; أهل الغيرة.. شبابنا! | مجلة المجتمع

العنوان أهل الغيرة.. شبابنا!

الكاتب سلمان مندني

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1992

مشاهدات 62

نشر في العدد 1007

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 14-يوليو-1992

إن انتزاع الإنسان من كينونته، وإخراجه من إنسانيته، ثم إلقاءه في أحضان الشهوات وميادينها، لجريمة العصر التي لا تعدلها جريمة، فقد جردنا بذلك الشباب من حريته الكاملة التي من خلالها يتحكم في عقله وقلبه ونفسه، وربطناه بعبودية مذلة حرمته من أن يوظف طاقاته وقدراته العقلية والنفسية في البناء والعطاء.

ويظهر ذلك جليًّا عندما ترى الشباب وقد أهدر ماله ووقته في ضياع يظن أنه الهواية التي ليس له عنها مهرب ولا مناص، وقد صورت له نفسه الصغيرة وعقله المأسور ذلك، وأصبحت لديه قناعة تامة في أن ميوله في أعمال تافهة فيها من إنفاق الوقت والمال بل والحياة- أحيانًا- ما فيها، يحقق له رضا ويشبع له رغبة فيزاولها مسترخصًا كل شيء في سبيل هذا الإشباع الخادع.. شباب من هذا النوع هو من إفرازات الحياة التي نحياها اليوم والتي حرصنا فيها على توفير المتعة بلا حدود إشباعًا للهوى والشهوة والجسد. 

وإهمال الإنسان ككيان يحتاج إلى البناء الفكري والنفسي إهمالا بلا حدود.. فاهتممنا بالجسد وأهملنا الروح والعقل.

وأي خير في فتح أبواب الملهيات على مصراعيها.. من مؤسسات رسمية ونوادٍ بحرية وشواطئ عُري، وصور فاضحة وأفلام هابطة، وعروض ساقطة، وإعلانات ودعايات مغرية مرغبة دافعة! أي خير في هذا كله مع شهوة الشباب الملحة وضعف الإيمان وانعدام الرقابة.. فما الحصيلة المرجوة من وراء ذلك كله إلا مزيدًا من الانحراف والضياع وانعدام المروعة.. وكل ذلك حاصل تحت سمع وبصر مسؤولي الدولة دون تحريك ساكن أو تسكين متحرك.. فالشدة إذن مطلوبة لردع الانحراف، وإعادته إلى جادة الصواب، وسد منافذ الشر وأبوابه فإن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن.. وقصة عمر رضى الله عنه مع نصر بن الحجاج معروفة مشهورة عندما سمع امرأة تتمناه وتنشد الشعر في ذلك، فلما رآه وله لمَّة تنوس على كتفيه، أمر بحلق شعره، فرآه أجمل مما كان عليه، فأمر بنفيه وهيأ له ما يعينه من طعام ودابة، قطعًا للفتنة ولدابر الشر.. وما نراه الآن حرامًا شرعًا ومخالفًا للمادة الثانية من الدستور.. ومصادما لأخلاقنا وأعرافنا وتقاليدنا.. ولا عذر لنا في تركه والتمادي فيه تحت أعذار هي أو هي من خيط العنكبوت.. والإسلام لم يحرم اللهو والتمتع بالمباح والطيبات. 

وإنما حرم اللهو الحرام بصورته المعروضة على الساحة، وليس من نفس إلا وتنزع إلى اللهو والراحة والمزاح، فإنه لها كالملح للطعام، لكنه في ضوابط الشرع وآداب الإسلام حتى لا تَزِل به القدم، وتضعف به المروءة وتنعدم الغيرة، فيقع المحذور، عندئذ لا ينفع الندم وتمكن الألم، ولا ليت، أو لعل وعسى!

فجيل شبابنا يتعثر ويتساقط أمامنا ونحن ننظر إليه.. فلابد إذن من توجيهه، وإرشاده، واستثمار قدراته وطاقاته وتوظيفها في الإبداع والفن والإنتاج والعطاء. 

والأمر يحتاج إلى وقفة رجل ذي حرص وجدية وغيرة.. ولن تعدمه أرض الخير والصلاح، وإلا فإننا بأيدينا نئد شبابنا وأبناءنا في هذا السيل الجارف وهذه العثرة الوكداء وسوف تسألون، وقد ضافت نفس عمر رضى الله عنه وهو في المدينة خشية أن يسأل عن دابة تعثر في أرض العراق!

الرابط المختصر :