; وسط توقعات كثيرة بالفشل.. ضغوط أمريكية وأوروبية وصهيونية لعقد القمة الاقتصادية | مجلة المجتمع

العنوان وسط توقعات كثيرة بالفشل.. ضغوط أمريكية وأوروبية وصهيونية لعقد القمة الاقتصادية

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 65

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

وسط ظروف وأجواء سياسية وشعبية وعسكرية معاكسة، يفتتح الرئيس حسني مبارك أعمال المؤتمر الاقتصادي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في القاهرة يوم الثلاثاء القادم ۱۲ من نوفمبر ولمدة ثلاثة أيام، حيث تشارك فيه وفود أكثر من ثمانين دولة، وقرابة خمسين مؤسسة ومنظمة مالية واقتصادية إقليمية ودولية، وقد تعرضت الحكومة المصرية خلال الشهور الأخيرة لضغوط مكثفة من الحكومة الأمريكية والأنظمة الغربية الداعمة لإسرائيل بهدف منع تأجيل المؤتمر، حيث كانت القاهرة ترغب في تأجيله كوسيلة من وسائل الضغط على إسرائيل للإسراع في عملية السلام، والإعلان عن الالتزام بالاتفاقات التي تم إبرامها خلال السنوات الأخيرة، والبدء في اتخاذ خطوات جادة وفعالة في المفاوضات السورية واللبنانية، وتحسين الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وتنفيذ التعهدات مع السُلطة الفلسطينية، واحترام المقدسات الإسلامية في فلسطين.

وجاءت تصريحات القيادة السياسية المصرية لتعبر عن عدم ارتياحها للإسراع بعقد المؤتمر الاقتصادي في الوقت الذي توقفت فيه تمامًا المسارات السياسية مع الحكومة الإسرائيلية عقب مجيء الليكود إلى الحكم بزعامة نتنياهو، إلا أن مصادر دبلوماسية وسياسية أكدت أن الحكومة الأمريكية لوحت باحتمال إيقاف مشروع الشراكة الأمريكي- المصري «آل الجور- مبارك» في حالة إصرار الحكومة المصرية على تأجيل عقد المؤتمر، وقال السفير أحمد أبو الخير لــ المجتمع: «إن الجو السياسي في الآونة الأخيرة دعا مصر إلى التفكير في تأجيل المؤتمر إلى الربيع القادم، حتى تُتاح الفرصة على الصعيد السياسي لمواجهة سياسة إسرائيل المماطلة في عملية السلام، وتجاوزاتها في الأراضي العربية المحتلة، وقال السفير: «إن الدول العربية موجودة بكامل إرادتها في المؤتمر، ولها مطلق الحرية في مواجهة الوجود الإسرائيلي، ويجب على الدول الأخرى وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية أن تفي بالتزاماتها، بما عليها من مسؤوليات»، وأضاف السفير أحمد أبو الخير- المنسق العام للمؤتمر الاقتصادي- قائلًا: «إن على العناصر التي أوجدت هذا المناخ السياسي غير المواتي في المنطقة أن تتحمل فشل نتائج هذا المؤتمر أو نجاحه».

ولاشك في أن موقف الحكومة المصرية المتبرم وغير المتحمس لعقد المؤتمر الاقتصادي في هذه المرحلة، قد آثار ارتياحًا عامًا في أوساط القيادات السياسية والوطنية والحزبية ومختلف فئات الشعب المصري، الذي يعتبر انعقاد المؤتمر في هذه المرحلة بمثابة مكافأة ثمينة لإسرائيل، ويصب في مصلحتها أولًا وأخيرًا، بينما تمارس القيادة الصهيونية برئاسة نتنياهو أعلى درجات الغطرسة والصلف في تعاملها مع قضايا المنطقة، ويبدو أن الضغوط والتهديدات والتلويحات الغربية والأمريكية على الصعيد الاقتصادي، قد أدت إلى تراجع جزئي في الموقف المصري، حيث أعلنت الحكومة عن التزامها بعقد عدة اجتماعات تحضيرية موسعة مع رجال الأعمال في المشروعات الاستثمارية المدروسة، بهدف الحرص على تحقيق حد أدنى من نجاح المؤتمر، ورغم ذلك فلا يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل حالة الضيق والاستياء العامة لدى القيادة السياسية المصرية من الأزمة بشكل عام، وهو ما دفع الكثيرين من المحللين والمراقبين إلى توقع فشل المؤتمر في تحقيق الهدف أو الأهداف التي يسعى إليها الجانب الإسرائيلي المدعوم من أمريكا والغرب، وأهم هذه الأهداف إنهاء المقاطعة الاقتصادية العربية، أو ما تبقى منها لإسرائيل، واشتراك إسرائيل بصورة من الصور في مشروعات وكيانات اقتصادية داخل الأراضي العربية، وإضعاف- بالتالي- المسار السياسي في المفاوضات خصوصًا مع الجانبين السوري واللبناني، بالإضافة إلى السُلطة الفلسطينية والأوضاع في الأراضي العربية المحتلة.

