العنوان أهوال العالم العربي.. ومحنة العقل
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 27-نوفمبر-2010
مشاهدات 69
نشر في العدد 1928
نشر في الصفحة 66
السبت 27-نوفمبر-2010
هناك مدرسة في العالم العربي ترى أن مشكلة العالم العربي الأساسية هي عدم وجود عقل نقدي، فإذا توافر هذا العقل أمكن لا شك أن تنهض هذه المنطقة بالعقل النقدي، وهذا يمثل وجهًا للحقيقة، أما الوجه الآخر فهو لماذا يعاني هذا العقل في زمن العولمة أظن أن جوهر الأزمة في العقل العربي وأحد التفسيرات المهمة هو الحاج الثقل الصهيوني على العقل العربي، فكل الأحداث التي أفقدت العقل العربي قدرته على التماسك تعود إلى مضاعفات الصراع العربي الصهيوني، ولذلك فإن أفدح آثار هذا الصراع وضحيته
الأولى هو العقل العربي.. ذلك أن النظم السلطوية العربية أثر من آثار هذا الصراع. وكان أستاذنا حامد ربيع قد نبه في بداية ثمانينيات القرن الماضي إلى أن أخطر هدف لاتفاقية السلام المصري الإسرائيلي ليس هو إشاعة السلام حقيقة وإنما هو استهداف العقل المصري والعربي.
وما حدث من أحداث دامية بعدها يؤكد هذه الحقيقة، فقد عجز العقل العربي عن فهم ملهاة الحرب العراقية الإيرانية، ثم انشق بغزو العراق للكويت بشعارات قومية ، وإستكانة المنطقة إلى الحمل الكاذب لأوهام السلام هربًا من المواجهة للمشروع الصهيوني ومخططاته وتحالفاته التي ظهر أنه لا حدود لها، وأن مرحلة تفتيت العالم العربي هي الحصاد المر لعملية سلام واهمة تقدم تحت ستارها هذا المشروع.
وهناك أمور كثيرة تدفع العقل العربي إلى الفتور والاستكانة والتسليم حتى لا يتصادم بعنف مع واقع مرير، الأمر الأول: أن خصائص العقل العربي غير النقدي والتي تدفعه إلى التسليم دون تمحيص أو مناقشة هي حالة لها أسبابها في تعليمنا وثقافتنا، وأن ذلك لا يعني أن العقل العربي مصمم جينيًا على أنه غير نقدي.
الأمر الثاني، أن هذا العقل نفسه عندما يعمل في بيئة نقدية القيادة الشرعية، وإما النقد مما يؤدي إلى اضطهاده وزجره والحكم عليه بالإبعاد من الدنيا والآخرة.
وكنت أود - ولا أزال - أن تتناول الدراسات أثر النظم السياسية في حالة الخبل التي أصابت العقل العربي، ولعلنا لاحظنا كيف أن احتلال العراق للكويت أدى إلى إنقسام غريب في العقل العربي، فقد أيده بعضهم على إعتبار أنه أهون من الغزو الأمريكي للمنطقة، متجاهلًا أن هذا الأخير سببه سياسات العراق التي انتهت بهذا الغزو على النقيض، رأى بعضهم أن غزو العراق تم بدعم خارجي حتى يستكين النظام العربي فيصبح من السهل الغزو الخارجي في منظومة عربية تم إسقاطها، كما يسهل إسقاط القضية الفلسطينية من الحساب خاصة بعد تأييد عرفات لهذا الغزو.
كذلك ثار الجدل حول تحرير الكويت، فرأى بعضهم في التحالف أنه خطأ ضد دولة عربية رئيسة ووقيعة بين الدول العربية، ورأى البعض الآخر أنه عملية تعويضية بدعم خارجي التعزيز النظام العربي، بينما رأى آخرون أن غزو العراق، والتصدي للعراق وإن أسفر عن إحقاق الحق وهو تحرير الكويت، وإن لم يكن ذلك هو الهدف الأمريكي، كلها فتنة أصابت جميعها الجسد العربي ومن قبله العقل العربي، وكانت النتيجة أن الغزو سمح للأجندة الأمريكية والصهيونية للنيل مما تبقى من النظام العربي، وخلق عداء خليجيًا وانقسامًا عربيًا، حتى إذا جاء الغزو الأمريكي للعراق وجد عالمًا عربيًا ضعيفًا، وبعضه سعيدًا بالغزو الأمريكي لإنهاء نظام تجاسر يومًا على التهام الكويت، وعندما تم الإحتلال الأمريكي للعراق إنقسم العقل العربي مرة أخرى، فايده بعضهم وعارضه البعض الآخر، وعارض القسم الأول الإنسحاب الأمريكي ورثى لحال الولايات المتحدة، وتمني أن تنهض من عثرتها، بينما وقف الفريق الثاني ومنهم كاتب هذه السطور ضد الغزو العراقي والغزو الأمريكي، ورأى أن كل ذلك ينال من الوضع العربي.
وأرجو أن تركز الدراسات اللاحقة على ثلاثة موضوعات تثقيفًا وتهذيبًا للعقل العربي وتدريبًا له على النقد الموضوع الأول دراسة الأسباب التاريخية والتراكمية التي أدت بهذا العقل إلى مرحلة الإستسلام والخمول الموضوع الثاني طرق حصر العقل العربي صوب الطابع النقدي في المنزل والشارع والمدرسة وفي الحياة السياسية.
الموضوع الثالث: كيف يتحول المصري من مستسلم لأقداره عاجز عن نقدها وتغييرها على كل المستويات دون أن يتهم بأنه يفتح عين المواطن على عورات النظام، أو أنه يسعى إلى تحريره من أغلاله، أو أنه يساعده على الشعور بواقعه المريض وطريق الخلاص منه ؟
كالغرب فإنه يبرع في جميع المجالات، ولذلك فالعيب في البيئة التي نشأ فيها ولم يتمرد عليها، وإذا تمرد عليها تم عزله اتقاء الشره وخطره، بل وتم استهجانه اجتماعيًا وربما مهاجمته دينيا.
الأمر الثالث: أن غياب العقل النقدي عند الجميع بشكل عام له أسبابه، وأهم هذه الأسباب الحكم العربي الذي لا يمكن لعقل طبيعي أن يستوعب سلوكه وقراراته ولذلك كان أمامه إما أن يستكين إلى خمول العقل في كل شيء، وهو مطلوب بشدة لاستقرار النظم السياسية وسلامة الأوطان وسلامة.