; أهكذا نجازي سلفنا الصالح ؟ | مجلة المجتمع

العنوان أهكذا نجازي سلفنا الصالح ؟

الكاتب وائل الحساوى

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1983

مشاهدات 62

نشر في العدد 641

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 18-أكتوبر-1983

لقد تألمت وتألم معي الكثيرون ونحن نتابع حلقات «علي إمام المتقين» التي يكتبها عبدالرحمن الشرقاوي في جريدة الوطن، فما كنت أتصور أن يجرؤ مسلم على هذا الطعن الشنيع في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم خير البشر من بعد الرسل والأنبياء زكاهم الله سبحانه تعالى من فوق سبع سماوات فقال فيهم: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ( الحجرات:29) »وقوله ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ( آل عمران:110)  ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «متفق عليه» و يقول لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما أدرك من أحدهم ولا نصيفه» «متفق عليه»، ثم يأتي هذا الكاتب فيصورهم كأبشع وأشر من وجد على وجه الأرض استنادًا إلى روايات مكذوبة وضعها اليهود وأعوانهم لتشويه صفحة الإسلام النقية البيضاء ولطمس تراث الأمة الذي نفتخر به فها هو يتكلم عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- المبشر بالجنة ذي النورين الذي لم يجتمع لإنسان في الدنيا أن يتزوج ابنتي نبي غيره ولما توفيتا قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- «لو كانت لنا ثالثة لزوجناكها» أو كما قال، وهو من المبشرين بالجنة ومن أول من دخل الإسلام وجاهد فيه بنفسه وماله حتى قال عنه سيد البشر «ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه».

فماذا يقول عنه الكاتب؟ يقول: «أما الجمع في دولته «دولة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-» بين ورع الإمامة وأبهة الملكية فمن هنا جاءت مأساة عثمان -رضي الله عنه-، وهو القانت ذو النورين يصوم الدهر، وما يكاد يشبع من طعام قط، ثم يمنح أبا سفيان مائتي ألف دينار، ويسمح لأعوانه أن يتخذوا القصور والضياع، وأن يلبسوا الديباج» و يقول: «ثم إنه ليتصدق بماله، ويغيث به المسلمين المرة بعد المرة، ولكنه يوم قتل وجدوا عند خازن ماله نحو مليون درهم وخمسين ألف دينار غير ما خلفه -رضي الله عنه- من ضياع في حنين ووادي القرى وغيرها» ويقول: «إن عثمان ورحمتا له رق لهم ووصلهم وأطاعهم، وكنت كلما نصحته يا علي تاب إلى الله، وأزمع عزل بطانة السوء، فتجيئه تلك البطانة فتغير رأيه لكم دافعت عنه، وهو يعدك ويستغشك حتى ركبك الحياء من الناس»، ولست هنا في مجال الدفاع عن هذا الإمام العظيم الذي أتهم زورًا وبطلانًا كما قتل ظلمًا وعدوانًا لكني أقول إن الطعن فيه لهو الطعن في الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي استئمانه وزوجه ابنتيه وطعن في الصحابة الكرام وعلى رأسهم علي بن أبي طالب الذين استخلفوا من هذه صفته كما يزعم الكاتب.

ثم رجع الكاتب إلى عائشة أم المؤمنين وأحب نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه وجعلها منافقة فبينما كانت تبكي عثمان قال لها بعض من سمعها: «بالأمس كنت تحرضين عليه واليوم تبكينه، ألم تسمعك تقولين: أبعده الله؟ لقد رأيناك من أشد الناس عليه حتى قتل، فلما لم يبايع الناس ابن عمك طلحة ولا زوج أختك الزبير بكيت عثمان».

