العنوان أوراق بحثية متعسفة تناقش تجربة الأحزاب الرئيسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1287
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 10-فبراير-1998
اليمن
تشريح الديمقراطية في اليمن (٣من٣)
صنعاء: ناصر الحمادي
اشتملت عملية تقييم التجربة الديمقراطية في اليمن على محور خاص بالأحزاب اليمنية، وكانت البداية مع الأحزاب الثلاثة الكبرى: المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني.
ولعله من المفيد الإشارة إلى أن الأحزاب في اليمن بدأت في الظهور في الأربعينيات، لكن الأحزاب التاريخية التي غطت نشاطاتها كل الساحة اليمنية تأسست في النصف الثاني من الخمسينيات، فيما يمكن القول إن مرحلة الأربعينيات وبداية الخمسينيات كانت مرحلة تمهيدية لما تلاها من المراحل، وظلت هذه الأحزاب تمارس نشاطها سرًا طوال فترة السبعينيات والثمانينيات حتى خرجت إلى العلن بعد قيام دولة الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠م.
كانت ندوة المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية مخصصة لتقييم تاريخ الأحزاب، وكانت البداية مع الأحزاب الثلاثة الكبرى، والتي استمرت على مدى يومين شهدت نقاشات ومداخلات من الحاضرين الذين مثلوا كل الأحزاب العاملة في الساحة اليمنية.
ولاحظ المتابعون أن معدي الأوراق مثلوا اتجاهات سياسية وفكرية مناقضة، بل ومعادية - للأحزاب التي كانت موضوع النقاش... ومع أن هذا الأمر له إيجابية في إتاحة الفرصة للناقد في الخوض في القضايا دون تحرج... لكن في المقابل فقد أدى ذلك إلى ظهور مواقف وآراء غاية في التعسف لاقت استهجاناً من الحاضرين.
المؤتمر الشعبي: إشكالية الهوية:
ركزت الورقة الخاصة بحزب المؤتمر الشعبي العام على ما وصفته بأهم خاصية فيه وهي كون المؤتمر الشعبي كيانًا عجز عن تحديد هويته: هل هو حزب سياسي أم مظلة تنظيمية تستظل تحتها جميع الأحزاب؟
وتعود هذه الإشكالية إلى طبيعة نشأة حزب المؤتمر الذي نشأ أساسًا لتلبية حاجة النظام السياسي - فيما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية- الإطار سياسي لمواجهة الحزب الاشتراكي الذي يحكم «الجنوب» آنذاك... كما أن اتفاقيتي الوحدة اليمنية في طرابلس والكويت تحدثنا عن «تنظيم سياسي» في دولة الوحدة المقبلة... وبالإضافة إلى ذلك فقد هدف النظام الجديد في صنعاء بزعامة الرئيس علي عبدالله صالح إلى ابتكار نوع جديد من التعامل مع الأحزاب السياسية التي يحرمها الدستور... بحيث تلتقي تحت مظلة تنظيم موسع يسمح لها بنوع من الحركة المحسوبة ... وفي المقابل يتجاوز الجميع سنوات التناحر والصراع التي خاضتها الأحزاب ضد النظام وأنتجت جروحًا ومشاكل كبيرة.
شكلت تجربة المؤتمر الشعبي وعاء للتعددية الحزبية وتواجهت التيارات الفكرية والسياسية تحت هذه المظلة طوال سنوات ۸۲ – ۱۹۹۰م.... لكن الأمر ظل مقتصرًا على قضايا التعليم والمناهج والنقابات... أما على المستوى التنظيمي فقد أخفق المؤتمر في التحول إلى حزب حقيقي وتجمد عند حدود تجربة التنظيمات القومية الشهيرة في مصر والعراق والسودان.
وعندما جاءت الوحدة بالتعددية الحزبية، واجه المؤتمر تحديًا حقيقياً بعد انسحاب الإسلاميين والبعثيين منه، كما أنه وجد نفسه في مواجهة احزاب متمرسة على العمل السياسي ... ولولا الدعم الذي مثله الرئيس علي صالح للحزب بصفته رئيساً له لكان الحزب قد لفظ أنفاسه الأخيرة تحت حرارة الصراع السياسي الشرس الذي شهدته اليمن خلال سنوات ۹۰ – ١٩٩٤.
يوجه الناقدون لحزب المؤتمر انتقادات قوية أهمها: أنه لا يمتلك جهازًا تنظيميًا متماسكًا، ويعتمد على أجهزة الدولة التنفيذية في فرض نفوذه الشعبي.... ولذلك فالمؤتمر يعاني من ضعف البنية المؤسسية التنظيمية ويرتبط ولاء أعضائه بالسلطة وليس بالفكرة أو الحزب .... كما يتميز أعضاؤه بعدم الانضباط الحزبي وخاصة عند تعارض مصالحهم الشخصية ورغباتهم مع توجيهات الحزب، أما المعضلة التي يواجهها حزب المؤتمر فهي تتلخص في أن مهمة بناء مؤسسات الدولة التي ترفعها الحكومة تتناقض مع مهمة بناء الحزب وتحويله إلى تنظيم حاكم، لأن هذه المهمة الأخيرة تتطلب في وضع كاليمن تقديم تنازلات وكسب ولاء الأشخاص وتجميع الأنصار عن طريق منحهم امتيازات غير قانونية، وبالتالي فإن المهمتين سوف تتواجهان حتمًا لكن النتيجة ستكون فادحة الثمن لإحداهما.
الحزب الاشتراكي: رسالة إعدام:
وصف المعلقون الورقة المقدمة حول تقييم الحزب الاشتراكي بأنها رسالة إعدام وإشارة من قيادة المؤتمر الشعبي الحاكم بأن الحزب الاشتراكي قد انتهى ولم يعد له وجود في الحياة السياسية اليمنية، ويعود هذا الانطباع إلى أن الباحث معد الورقة ينتمي إلى أحد الأجنحة التي انشقت عن الحزب الاشتراكي وهي تعد نفسها معبرة عن التيار التاريخي المؤسس الحركة القوميين العرب التي تحولت إلى الحزب الاشتراكي، ولكن بعد تصفية دموية للمؤسسين الأوائل.
اتهمت الورقة الحزب الاشتراكي بأنه تأسس نتيجة سلسلة من التآمرات بين الماركسيين المتطرفين والأممية الرابعة «التروتسكية» مع الاستخبارات البريطانية التي تمكن فرعها في عدن أثناء فترة الاحتلال من اختراق حركة القوميين العرب وتنظيم عدد من القيادات الميدانية للعمل معه... وهي المجموعة التي اعتنقت الماركسية المتطرفة وأسهمت في تمزيق الصف الوطني وإدخال اليمن الجنوبي في سلسلة مآس متوالية.
وبالنسبة لمستقبل الحزب الاشتراكي فقد كانت الورقة أكثر تشاؤمًا، إذ التي هيمنت على الحزب في الفترة الماضية، والعودة إلى روح فترة التأسيس الأولى، لكن الورقة وضعت احتمالين آخرين يتعلقان بمستقبل الحزب الاشتراكي، الأول يكون بتحوله إلى حزب شطري واقع تحت سيطرة القيادات الانفصالية، والآخر استمرار الحزب بتركيبته الراهنة والململة شتات أجنحته مع تغيير المسميات وبقاء جوهر الممارسات السابقة كما هي عليه.
الإصلاح من الجماعة إلى الحزب:
ركزت الورقة الخاصة بتقييم تجربة التيار الإسلامي الإخواني على رصد تحالفات الإسلاميين مع الحكومات المتعاقبة ١٩٦٢م – ۱۹۹۰م التي حكمت في صنعاء، ولاحظت الورقة أن الحركة الإسلامية في اليمن رفضت استخدام العنف كوسيلة للتغيير وظلت تمارس نشاطها خلف واجهات تعليمية وقبائلية وشعبية، الأمر الذي مكنها من تفادي الصدام مع الأنظمة المتعاقبة... فيما ركزوا نشاطهم الدعوي في التصدي للأفكار الإلحادية ومظاهر التفسخ الأخلاقي والاجتماعي التي كانت تغزو المجتمع اليمني المحافظ مع عمليات الانفتاح على العالم الآخر أو بفعل التأثر بالموجات الفكرية والسياسية العلمانية التي سيطرت أحزابها على الساحة فترة الستينيات والسبعينيات.
كما ركزت الورقة على العلاقة التي ربطت التيار الإسلامي بالنظام في فترة الرئيس علي عبدالله صالح، والتي كان محورها الأساسي مقاومة التمرد الشيوعي المدعوم من نظام عدن الماركسي واعتبرت الورقة أن هذه العلاقة مكنت الإسلاميين من بناء تنظيم كبير استفادوا منه في زمن التعددية السياسية بعد عام ۱۹۹۰م... وفي المقابل فإن النظام جعل للإسلاميين مهمة مواجهة التيارات اليسارية - حسب زعم الورقة- وهي المهمة التي استمرت حتى بعد قيام الوحدة عندما ظهر التناقض بين الاشتراكيين والإسلاميين باعتباره التناقض الأكبر في فترة الوحدة.
وتزعم الورقة أن الإشكالية التي يعيشها الإصلاح تتركز في التوفيق بين مقتضیات دور الحزب المدني المتعايش مع الآخر والقابل بآليات النظام الديمقراطي وبين مقتضيات دور الجماعة في طورها السري الذي يعتمد على خطاب يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة ... وهي كما قال الباحث – إشكالية تعيشها كل الأحزاب اليمنية التي خرجت من السرية إلى العلنية، وبالنسبة المستقبل الإصلاح فإن الورقة تركز على أن هناك صراعًا داخليًا بين تيار تقليدي مهيمن يؤكد على ضرورة العودة إلى إطار العلاقة التاريخية مع النظام باعتباره جزءًا منه ... وبين تيار تجديدي يدعو إلى تبني خط معارضة بناءة ضد النظام.
ويبدو من خلال قراءة الورقة أنها تنطلق من منطلق الإصرار على عدم تفهم الدور الذي قام به الإسلاميون طوال السنوات الثلاثين الماضية ... ولا سيما أن معد الورقة كان أصلًا ضمن شباب الإخوان قبل أن ينحاز للخط المذهبي الشيعي تأثراً بالبيئة التي نشأ فيها وتحوله إلى إسلامي مذهبي.... وهو تيار يتعارض فكرياً مع تيار الإصلاح باعتباره أهم روافد الإسلام السني، والتي يرى الشيعة أنها قد اكتسحت عدداً كبيراً من مناطقهم التاريخية وسحبت البساط من تحت هيمنتهم اليومية على بسطاء الناس.
ويتضح من خلال الورقة وتعليقات المشاركين من التيار اليساري أن هؤلاء يتميزون غيظًا من تمكن الحركة الإسلامية من تجنب الوقوع في الخطأ التاريخي الذي تورطت فيه الحركات الماركسية والقومية المختلفة، والتي اصطدمت مع النظام في فترة ظنت فيها أنها وصلت إلى مرحلة من القوة تمكنها من تحقيق أهدافها عبر الانقلابات العسكرية أو التمرد المسلح، وكان نتيجة ذلك خسرانها لقوتها الشعبية وفقدانها لسيطرتها على الشارع الذي انفض عنها تدريجيًا... بينما التزم الإسلاميون الخط السلمي في الدعوة إلى مبادئهم في الوقت الذي لم يهملوا بناء قاعدة شعبية كبيرة ظلت تتنامى حتى تحولوا إلى أقوى الحقائق السياسية الشعبية.
لم تسلم الأوراق الخاصة بتقييم الأحزاب من النقد، وتكاد تجمع الآراء أنها تفتقد إلى كثير من مقومات البحث العلمي وخاصة فيما يتعلق بالحزب الاشتراكي... لكن كون هذه الندوة هي الأولى من نوعها تقريبًا، فهي تعد بادرة مهمة نحو تقييم أكثر علمية وحيادية ... وخاصة إذا التزم الباحثون بخصائص ومواصفات البحث العلمي.
بالنسبة لبقية الأحزاب فالمنتظر أن يشهد عام ۱۹۹۸م ندوات أخرى لتقييمها على المستوى الشعبي... وفي مقدمتها الحركة الناصرية والتيار الشيعي وحزب البعث.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل