; أهل الملحمة وأهل المشأمة في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان أهل الملحمة وأهل المشأمة في الميزان

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994

مشاهدات 76

نشر في العدد 1109

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 26-يوليو-1994

الفرق بين أهل الملحمة وأهل المشامة كبير جدًّا، أهل الملحمة لهم عقيدة يدافعون عنها، وإيمان يحافظون عليه، وهمّة يتحركون منها، وشرف أصله ثابت وفرعه في السماء، ليسو نبتًا شيطانيًا ينفصل عن أمته، أو ذيلًا إبليسيًا يلتصق بغيره وتحركه الفتن والشهوات، أهل الملحمة عمالقة النفوس والعزمات كبار العطايا والنفحات خير لأممهم، فخر لأقوامهم، مثل لأجيالهم، عز لدينهم نصر لمبادئهم صادقو الوعد أوفياء العهد منهم من قضى نحبه في سبيل غايته، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا.

أما أهل المشأمة، فشياطين مردة، وأبالسة فسقة ومشعوذون هلكة، ليس لهم ذمًة ولا كرامة، ولا شرف يسبحون في الفتن ويغوصون في الشقاق والنفاق والعمالة، شؤم لأممهم، فرقة لديارهم، عار لأقوامهم، لعنات لأجيالهم، هلاك للحرث والنسل، لا عهد ولا وفاء، هلكي الدهور والعصور والمبادئ.

فكل أمة تربي أهل الملحمة تعز وتبز وتقوى، وكل أمة يظهر فيها أهل المشأمة تندحر وتهن وتموت واليمن قديمًا قد تعرض للصنفين، دخل الإسلام زمن رسول الله ﷺ وجاءت وفوده ورسل ملوكه مقبلة على رسول الله ﷺ ، فأرسل رسول الله ﷺ لهم الدعاة والقضاة ليربوا أهل  الخير بالتعاليم والآيات بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل كل واحد منهما على ناحية وقال لهما: «يسرا ولا تعسرا بشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا»، ثم كان مما قاله ﷺ لمعاذ: «اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» ثم خرج ﷺ يودعه ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته ثم قال: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري» فبكي معاذ خشعًا لفراق رسول الله ﷺ ، فقال: «لاتبك يا معاذ للبكاء أوان، البكاء من الشيطان» ثم قال: «قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يفيئون إلى الإسلام»، ثم أرسل الرسول إلى اليمن دفعات أخرى من الدعاة كان منهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - فأمن القوم وعزوا.

ثم جاء دور المشأمة، فبعد موت رسول الله ﷺ ، برز شياطين المشأمة، وظهر دعاتها، فظهر مسيلمة الكذاب، وكان شيطانًا مريدًا، وظهر الأسود العنسي وكان إبليسًا لعينًا، وظهرت الردة وبرزت بقرنيها، وكانت فتنة تركت الحليم حيرانًا، وتمزقت الديار وتشتت الناس وأطبق الإلحاد وساد جنده و برزت رؤوس الشياطين، فانتفض رجال الإيمان من جديد وجاءت عساكر التوحيد، فكرت على الكفر والإلحاد والشقاق والنفاق فدحرته فقتل الأسود العنسي -قتله فيروز الديلمي- ونادى من فوق الحصن بأعلى صوته أشهد أن محمدًا رسول الله، وأن الأسود الكذاب عدو الله وألقى برأسه إلى الجموع فاندحر الكفر وانطوى الإلحاد، وقتل مسيلمة بعد حرب ضروس بقيادة خالد ابن الوليد في موقعة ثبت فيها المسلمون ثبوت الجبال، وقتل فيها من جند مسيلمة عشرون ألفًا، وقتل من المسلمين ستمائة من سادات الصحابة، ومات مسيلمة في المعركة، ضربه وحشي بحربة خرجت من جنبيه، وسارع إليه أبو دجانه بالسيف فأجهز عليه، ومر به خالد قتيلًا وحوله أتباعه صرعى فقال قبحكم الله وقبح مسعاكم، وساد الحق، ورجعت اليمن بعد أن تخلصت من جنود الإلحاد عزًّا للإسلام، ونصرًا وفتحًا للحق وجندًا.

فبعد أن ولى الشؤم واللؤم أراد أبو بكر الصديق - رضي الله عنه- أن يوجه الجيوش لفتح فارس والروم، فأرسل الكتب في الآفاق يدعو الناس إلى الجهاد في سبيل الله فأرسل إلى أهل اليمن بكتاب أنس بن مالك خادم - رسول الله ﷺ  قال: فما مرت الأيام حتى قدم أنس على أبي بكر يبشره بقدوم أهل اليمن، وقال: يا خليفة رسول الله والله ما قرأت كتابك على أحد إلا وبادر إلى طاعة الله و الله ورسوله، وأجاب الدعوة، وقد تجهزوا في العدد والعدة، وأجابوك شعثًا غبرًا وهم أبطال اليمن وشجعانها، وقد ساروا إليك بالزراري والأموال والنساء والأطفال وكأنك بهم وقد أشرفوا عليك ووصلوا إليك فتأهب إلى لقائهم ،فسر أبو بكر - رضي الله عنه - بقوله سرورًا عظيمًا وما هي إلا ساعات حتى أشرفت الكتائب والمواكب يتلو بعضها بعضًا، قوم في إثر قوم وقبيلة في إثر قبيلة، فكان أول قبيلة ظهرت من قبائل اليمن حمير، وهم بالدروع الداودية والبيض العادية والسيوف الهندية، وأمامهم ذو الكلاع الحميري - رضي الله عنه - فلما قرب من الصديق -رضي الله عنه- - أنشد يقول:

أتتك حمير بالأهلين والولد  ***  أهل السوابق والعالون بالرتب أسد

 غضارفة شوس عمالقة ***   يردوا الكمأة غدًا في الحرب بالقضب

 الحرب عادتنا والضرب ***   همتنا وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب

قال فتبسم أبو بكر -رضي الله عنه- من قوله، ثم قال لعلي ابن أبي طالب -كرم الله وجهه- يا أبا الحسن، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أقبلت حمير ومعها نساؤها تحمل أولادها فأبشر بنصر الله على أهل الشرك أجمعين، فقال الإمام علي: صدقت وأنا سمعته من رسول الله ﷺ.

وأقبلت من بعدها كتائب منحج أهل الخيل العتاق والرماح الدقاق، وأمامهم سيدهم قيس بن هبيرة المرادي -رضي الله عنه- فلما وصل إلى الصديق -رضي الله عنه- جعل يقول:

أتتك كتائب منا سراعًا  ***    ذوو التيجان أعني من مراد فقدمنا

 أمامك كي ترانا   ***     نبيد القوم بالسيف النجاد

وكان بهؤلاء القوم وإخوانهم النصر والفتح والفوز والعزة والنجدة، أرأيت أهل المشأمة كيف كانوا وأهل الملحمة كيف فعلوا أي الفريقين خيرٌ مقامًا وأحسن نديًا، وهل يعيد التاريخ نفسه، وتجتمع رايات الإسلام من جديد وتقبل عزمات اليمن ويفرح المؤمنون بنصر الله؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 377

88

الثلاثاء 06-ديسمبر-1977

من شذرات القلم (عدد 377)

نشر في العدد 397

116

الثلاثاء 30-مايو-1978

«نصيحة لا يفوتنك قراءتها...»