; أهل الكتاب.. والغلو في الدين | مجلة المجتمع

العنوان أهل الكتاب.. والغلو في الدين

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2013

مشاهدات 34

نشر في العدد 2057

نشر في الصفحة 51

السبت 15-يونيو-2013

(*)أستاذ الحديث وعلومه

الإفراط والتفريط صفتان مذمومتان سواء وقعتا في أمر ديني أو دنيوي؛ لأن مرتكبهما يتجاوز الحد المعقول، ويخل بفضيلة التوازن، وقد خاطب الحق تبارك وتعالى أهل الكتاب الذين فرطوا وأفرطوا:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِ ولَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيل (المائدة). 

وعلى هذا الأساس لا يجوز في الدين تجاوز حد الوحي المنزل إلى ما تهوي الأنفس، كجعل الأنبياء والصالحين أربابًا ينفعون ويضرون بسلطة غيبية لهم فوق سنن الله في الأسباب والمسببات الكسبية واتخاذهم لأجل ذلك آلهة يعبدون فيدعون من دون الله تعالى أو مع الله جل شأنه، سواء أطلق عليهم لقب الرب والإله، كما فعل بعضهم أم لا، وكمن شرع عبادات لم يأذن بها الله، وتحريم ما لم يحرم الله كالطيبات التي حرمها بعضهم على أنفسهم، وعلى من اتبعهم مبالغة في التنسك.

 إن الله تعالى نهى أهل الكتاب في عصر نزول القرآن عن هذا الغلو الذي كان عليه من قبلهم من أهل ملتهم، وعن التقليد الذي كان سبب ضلالتهم، فذكرهم بأن الذين كانوا قبلكم قد ضلوا باتباعهم أهواءهم في الدين، وعدم اتباعهم فيه سنة الرسل والنبيين والصالحين.. فكل أولئك كانوا موحدين، ولم يكونوا مفرطين ولا مفرّطين وإنما كانوا للشرك والغلو في الدين منكرين فهذا التثليث وهذه الطقوس المستحدثة من بعدهم، ابتدعها قوم اتبعوا أهواءهم فضلوا بها، وأضلوا كثيرًا ممن اتبعهم في بدعهم وضلالهم، والضلال الأول في الآية هو ضلال الابتداع والزيادة في الدين، أما الثاني فهو الجهل بحقيقة الدين وجوهره وكونه وسطًا بين أطراف مذمومة، كالتوحيد بين الشرك والتعطيل واتباع الوحي بين الابتداع والتقليد، والسخاء بين البخل والتقتير.

ولبني إسرائيل تاريخ طويل في الضلال والإضلال، وآثر أكثرهم اتباع الهوى على هدي الأنبياء، وكيف أخذهم الله تعالى على هذا الإصرار ولهذا استحقوا اللعنة من أنبيائهم قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولكن كثيرًا منْهُمْ فاسقون﴾ (المائدة78:81).

 وهكذا يبدو أن تاريخ هؤلاء في الكفر والمعصية واللعنة عريق، وأن أنبياءهم الذين أرسلوا لهدايتهم وإنقاذهم، هم في النهاية الذين تولوا لعنتهم وطردهم من هداية الله فسمع الله دعاءهم، وكتب السخط واللعنة على بني إسرائيل، والذين كفروا من هؤلاء هم الذين حرفوا كتبهم المنزلة، وهم الذين لم يتحاكموا إلى شريعة الله، وهم الذين نقضوا عهد الله معهم؛ لينصرن كل رسول ويعزّرونه ويتبعونه ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، والمعصية والاعتداء، لدى هؤلاء القوم يتمثلان في كل صورهما الاعتقادية والسلوكية علي سواء، ولم تكن المعصية والاعتداء أعمالًا فردية في مجتمع بني إسرائيل، ولكنها انتهت إلى أن تصبح طابع الجماعة كلها، وأن يسكت عنها المجتمع، ولا يقابلها بالتناهي والنكير ﴿وَكَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. 

 إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين فالأرض لا تخلو من الشر، والمجتمع لا يخلو من الشذوذ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفًا مصطلحًا عليه، وأن يصبحا سهلًا يجترئ عليه كل من يهم به وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات، ويصبح الجزاء على الشر رادعًا وجماعيًا تقف الجماعة كلها دونه وتوقع العقوبة الرادعة عليه. 

عندئذ ينزوي الشر وتنحسر دوافعه وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه، وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع، ولا يسمح لها بالسيطرة، وعندئذ لا تشيع الفاحشة، ولا تصبح هي الطابع العام.

والمنهج الإسلامي - وهو يعرض لهذه الظاهرة في مجتمع بني إسرائيل - في صورة الكراهية والتنديد يريد للجماعة المسلمة أن يكون لها كيان حي متجمع صلب، يدفع كل بادرة من بوادر العدوان والمعصية، قبل أن تصبح ظاهرة عامة،

 ويريد للمجتمع الإسلامي أن يكون صلبًا في الحق، وحساسًا تجاه الاعتداء.. هذا، وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل الذين يتولون الذين كفروا، ويتناصرون معهم ضد الجماعة المسلمة.

 وعلة ذلك - مع أنهم أهل كتاب - أنهم لم يؤمنوا بالله والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يدخلوا في دينه الحنيف فهم غير مؤمنين، ولو كانوا مؤمنين ما تولوا الكافرين؛ ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخَطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِي وَمَا أَنزَلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.

وهذا التقرير كما ينطبق على حال اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينطبق على حالهم اليوم وغدًا، وفي كل حين.. كذلك ينطبق على الفريق الآخر من أهل الكتاب في معظم أرجاء الأرض اليوم؛ مما يدعو إلى التدبر العميق في أسرار القرآن الكريم.

 تلك إشارات إلى حال هؤلاء وأولئك الذين فرطوا وأفرطوا، وغضب الله عليهم وضلوا.

 ومع ذلك يأمر الإسلام أهله بالإحسان إلى هؤلاء وأولئك في العشرة والسلوك، وبحماية أرواحهم وأموالهم وأعراضهم في دار الإسلام ويتركهم إلى ما هم فيه من عقائدهم كائنة ما تكون، وإلى دعوتهم بالحسنى إلى الدين القيم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والوفاء لهم ما وفوا بعهدهم ومسالمتهم للمسلمين. وهم - في كل حال - لا يكرهون على شيء في أمر الدين. 

الرابط المختصر :