وقد صرحت مصادر المؤتمر بأنه يشتمل على خمس جلسات عامة: الأولى: تناقش موضوع السلام والتنمية الاقتصادية، والثانية: عن المناخ الاقتصادي والسياسات والإصلاحات المطلوبة لتهيئة مناخ استثماري مواتٍ، والثالثة: عن دور مجتمع الأعمال في مسيرة التنمية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والرابعة: عن احتمالات وفرص وإمكانيات الاستثمار، والأخيرة عن نظرة على مستقبل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في القرن القادم، وقالت مصادر المؤتمر إنه سوف تعقد جلسات نوعية وورش عمل، كما ستعقد جلسة خاصة لمناقشة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، باعتبار هذه المشروعات هي الغالبة على المشروعات القائمة بالوطن العربي.

وتقدمت الحكومة المصرية ورجال الأعمال المصريين بحوالي مائتي مشروع تبلغ استثماراتها قرابة مائة مليار جنيه لمناقشتها في المؤتمر الذي يأتي في سلسلة المؤتمرات الدولية لإدماج إسرائيل في المنطقة العربية، وهو المؤتمر الثالث بعد مؤتمري الرباط بالمغرب، وعمان بالأردن، وقد تصاعدت حدة ردود الفعل في مصر ضد المؤتمر وعقده بالقاهرة، وأعلنت مؤسسات اقتصادية وغرف تجارية ونقابات مهنية عديدة رفضها لانعقاده أو المشاركة فيه.

إجماع القوى السياسية والوطنية في مصر على رفض مؤتمر القاهرة الاقتصادي

● المؤتمر محور جديد للهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية 

● خبراء السياسة والاقتصاد يتوقعون فشل المؤتمر في تحقيق أهدافه

● لا بديل عن تدعيم التعاون الإقليمي العربي والإسلامي في كل المجالات وخصوصًا الاقتصاد.

تكاد تُجمع كل فئات الشعب المصري ومؤسساته السياسية والاقتصادية والنقابية على رفض عقد «المؤتمر الاقتصادي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» المقرر عقده في القاهرة يوم الثلاثاء القادم «12 من نوفمبر ١٩٩٦م» على مدى ثلاثة أيام، وجاءت التصريحات والبيانات والتحليلات والندوات والمؤتمرات طيلة الأسابيع الأخيرة، لتؤكد على هذا الرفض، خصوصًا في ظل استمرار الممارسات الصهيونية ضد الفلسطينيين وضد المقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى، واستمرار عدم الاعتراف بالحقوق العربية، ورفض التفاوض من أجل الانسحاب من الأراضي المحتلة. 

المجتمع استطلعت آراء نخبة من قيادات العمل السياسي والحزبي ورموز القوى الوطنية بالإضافة إلى خبراء الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، لتكشف حقيقة هذا المؤتمر ومخاطره على المنطقة العربية، والتوقعات المطروحة حول النتائج التي يمكن أن يسفر عنها في المدى القريب، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.

في البداية يؤكد الدكتور سعيد النجار- عضو الهيئة العليا لحزب الوفد، ورئيس جمعية النداء الجديد-: أن هناك خطأ سياسيًّا في انعقاد المؤتمر في هذه الظروف، حيث يستخدمه نتنياهو في إسرائيل لدعم وجهة نظره من أن العرب لا يفرقون بين العدو والصديق، وأنه لا فرق بينه وبين شيمون بيريز من ناحية استعداد العرب للتعاون معه، أما الحديث عن رجال الأعمال والمشروعات فهو غطاء خارجي لتغطية الهدف الحقيقي، وهو الفصل بين المسار الاقتصادي والمسار السياسي، وكلما تقدمت في الاقتصاد أضعفت موقف المفاوض العربي، وفي النهاية ستجد سورية أن العرب أقاموا بنكًا عربيًّا ودخلوا مع إسرائيل في حين أنها لم تنسحب من الجولان بعد، كما أن الفلسطينيين لم يتفقوا على المسائل المعلقة والنهائية، ولم تنسحب إسرائيل كذلك من جنوب لبنان، وهكذا... لذلك أدعم فكرة وزير الخارجية المصري عمرو موسى، سواء في المغرب أو في الأردن عندما قال: «إن المسار الاقتصادي والسياسي يجب أن يسيرا يدًا بيد مع التقدم في قضية السلام».

ويرى الدكتور عبد الغفار شكر- أمين التثقيف والفكر بحزب التجمع الوحدوي-: أن هذا المؤتمر هو جزء من ترتيبات التسوية التي تجرى في الصراع العربي الإسرائيلي في إطار مؤتمر مدريد «أکتوبر۱۹۹۱م»، وتقوم فكرته على أساس أن توقيع اتفاقات أو معاهدات بين إسرائيل والمنظمة والأردن وسورية يجب أن يتواكب مع إيجاد مصالح مشتركة بين الدول العربية وإسرائيل، وأن تقبل الدول العربية عمليًّا بإسرائيل كجزء طبيعي من المنطقة، وهذه الفكرة واردة في کتاب بيريز «الشرق الأوسط الجديد»، والذي قال فيه: «إنه في العصر الراهن لم يعد الأمن القومي يمكن أن يتحقق إلا من خلال ترتيبات للتعاون الإقليمي، وأن المنطقة بها إمكانيات ضخمة، سواء على شكل سوق كبير أو موارد طبيعية أو أيدي عاملة مؤهلة أو رؤوس أموال كافية، وأنه من خلال التعاون بين هذه العناصر كلها يمكن أن ينشأ سوق في الشرق الأوسط يقوم على نفي التعاون الإقليمي العربي، أي أن فكرة المؤتمر الاقتصادي هي فكرة لدمج إسرائيل في المنطقة ولقبول الدول العربية بها واختراق التعاون الإقليمي العربي، وأن يتم ذلك بمشاركة رؤوس الأموال العالمية، ويسرد بيريز في هذا الكتاب تفاصيل اتصالاته بمؤسسات رأسمالية عالمية وبمسؤولين أوربيين وأمريكيين لمساندة هذا التوجه الجديد ودعمه والمشاركة فيه، وبالتالي فالمستفيد الأول من هذا المؤتمر هو إسرائيل بالإضافة إلى رؤوس الأموال العالمية التي سوف تستفيد من تنفيذ مشروعات مشتركة في هذا الإطار، ومن يقرأ الوثيقة التي أعدتها إسرائيل وقدمتها إلى مؤتمر التعاون الاقتصادي في عمّان سوف يجد أنها قدمت أكثر من مائة مشروع، كلها تقوم على أن تكون إسرائيل محور لأعمال اقتصادية مشتركة سواء مع مصر، أو مع الأردن، أو مع دول الخليج، ومن هنا سوف يكون الخاسر من هذا المؤتمر هو التعاون الإقليمي العربي، وبالتالي فمن الأفضل إصرار العرب على عدم عقده طالما أن إسرائيل لم تف بالتزاماتها التعاقدية تجاه السُلطة الفلسطينية وغيرها، فإن العرب قادرون على إيقاف عملية التطبيع إلى أن تفي بالتزاماتها، وهذا ما أعلنته الحكومة المصرية في وقت مبكر، ولكنها سرعان ما تراجعت تحت ضغط الأمريكان بصفة خاصة عندما أعلن أن مشروع «آل جور- مبارك» للشراكة الأمريكية المصرية، لن ينفذ إذا لم يُعقد المؤتمر. ويتوقع عبد الغفار شكر أن يُعقد المؤتمر بدرجة تمثيل أقل على مستوى الدول والحكومات، بهدف تسويق بعض المشروعات لرجال الأعمال الأوربيين والأمريكيين، وذلك لن يحقق الغرض الأساسي من المؤتمر، لأن فكرته الرئيسية لم تعد مطروحة الآن، طالما أن إسرائيل لم تف بالتزاماتها وأن عملية السلام لا تزال متعثرة.

تحقيق الهيمنة وضرب الإسلام

ويشير الدكتور حسين شحاتة- استاذ المحاسبة بجامعة الأزهر-: إلى أن أعداء العرب والمسلمين يخططون منذ زمن لإنشاء سوق «شرق أوسطية» تضم دول المنطقة بما فيها إسرائيل لتحقيق عدة أهداف ظاهرها تحقيق التنمية الاقتصادية لدول المنطقة، وباطنها الهيمنة والسيطرة وابتزاز أموال العرب والمسلمين، وقد صرح مارتن إنديك- مدير الشرق الأدنى التابع للأمن القومي الأمريكي- في 16 / 7 / 1992 م قائلًا: إننا نخطط لإنشاء نظام لسوق شرق أوسطية بهدف:

1- احتواء إيران والعراق وتحجيم دورهما في المنطقة.

2- إقرار السلام العربي– الإسرائيلي.

3- حماية المصالح الأمريكية والأوربية في المنطقة. 

4- مكافحة تيار التطرف الإسلامي الذي يهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

ويؤكد الدكتور حسين شحاتة أن هدف عقد المؤتمر الاقتصادي هو تحقيق التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل، والهيمنة الأجنبية على قدرات وإمكانيات المنطقة، والتصدي للاتجاه الإسلامي النامي الذي يقف حجر عثرة أمام السلام غير العادل في المنطقة، ليكون لإسرائيل السيطرة والقوة، وسوف يترتب على إزالة القيود التجارية وغيرها بين دول المنطقة، وفتح الأسواق، وتخفيض الرسوم الجمركية على السلع والخدمات، وحرية انتقال الأموال والعمال، ونقل التكنولوجيا، وإزالة المقاطعة العربية لإسرائيل، وكذلك لبعض الشركات الأوروبية والأمريكية التي تساند إسرائيل، سوف يترتب على ذلك دعم حقيقي للاقتصاد الإسرائيلي، في الوقت الذي سوف يتأثر الاقتصاد العربي بشكل كبير وعلى سبيل المثال:

1- في مجال الصناعة: سوف يكون للتفوق التكنولوجي للصناعة الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية المدعومة من الغير، تأثير سيئ على الصناعة العربية الوليدة لعدم تكافؤ الفرص، وهذا يقود إلى سلسلة من المضاعفات منها: البطالة، وتحويل الدول العربية إلى دول مستهلكة، وسيكون ذلك واضحًا في صناعات مثل النسيج والدواء والصناعات الحرفية.

2- في مجال الزراعة: سيكون الوضع أكثر سوءًا، فإذا كانت الدول العربية الآن تستورد أكثر من 70% من احتياجاتها الغذائية، فإنه بعد إنشاء السوق الشرق أوسطية، ستكون التبعية تامة وكاملة، وتتحول أراضي الدول العربية إلى زراعة الفاكهة التربية والورود وغير ذلك، وترك المحاصيل الرئيسية.

3- في مجال التجارة: سوف يغزو السوق العربي أنواع من السلع والخدمات لم يألفها المستهلك العربي المسلم من قبل، وبالتالي سوف يتغير نمطه الاستهلاكي، ويصبح مقلدًا وتابعًا حتى ولو كان ذلك مخالفًا لقيمه ومُثُله وسلوكه العربي والإسلامي.

4- في مجال الخدمات: سوف يكون البنوك الأجنبية وفروعها وشركات الخدمات على اختلاف أنواعها، وكذلك المكاتب الاستشارية، الهيمنة ومنافسة نظيراتها في الدول العربية، وهذا سوف يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الخدمات فوق مستوى قدرات الفقراء فيزدادون فقرًا، ناهيك عن السلبيات التي تتمثل في الغزو الفكري والثقافي والأخلاقي للعرب والمسلمين.

البديل الإسلامي

ويدعو الدكتور حسين شحاتة إلى البديل الإسلامي، وهو إنشاء السوق العربية الإسلامية والتي تملك الكثير في مقومات: المال، والعنصر البشري، والموارد الطبيعية، والأسواق الشاسعة. وبالإضافة إلى ذلك وحدة العقيدة واللغة والأصالة والحضارة والمصالح المشتركة والعدو المشترك أيضًا.

ويرى حامد محمود- الأمين العام المساعد للحزب العربي الناصري-: أن المؤتمر يأتي في سلسلة مؤتمرات الهدف منها: تمكين إسرائيل على مقدّرات العالم العربي، والتحكم في اقتصاده، وهذا بدعم أمريكي، ونتصور أن المؤتمر في ظل هذا المناخ لا يحقق الهدف الذي ترجوه الجهات الحريصة على عقده، وهذا يسعدنا لأننا نتمنى أن يفشل.

نحن ضد سياسة الهيمنة، ونرى البديل في تقوية العمل الاقتصادي العربي المشترك، ويجب أن يستحوذ الإطار العربي اهتمامنا في هذه المرحلة، وأعتقد أن النتائج المتوقعة لن تحقق طموحات الجهات الحريصة على عقد المؤتمر، وأرجو أن تنتهي هذه السياسة إلى الفشل لأنها تهدف إلى سيطرة إسرائيل على العالم العربي ككل وتحقيق الهيمنة الصهيونية الأمريكية على المنطقة العربية، وتسيير الدول العربية في فَلَك إسرائيل بدعم أمريكي.

إنهاء المقاطعة الاقتصادية

ويقول المستشار مأمون الهضيبي- المتحدث الرسمي للإخوان المسلمين-: هذه المؤتمرات قد تكون ذات فائدة عظيمة، وقد تكون كارثة حسب السياسة التي تهيمن على التخطيط الاقتصادي، والمعروف أن الاقتصاد الآن أصبح خاضعًا للسياسة، خصوصًا في ظل وجود قوة ضخمة لها نفوذ ولها إمكانية ممارسة الضغوط وتسيير غيرها من الدول الصغيرة أو غير القادرة، وفي هذه الحالة تستطيع أن تنفذ سياستها عن طريق الاقتصاد، ونحن تعرف أن العدو الصهيوني هدفه الهيمنة على المنطقة العربية، وأمريكا والغرب الذي أنشأ إسرائيل يؤيد هذا مع اختلاف الأساليب أحيانًا، وأهم أهداف المؤتمر الاقتصادي المقرر عقده في القاهرة، إنهاء البقية الباقية من المقاطعة العربية للدولة الصهيونية، رغم عدم انتهاء حالة الحرب، ورغم أن الدولة الصهيونية لا تزال تحتل أجزاًء ذات قيمة كبيرة في العالم العربي مثل: الجولان، وجنوب لبنان، وحقوق الفلسطينيين في بلادهم، والمؤتمر يهدف إلى تكوين علاقة اقتصادية كبيرة بين العرب وإسرائيل، والانعزال في هذه الحالة سيكون من نصيب الدول التي لم تشارك في المؤتمر مثل: سورية، ولبنان، ويجب أن نعي تمامًا أن إسرائيل أوجدها الغرب لتنفيذ سياسة تمنع الأمة العربية من أن تكون أمة قوية لها وزنها.

ويدعو المستشار الهضيبي الحكومات العربية إلى إحياء وتدعيم اتفاقيات التعاون الاقتصادي والعلمي والفني بين الدول العربية والإسلامية، باعتبار ذلك بُعدًا استراتيجيًّا مُهمًا لمستقبل الأمة وشعوب المنطقة، مشيرًا إلى أن العرب والمسلمين يملكون المال والأرض والطاقات المدربة والعقول الذكية صاحبة الخبرة، والأسواق الواسعة شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وأن كل الظروف الطبيعية مواتية لتدعيم وتقوية هذا التعاون الذي يحتاج إلى عزيمة وإرادة وحكومات قوية صاحبة إرادة.

إلقاء السلاح العربي

ويرى اللواء متقاعد طلعت مسلّم- خبير الاستراتيجية العسكرية، وعضو المكتب السياسي لحزب العمل-: أن المؤتمر يهدف أساسًا إلى إدماج إسرائيل في المنطقة، ويأتي في ظل ضغوط أمريكية على كل المنطقة، وهو أيضًا امتداد للمؤتمرين الاقتصاديين اللذين عُقدا في الرباط بالمغرب، وعمّان بالأردن بناًء على توجيهات مؤتمر مدريد في أكتوبر ۱۹۹۱م، وإدماج إسرائيل اقتصاديًّا في المنطقة معناه إنهاء المقاطعة العربية لها، وأرى أن مثل تلك المؤتمرات هدفها إلقاء مزيد من السلاح العربي، بل ونزع الأسلحة العربية في مواجهة إسرائيل، وأرى أنه لن يحقق شيئًا بالنسبة للاقتصاد، فمن الصعب أن نتصور أن يعقد أي مستثمر صفقة ضخمة في يومين أو ثلاثة أو نتصور أن هناك من المستثمرين من ينتظر مثل هذه المؤتمرات لعقد صفقاته، وربما يكون الهدف أن تكون الاستثمارات وسيلة لإشراك إسرائيل، كأن يُقال: ممكن أن أشترك في مشروع كذا بشرط أن تشارك فيه إسرائيل، وهنا نكون قد خرجنا من مجال الاقتصاد إلى مجال السياسة، ويمكن القول إن المؤتمر الاقتصادي المقرر عقده في الأسبوع القادم يحظى بنفور من الغالبية، نتيجة ما «تكشّف» من سياسات إسرائيل وأقول: «تكشّف» لأن البعض كان يغالط نفسه حول هذه السياسات، وبالتالي أرى أن فرصة الخروج بنتائج حقيقية مؤثرة للمؤتمر فرصة ضعيفة جدًا، وأتوقع أن يقال إن المؤتمر قد فشل، وأن يلوم الغرب وإسرائيل مصر على أنها السبب في فشله، ولا بديل لنا إلا بتقوية التعاون الاقتصادي في الإطار العربي، خصوصًا وأن لدينا الكثير والكثير من العوامل المساعدة على نجاح هذا التعاون.

ويؤكد الاستاذ عادل حسين- الخبير الاقتصادي، والأمين العام لحزب العمل-: أن المؤتمر الاقتصادي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يُعد ترسيخًا وتوطيدًا لوضع إسرائيل في المنطقة، ويضفي شرعية على العلاقات التي تقيمها مع البلاد العربية المختلفة، وكل هذا يتحقق دون أن تقدم تنازلات حقيقية فيما يتعلق بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، إلا أن هذا الرفض الذي أعلنه حزب العمل لمؤتمري المغرب وعمّان من قبل، يصبح الآن رفضًا أشد وأوضح لمؤتمر القاهرة في ظل وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على رأس تشكيل بالغ الضراوة في عدائه لأي تفاهم مع البلاد العربية، وكنا قد توقعنا بعد مؤتمر القمة العربية «يونيو ١٩٩٦م» أن يتعدل المسار، مسار التخاذل العربي، فتتخذ الدول العربية موقفًا جماعيًّا رفضًا لأي تعامل مع إسرائيل، وقد جاء في قرارات القمة ما يشير إلى هذا الاتجاه، حيث إنها ربطت بين التزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة كشرط ضروري للاستمرار في أي علاقات اقتصادية أو سياسية معها، ولكن والمؤتمر القاهرة الاقتصادي يأتي في عكس هذا الاتجاه لأن الصلف الصهيوني هو في هذه اللحظة في أقصى درجاته.

مكسب هائل للصهاينة

ويشير عادل حسين إلى أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو تنفذ جميع ما ألتزمت به أمام الناخبين، وبدلًا من استكمال المفاوضات بدأت في الاستعداد لشن حرب عسكرية ضد سورية، ويبدو أنها سوف تنتظر لحين الانتهاء من الانتخابات الأمريكية، والموقف الآن ازداد وضوحًا وتدهورًا، ولم يعد يسمح أو يبرر إبداء أي قدر من التساهل مع هؤلاء الأعداء الصهاينة، والمفروض أن نقيم سياستنا على هذا الأساس الواضح بلا أي تردد، ولكن يبدو أن الحكومة المصرية لا تمضي في الطريق الذي دعونا إليه، وتطلعت إليه كل القوى الوطنية في مصر، ولذا فإن إجراءات عقد مؤتمر القاهرة تمضي على قَدِم وساق، ومن المؤكد- حسب تقديري- أن المؤتمر لن يسفر عن أي نتائج اقتصادية ملموسة، وسوف تظل النتائج في الأساس سياسية، وبالتالي فهي مكسب هائل للصهاينة، لأن المكسب السياسي في المؤتمرين السابقين كان محاطًا بأكاذيب روّجوها عن رغبتهم في السلام، وعن اتجاههم للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، أما هذه المرة فإنهم يحصلون على مكسب الاعتراف بهم ومشروعية التعامل معهم، دون أن يجدوا أنفسهم مضطرين حتى للتضليل وإطلاق الشعارات الكاذبة.. إنه مكسب سياسي مجاني يستطيع به نتنياهو أن يقول للصهاينة: إن كل الغطرسة التي أظهرتها في وجه هؤلاء لن تمنعهم من الجري خلفنا!.

 

 

الرابط المختصر :