء الأخير لرسالته حيث تلقينا آلاف الاتصالات من البوسنيين الذين يعيشون في أمريكا واستراليا وكندا ومعظم أنحاء العالم مشيدين بإذاعتنا وهذا يعود إلى نجاح كوادر الإذاعة وتركيزها على تعزيز الهوية الإسلامية للبوسنيين، وربطهم بلغتهم وثقافتهم ودينهم حيث تبث برامج دينية إسلامية وأخرى سياسية وتوعوية وثالثة ترفيهية، ولا شك أن هذا التنوع في طرح الرسالة الإعلامية جعلنا تنافس ٥٠٠ وسيلة إعلام في البوسنة لكل منها مشاربها الخاصة، وأكسب إذاعتنا تميزًا، ويمكن معرفة حجم تأثير راديو «كالمان» من خلال الدعوات التي تطلقها لجمع تبرعات لصالح مريض يحتاج إلى عملية جراحية، أو عائلة منكوبة، حيث يهب الكثير من الخيرين لتقديم المساعدة.
هل تبث إذاعتكم برامج متفاعلة مع الجمهور بشكل معين مما أكسبها هذا التميز؟
- جميع برامجنا مدروسة وهادفة وتحظى باهتمام واسع من المستمعين، وبين هذه البرامج نبث برنامج أيها المسلمون استيقظوا وهو برنامج حواري نستضيف فيه العديد من المشايخ للحديث عن قضية معينة تهم الشارع البوسنوي، ونتيح للمستمعين أن يدلوا بآرائهم وتعليقاتهم، ويطرحوا أسئلتهم المختلفة، وهذا البرنامج من أنجح برامجنا الإذاعية، حيث يستقطب المستمعين من داخل البوسنة وخارجها.
ما تأثير هذه البرامج الإذاعية على مستمعين تجتاح حياتهم ثورة معلومات واتصالات، تنقل الحدث لحظيًا بالصوت والصورة ؟
كل وسيلة إعلام جديدة قد تحقق إضافة لكنها لا تعتبر بديلًا، فالتلفاز لم يقض على الإذاعة، أو الصحافة المكتوبة، وإن كان قدحظى باهتمام أكبر، فهناك شرائح مازالت تتابع الإذاعة مثل السائقين الذين لا يستطيعون مشاهدة الشاشة وكذلك المرأة في المنزل لا تستطيع أن تترك كل شيء وتجلس أمام التلفاز والموظفون في الإدارات والعمال في المصانع والمزارع، والمترجلون على الأرصفة والطلبة المتوجهون لدراستهم، والرياضيون أثناء تدريباتهم، كل هذه الفئات لا تستغنى عن الإذاعة أثناء قيامها بأعمالها فضلًا عن أناس كثيرين يفضلون الاستماع على المشاهدة لحماية أبصارهم من خطر التلفاز وبالتالي فالإذاعة ما تزال تحتل مكانة كبيرة، وهي أسرع في نقل الأخبار من التلفاز.
وما دوركم في نقابة الصحافة الإلكترونية وما مدى اختلافها عن وسائل الإعلام الأخرى؟
مهمتنا حل مشاكل الصحافة الإلكترونية وتطويرها والدفاع عن العاملين فيها، حيث أن الصحافة الإلكترونية أكثر الجهات تعرضًا للنقد، أو المنع أو المراقبة في العالم لأنها تمتلك مساحة حرية أكبر على عكس الصحافة المطبوعة التي تعترضها عقبات مثل نوعية المادة التي تريد نشرها. فنحن نمثل رقابة ذاتية على صحافتنا الإلكترونية لتخرج من السفاسف وفي الوقت نفسه نحمى الحرية الإعلامية. أما وجه الاختلاف فالصحافة الإلكترونية حطمت الحواجز والعوائق التقليدية التي تقف في وجه الإعلام. وبإمكان أي شخص في أي بقعة من العالم أن يؤسس موقعًا على شبكة الأنترنت ويقول ما يشاء، وما يقوله يصل إلى البلدان التي تمنع مثل تلك المواد، ويمكن للناس الاطلاع عليها، وهذا يتعذر على الصحافة المطبوعة.
ما تكلفة إنشاء إذاعة في البوسنة وماذا عن حكاية الضرائب التي تفرضها المؤسسات الدولية على المسلمين بدعوى أنهم يستمعون إلى الراديو الرسمي؟
إنشاء إذاعة يكلف مائة الف مارك وتتراوح المصاريف الشهرية من ٣٠- ٥٠ ألف مارك «المارك نصف يورو تقريبًا»، وتقدر التكلفة والميزانية التشغيلية بنحو نصف مليون مارك سنويًا. والعجيب إن المؤسسات الدولية تقدم مليون مارك للإذاعة الرسمية وتجبر كل عائلة بوسنية أو كل بيت على دفع ٦ ماركات شهريًا فيما لا تفرض هذه الضريبة على الصرب والكروات، وهذه الإذاعة لا تحظى بجمهور واسع مقارنة بإذاعتنا، فضلًا عن إنها تعمل لصالح جهات أجنبية.
ذكرتم محطات التلفزيون في معرض حديثكم هل توجد محطة يمكن وصفها بالحياد أو أنها لا تستهدف تحقيق مصالح معينة على حساب البوشناق؟
يمكن القول أن محطة «حياة» محطة متوازنة وتعمل لصالح البوسنة والهرسك وليست بوقًا يستهدف تهميش البوشناق وتشيتهم.
والصحافة المكتوبة؟
صحيفة «دنيفني أفاز» أكبر الصحف البوسنية وأكثرها انتشارًا «۱۱۰ آلاف نسخة يوميًا» ومجلة «ليليان» من المطبوعات البوشناقية التي تدافع عن مصالح البوشناق، وما عدا ذلك إما يتأرجح، وإما منحاز ضد مصالح البوشناق ولكننا نحتاج لمحطة تلفزيونية قوية جدًا تعبر عن البوسنة والهرسك بكل أطيافها وتوازناتها وثقافاتها، وخاصة هويتنا البوشناقية المسلمة. وتكمن المشكلة في التمويل هناك محطات كثيرة لكن القليل منها يحظى بالمتابعة من قبل الناس.
وكم يحتاج الأمر لإقامة محطة تلفزيونية؟
يحتاج لمال كثير، وقد يتراوح الأمر بين نصف مليون ومليون يورو، وتحتاج المحطة الجيدة ما لا يقل عن ١٠٠ عامل وموظف وصحافي، كما تحتاج لنصف مليون مارك شهريًا لتجلب النظارة والمستمعين، وتحتاج المحطة التلفزيونية لوقت حتى تستعيد مصاريفها، وتمول نفسها. فبعد عامين من العمل يمكن أن تجمع ما بين مليون إلى مليوني مارك من الإعلانات فقط.
كيف تنظرون لمستقبل إذاعتكم وهل هناك نية لفتح محطة تلفزيونية؟
مستقبل الإذاعة جيد بإذن الله، فعندما فتحنا إذاعتنا كان هناك ٢٥٠ إذاعة واستطعنا شق طريقنا وسط هذه الغابة من الإذاعات في بلد صغير مثل: البوسنة كان ذلك سنة ١٩٩٧. وفي خلال ثلاث سنوات أصبحنا الإذاعة الأولى وأعتقد أن الإذاعة بعد وفاتي ستبقى على نفس الحال لأن ابني الذي يديرها ذكي وأثبت جدارته الإدارية والإذاعية. فهو يؤمن بالتقدم للأمام، وبإمكانه التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، أما فتح محطة تلفزيونية ففي الترخيص الذي حصلت عليه من حقي فتح إذاعة وتلفزيون، ولكني لا أملك المال الكافيلذلك.
هل توجد عقبات أمامكم غير العائق المادي؟
توجد عقبات إدارية دولية تمنعنا من التوسع من العمل بالحرية المطلوبة والكافية المشكلة في النظام الدولي القائم في البوسنةومستوى الحريات المؤطرة دوليًا في البلاد. نتحول إلى موضوع آخر بصفتكم رجل أعمال وهو مقدار سيطرة الصرب والكروات على اقتصاد البوسنة وخطر ذلكعلى المسلمين. هم يريدون السيطرة على كل شيء وقطعوا شوطًا في ذلك المسلمون ليس لديهم أموال لشراء المؤسسات العامة المعروضة على القطاع الخاص، وهذا ما يفسر طلبهم النجدة من العالم الإسلامي، ولا نعرف مدى إمكانية الاستجابة، وإذا لم تحصل الاستجابة المطلوبة فإن الصرب والكروات والسلوفينيين سيسيطرون على الاقتصاد البوسني، وسيصبح المسلمون مجرد عمال، وهذه الفرضية بين قوسين لأن ما هو حاصل لا يشجع على قول ذلك حيث يوظف الصرب والكروات أبناء طوائفهم. وهذا ما يدل عليه سجل التوظيف لدى الصرب في بنيالوكا أو مناطق السيطرة الكرواتية في البوسنة.
ما الذي يشجع المستثمرين على الاستثمار في البوسنة؟
- وجود اليد العاملة المدربة، والمتخصصين في كافة المجالات التي تحتاجها قطاعات الاستثمار، ومرونة القوانين التي تم اعتمادها مؤخرًا، والتي مثلت نقلة نوعية وحافزًا كبيرًا للاستثمار في البوسنة في ١٩٩٠ لم يكن لدينا حواسيب آلية اليوم توجد لدينا التكنولوجيا اللازمة لكل الأعمال.
ماذا تقولون للإعلام العربي والإسلامي عمومًا؟
رسالتي إن كان يحق لي توجيه رسالة هي أن تدعو باستمرار إلى الاستثمار في البوسنة وأن نرى رجال أعمال مسلمين في البوسنة من كافة أرجاء العالم الإسلامي العربي وغيره. وإذا لم يكن هناك رأس مال عربي وإسلامي في البوسنة، فسيكون مصير البوشناق مثل: الهنود الحمر في الولايات المتحدة. دولتـا صربيا وكرواتيا تغرقان الأسواق البوسنية ببضائعهما وتدعما الصرب والكروات للسيطرة على اقتصادنا، وإذا استمر الوضع هكذا فلن يكون هناك بوشناق مسلمون في البوسنة خلال ٢٠ سنة الشباب سيهاجرون إذا ظلوا بدون عمل الشركات البوسنية ستغلق إذا بقيت دون شركاء أقوياء ولا أمل لنا سوى في الله ثم العالم الإسلامي لمساعدتنا.
نحن لا نحتاج فقط المواد الإغاثية وإن كانالمهجرون العائدون إلى ديارهم يشكون من الجوع والخوف والفقر، نحن نحتاج أيضًا للاستثمار وإعادة بناء المصانع، وتقوية العلاقات الاقتصادية بين البوسنة والعالم الإسلامي نريد أن نرى سلعًا من دول العالم الإسلامي في البوسنة كما هو الحال لسلع دول البلقان وأوروبا والأمريكيتين، نريد رجال الأعمال المسلمين الذين بينون مع شركاتنا صروح التعاون وتبادل المنافع. وجود مسلمين عرب وغير عرب بيننا في عملية إعادة إعمار البوسنة يشعرنا بالأمان ويبعث فينا روح التفاؤل بالمستقبل. بإمكانهم الدخول في شراكة مع بوسنيين، وبإمكانهم إقامة مشاريع خاصة بهم يديرونها بأنفسهم. لقد تغيرت الأوضاع الآن، وأصبحت قوانين الاستثمار واضحة ومشجعة في البوسنة ومصالح المستثمر مضمونة 100% نحن نعتقد أن المسلمين في العالم إخواننا، وأنهم أفضل شركاء لنا. وإذا تم حصول استثمارات عربية وإسلامية كبيرة في البوسنة فإن شبابنا لن يفكر في ترك البوسنة والبحث عن حياة أفضل في الخارج. نحن نعلم أنه لو لم يكن هناك مساعدة من العالم الإسلامي ما بقينا في البوسنة واليوم نريد تطوير هذا الإنجاز العظيم بالأخذ والعطاء بدل الأخذ فقط، بتثبيت الوجود الديموجرافي للمسلمين في البوسنة، وبشد شبابنا للعمل في بلاده، وفي تطوير قدراتنا الاقتصادية، فبدون اقتصاد قوي لا يمكن لأي شيء أن يحقق المزايا التي ترجى منه.