ثم رجع إلى طلحة والزبير -رضي الله عنهما- فاتهمهما بشتى التهم فقال: «ولعل طلحة كان ينتظر أن يبايعه الناس، حتى إنه لما قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره، فهو في نظر الكاتب ليس محبًا للملك فقط ولكنه لص مع أنه كما يزعم الكاتب من أغنى الناس» «ذلك أنهما- طلحة والزبير- نالا من عثمان أمولًا طائلة، بنوا بها القصور واشتروا الإماء حتى أصبح للواحد منهم ألف أمة، وألف فرس، وأقطعوا الضياع خالصة لهم يستغلونها ويغنمون ثمارها بلا خراج» ويقول: «إن طلحة ليملك ضياعًا في العراق خراجها ألف دينار ذهبًا في اليوم، وعلى مرابطه ألف فرس، وفي قصوره ألف أمة، والزبير لا يقل عنه غنى، ولديه قصور على شواطئ البحار وضفاف الأنهار وقمم الجبال»، ثم اصطنع العداوة بين طلحة والزبير مع عثمان -رضي الله عنهم- جميعًا ظهرت بعد موت عثمان، واستغلا عداوة عائشة لعلي فأرسلا لها كتابًا يطلبون منها أن تخذل عن بيعة علي وأن تظهر الطلب بدم عثمان، ثم أتيا عليًا -رضي الله عنه- فقالا: «هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين؟»«لكنا بايعناك لي أنا شريكاك في الأمر»، ثم ها هو يصور علي -رضي الله عنه- يتهمهما بالفجور بعد أن نقضا بيعة ما طلبا أقول هل يعلم الكاتب من هما طلحة والزبير الذي يتكلم عنهما بكل وقاحة وسوء أدب؟ إنهما من أول عشرة رجال دخلوا في الإسلام حيث لم يكن الرجل حينذاك يدخل في الإسلام طمعًا في دنيا ولا ملك، بل كان مصيره التعذيب والمقاطعة وفقدان كل ما يملك، وهما من العشرة المبشرين بالجنة وممن جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، فهل من الممكن أن ينقلب هؤلاء الكرام الطاهرين إلى وحوش كاسرة تسرق وتخدع وتؤجج الحروب ضد المسلمين؟ ثم يرجع الكاتب بعد كل هذا ليطعن في معاوية ابن أبي سفيان ذلك الصحابي الجليل الذي قال فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا»، والذي استأمنه في حياته على كتابة الوحي، واستأمره أبو بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- على الشام عشرين سنة ثم استخلفه المسلمون بعد تنازل الحسن بن علي -رضي الله عنه- له عشرين سنة أخرى كان عهده عهد خير وبركة على المسلمين فتح الله فيها للمسلمين الكثير من الأقطار وساد الأمن والاطمئنان وكان رعيته يحبونه لإحسانه وحسن سياسته، وتأليفه لقلوبهم، وقد رأه الحسين وغيره من الصحابة على المنبر النبوي، وصلوا كلهم وراءه، لأنه كان إمامهم وخليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيهم كما ذكر ابن تيمية، فقد كتب الكاتب بالخط العريض أن مروان ومعاوية يحاولان ضرب على بعائشة وطلحة والزبير جميعًا، ثم يضر بأن كل واحد منهما بالآخر، ويتهم معاوية بأنه حارب علي طمعًا في الملك والخلافة.

إن هذه المحاولات السافرة لضرب الصحابة بعضهم ببعض وتصويرهم بهذا المنظر البشع ليس إلا محاولة لضرب الإسلام وتشويهه، فالصحابة هم من نقل إلينا الإسلام، فإذا طعنا فيهم رددنا نقلهم فهدمنا الدين وهذا هو مطمع أعداء الدين. إن اليهود والنصارى برغم كفرهم وضلالهم لم يتجرؤوا أن يطعنوا في أصحاب نبيهم كما فعلنا نحن بأصحاب نبينا، فحذار من هذه الفتنة ولنتثبت مما يصل إلينا عن هؤلاء الكرام، فهل يرضى أحدنا أن يسب أحدًا أمه أو أباه، فكيف يرضى بأن تسب أم المؤمنين والخلفاء الراشدين وخيرة خلق الله دون أن يدافع عنهم أو يتثبت من قبول ما يصل إليه عنهم، ورحم الله عمر بن عبد العزيز حيث قال عندما تكلموا في الذي جرى بين الصحابة: «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون».

وما أحسن ما قال أحمد بن حنبل -رحمه الله- عن الصحابة «إني لست من حربهم في شيء». يعني أن ما تنازع فيه على وإخوانه لا أدخل بينهم فيه- لم أبينهم من الاجتهاد والتأويل الذي هم أعلم به مني، وليس ذلك من مسائل العلم التي تعنيني حتى أعرف حقيقة حال كل واحد منهم. وأنا مأمور بالاستغفار لهم، وأن يكون قلبي لهم سليمًا، ومأمور بمحبتهم وموالاتهم، ولهم من السوابق والفضائل مالا يهدر.

الرابط المختصر :