العنوان الاختلاف في الرأي... من منظور إسلامي (2من 3).. أنواع الاختلاف وآدابه
الكاتب د. جمال نصار
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007
مشاهدات 48
نشر في العدد 1782
نشر في الصفحة 54
السبت 29-ديسمبر-2007
«خلاف الهوى » قد يكون هدفه تحقيق غرض ذاتي وأمر شخصي.. أو الرغبة في التظاهر بالفهم والعلم والفقه
« خلاف الحق » ليس للنفس فيه حظ أو للهوى عليه سلطان.. لأن مرجعه الإيمان ودافعه العلم ومقتضاه العقل
من آداب الاختلاف التسامح.. مكارم الأخلاق.. الحلم.. اللين والرفق.. الاحترام المتبادل.. الرجوع إلى الحق
الحديث عن الاختلاف حديث متشعب ممتد الأطراف متعدد الجوانب، قل من يعرف آدابه ويلتزم بها، وما أكثر ما فوتت علينا خلافاتنا حول مندوب أو مباح أمرًا مفروضًا أو واجبًا.
لقد اتقنا من الاختلاف، وافتقدنا آدابه والالتزام بأخلاقياته الاختلاف في الرأي... من منظور إسلامي فكان أن سقطنا فريسة التآكل الداخلي والتنازع الذي أورثنا هذه الحياة الفاشلة، أو أدى إلى ذهاب الريح، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ﴾ (الأنفال:46).
ينقسم الخلاف من حيث الدوافع إلى ثلاثة أنواع:
1 - خلاف الهوى: فقد يكون الخلاف وليد رغبات نفسية لتحقيق غرض ذاتي أو أمر شخصي، وقد يكون الدافع للخلاف رغبة التظاهر بالفهم أو العلم أو الفقه، وهذا النوع من الخلاف مذموم بكل أشكاله ومختلف صوره؛ لأن حظ الهوى فيه يغلب الحرص على تحري الحق والهوى لا يأتي بخير فهو مطية الشيطان إلى الكفر.
قال تعالي : ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ﴾ (البقرة:7)، وقال: ﴿..فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ﴾(النساء:135)، وقال أيضًا : ﴿قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ﴾(الأنعام:56)، وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ (ص: 26)، وقال كذلك ﴿لَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ...﴾ (المؤمنون : 71)، وقال سبحانه: ﴿...وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ...﴾(الأنعام: 119)
وأنواع الهوى متعددة وموارده متشعبة وإن كانت في مجموعها ترجع إلى هوى النفس وحب الذات، فالهوى مصدر كثير من الأخطاء والانحرافات، ولا يقع إنسان في شباكه حتى يزين له كل ما من شأنه الانحراف عن الحق والاسترسال في سبيل الضلال حتى يغدو الحق باطلًا والباطل حقًا والعياذ بالله.
ويمكن رد خلاف أهل الملل والنحل ودعاة البدع في دين الله تعالى إلى آفة الهوى، ومن نعم الله على عبده ورعايته سبحانه أن يكشف له عن مدى ارتباط مذاهبه وأفكاره ومعتقداته بهوى نفسه قبل أن تهوي به في مزالق الضلال، حتى يضيء المولى سبحانه مشاعل الإيمان في قلبه فتكشف زيف تلك المذاهب أو الأفكار أو المعتقدات، لأن حسنها لم يكن له وجود حقيقي، بل هو وجود ذهني أو خيالي صوره الهوى وزينه في النفس، ولو كان قبيحًا في واقعه، أو لا وجود له إلا في ذهن المبتلى به.
ولاكتشاف تأثير الهوى في فكرة ما طرق كثيرة بعضها خارجي والآخر ذاتي.
فمن الطرق الخارجية لاكتشاف أن الهوى وراء الفكرة »موضع الاختلاف« أن تكون مناقضة لصريح الوحي من كتاب وسنة، ولا ينتظر ممن يزعم في نفسه الحرص على الحق أن يلهث وراء فكرة تناقض كتاب الله وسنة نبيهﷺ.
ومما يكشف كون الفكرة وليدة الهوى تصادمها مع مقتضيات العقول السليمة التي يقبل الناس الاحتكام إليها، ففكرة تدعو إلى عبادة غير الله أو تحكيم غير شريعته في حياة الناس، وأخرى تدعو إلى إباحة الزنى أو تزيين الكذب أو تحض على التبذير، لا يمكن أن يكون لها مصدر غير الهوى ولا يدعو لها إلا من بيد الشيطان زمامه.
أما الطرق الذاتية فتكون بنوع من التأمل والتدبر في مصدر تلك الفكرة ومساءلة النفس بصدق حول سبب تبنيها لتلك الفكرة دون غيرها، وما تأثير الظروف المحيطة بصاحب الفكرة ومدى ثباته عليها إن تبدلت؟ وهل هناك ضغوط وجهت المسار دونما شعور؟ ثم الغوص في أعماق الفكرة نفسها، فإن كانت قلقة غير ثابتة تتذبذب بين القوة والضعف تبعًا المشاعر معينة، فهي وليدة الهوى ونزغ من الشيطان.
2-خلاف الحق: قد يقع الخلاف دون أن يكون للنفس فيه حظ أو للهوىعليه سلطان، فهذا خلاف أملاه الحق ودفع إليه العلم واقتضاه العقل، ورفضه الإيمان. فمخالفة أهل الإيمان لأهل الكفر والشرك والنفاق خلاف واجب لا يمكن المؤمن مسلم أن يتخلى عنه أو يدعو لإزالته، لأنه خلاف سداه الإيمان ولحمته الحق.
وكذلك اختلاف المسلم مع أهل العقائد الكافرة والملحدة، ولكن هذا الاختلاف لا يمنع من الدعوة إلى إزالة أسبابه بدخول الناس في دين الله أفواجًا وتخليهم عن دواعي الخلاف.
خلاف بين المدح والذم: وهو خلاف في أمور فرعية تتردد أحكامها بين احتمالات متعددة يترجح بعضها على الآخر بمرجحات وأسباب كثيرة، ومن أمثلة هذا التقسيم اختلاف العلماء في انتقاض الوضوء من الدم الخارج من الجرح والقيء المتعمد، وكذلك اختلافهم في حكم القراءة خلف الإمام، وقراءة البسملة قبل الفاتحة والجهر به »آمين« وغير ذلك من أمثلة تضيق عن الحصر.
وهذا النوع من الاختلاف يمكن أن يلتبس فيه الهوى بالتقوى والعلم بالظن والراجح بالمرجوح والمردود بالمقبول، ولا سبيل إلى تحاشي الوقوع في تلك المزالق إلا باتباع قواعد يحتكم إليها في الاختلاف، وضوابط تنظمه، وآداب تهيمن عليه، وإلا تحول إلى شقاق وتنازع وفشل وهبط المختلفان فيه عن مقام التقوى إلى درك الهوى، وسادت الفوضى.
آداب الاختلاف
يمكن أن نجمل آداب الاختلاف في النقاط التالية:
التسامح، وهو ما يسمونه الآن الروح الرياضية، وهو من معاني قولهم»:الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية« وهو شأن العلماء الجهابذة من المسلمين في أوج الحضارة الإسلامية، فلقد قيل للإمام »أبي يوسف« يعقوب بن إبراهيم الأنصاري صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهما:» وجدنا فأرة في مرجل الحمام، وذلك بعد أن اغتسل فقال: «هو طاهر عند أخينا الشافعي؛ لأنه بلغ أكثر من قلتين فلا يحمل الخبث». وصلي الإمام الشافعي بمسجد »الأعظمية« في بغداد فلم يقنت لصلاة الفجر، فلما قيل له في ذلك قال: «استحييت من صاحب هذا القبر أن أخالف مذهبه«، يعني »أبا حنيفة«، رضي الله عنهما.
التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات: فالمنافق إذا خاصم فجر والمؤمن يخالف غيره لكنه يوقر الكبير ويرحم الصغير، ويعرف للعالم حرمته ويحفظ حقوق الأشياخ.
الحلم على الخصم ومحبة الخير له: وهو مدعاة للوصول إلي الحقيقة التي هي هدف الجميع، فالغضب لا يأتي بخير ولا يحل مشكلًا؛ بل يعقد الأموروإن الإنسان يخالف غيره في الرأي وليس من مقتضى ذلك أن يخاصمه ويعاديه بل يأخذ بيده برفق إلى درجة يرى بها نور الحق فيسير خلفه ويشتد إليه، فالحكيم من أنقذ غيره بالحل، وفي الحديث: «لا تغضب ولك الجنة.«
اللين والرفق، قال تعالى : ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ...﴾ ( النحل 125:) ، وقال: ﴿بِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ....﴾( آل عمران: 159)، وقال جل وعلا :﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ (فصلت34:)، وهكذا فما كان الرفق في شيء إلا زانه وشأن العلماء والحكماء إذا اتفقوا أن يكون اتفاقهم حجة قاطعة، وإذا اختلفوا أن يكون اختلافهم رحمة واسعة. .
الاحترام المتبادل للأشخاص والأفكار: إن أهم ما يميز الخلاف العلمي الإسلامي، وهو بحق أرقى ما توصلت إليه العقول البشرية، أنه خلاف نزيه بين الأفكار لا بين الأشخاص، فالأشخاص المختلفون لهم حرمتهم ومكانتهم، وهم بلا ريب من أهل العلم والفضل، ولا يجوز تجاهلهم لمجرد خلاف شجر بيننا وبينهم أو النيل من كرامتهم، فلا خلاف مطلقًا بين أشخاصنا وأشخاصهم، بل بين أفكارنا وأفكارهم، فنحن في نظر أنفسنا رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأيهم خطأ يحتمل الصواب ما دام الخلاف في الفروع، وقد عظم الأئمة الأربعة بعضهم بعضًا في حياتهم وبعد الوفاة، وكانوا القدوة المثلى في هذا الأدب الجم . وقد قال الإمام مالك عن الإمام أبي حنيفة »رضي الله عنهما« بعد المناظرة.» إنه لفقيه، والله لو أقسم على هذه أنها من ذهب لبر في قسمه وجاء على ذلك بدليل«.
وقال الإمام أبو حنيفة وعن سائر الأئمة المجتهدين: «علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه كان أحق..»
الرجوع إلى الحق ولو مع الخصم وهذه سمة السلف الصالح »رضوان الله عليهم«في مناظراتهم، وإلا كانت مهاترات وجدلًا فارغًا لا فائدة منه، فبهذا الإخلاص للعلم وللحقيقة المجردة عاشوا للحق، وللحق وحده. وقد روي أن الإمام أبا حنيفة، وكان في بدء أمره متكلمًا نظارًا، رأى ولده حمادًا، »يناظر في المسجد فنهاه، فقال له ولده: «أما كنت تناظر؟!»، قال: «بلى، ولكن كنا كأن على رؤوسنا الطير من أن يخرج الباطل علي لسان الخصم، بل كنا نود أن يخرج الحق على لسانه فنتبعه، فإذا كنتم كذلك فنعم».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل