; أوراق ذكريات مع محفوظ نحناح | مجلة المجتمع

العنوان أوراق ذكريات مع محفوظ نحناح

الكاتب مصطفي محمد الطحان

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2003

مشاهدات 58

نشر في العدد 1558

نشر في الصفحة 42

السبت 05-يوليو-2003

منذ سنة تقريبًا.. ظل الأستاذ الفاضل محفوظ نحناح يصارع المرض الخطير الذي استقر في دمه وفي عظامه.. المرض الذي وصفه الشاعر المتنبي بقوله:

وزائرتي كأن بها حياء

                    فليس تزور إلا في الظلام

فرشت لها المطارف والحشايا

                   فعافتها وباتت في عظامي

كان يصارع المرض بالنشاط والحركة.. وفي بعض الأحيان تتغلب عليه آلامه.. فتهدأ حركته ولا يشكو.. وكيف يشكو من أصبح مسؤولًا عن حركة؟!

كنت معه في أنقرة.. وكان معنا ثلة من رجالات الفكر والسياسة، كان يخرج من الندوة.. ويغيب أحيانًا ثم يعود.. كنت استغرب الأمر.. وبعد أكثر من سنة أخبرني أن الآلام كان تضطره إلى مثل هذا الخروج.. حتى لا يلاحظ ذلك أحد.

وأخيرًا جاءنا نعيه على لسان الناطق الرسمي باسم الحركة الأستاذ عبد الحميد مناصرة، فقد نعى إلى العالم الإسلامي والعربي وفاة الشيخ محفوظ نحناح رجل الوسطية والاعتدال والتسامح.. مشيرًا إلى أن رحيل رئيس حركة مجتمع السلم سيترك فراغًا كبيرًا على المستويين الوطني والدولي، فهو يتولى منذ العام 1981 قيادة تنظيم الإخوان المسلمين في الجزائر.

وكان قد عاد إلى الجزائر بعد ثلاثة شهور من العلاج في فرنسا، بعد أن أكد الأطباء استحالة شفائه من مرض سرطان الدم الذي تمكن منه.. فأراد هو وأراد إخوانه أن يموت في بلده.. بين أهله وأسرته.. وبين إخوانه الذين أحبهم وأحبوه.

وأجدني - وأنا أقف أمام هذا الحدث الجلل - أقلب أوراق الذكريات الغالية مع الأخ محفوظ نحناح.

-         التقيته أول مرة عام 1972 في إطار لقاءات الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض.. شابًا في الثلاثين.. كل ما فيه ينطق: لسانه ورأسه ويداه.. ومنذ كنت وحتى اليوم، عندما أحضر لقاء مثل هذا، أتفرس في وجوه القوم، وأختار واحدًا أو أكثر ممن تظهر عليهم علامات الوعي والحركية والتفاؤل.. فأصل أسبابي بأسبابه..

-         في عام 1973 كنت في زيارة إلى الشمال الأفريقي بدأتها بالمغرب.. ثم الجزائر.. وعندما أنهيت معاملة الوصول وخرجت وجدت الأخ محفوظ يستقبلني فاتحًا ذراعيه.. لا أنسى حرارة ذلك اللقاء وأهميته وفائدته..

-         ذهبنا في سيارته الصغيرة «الفولكس فاجن» إلى بلدته «البليدة» وهي على مسافة 50 كيلو مترًا إلى الجنوب من العاصمة الجزائر، وأقمت عنده في بيت العائلة الواسع الكبير.. كل من يصادفك في هذا البيت يؤكد في ذهنك التدين والتواضع والخلق الحسن.

ذهبنا إلى أحد مساجد العاصمة الكبيرة، لنستمع إلى أحد الدروس التي يلقيها الأستاذ محفوظ في العديد من مساجد العاصمة ومساجد البليدة.. هناك جلست أمام النهر المتدفق.. كلمات واعية.. وإيماءات واضحة.. وتوجيه سليم.. وأخوة شباب يلتفون حولنا يسألون الشيخ عن درسه.. وعما بعد الدرس..

واستغربت أن يكون مثل هذا الطرح الجريء.. والأيام أيام «بومدين».. والتوجه اشتراكي علماني.. ويظهر أن شيخنا  قرر أن يقول كلمة الحق واضحة، ويعتصم بالصبر مهما تكن النتائج.

-         وذهبنا معًا إلى مسجد الطلبة في الجامعة المركزية.. وكانت بداية التحول في البلد كله.. فهي النواة التي تفرعت عنها جميع الاتحادات الطلابية.. وانتقلت من العاصمة إلى المدن الأخرى.. ومن سكن الطلاب إلى التجمعات المهنية، فأصبح الطلاب أطباء ومهندسين ومحامين.. شغلوا معظم فراغ المجتمع المدني..

الأخ محفوظ «رحمه الله» هو من ساهم في فتح مسجد الجامعة، وهو أول من أدى صلاة الجمعة فيه..

في المسجد التقيت الأخ الدكتور مصطفى براهما.. ربطتني الرسائل معه منذ سنوات.. حتى كان لقائي به في مسجد الجامعة.. زرنا سكن الجامعة.. وتحدث الأخ محفوظ وتحدثت بعده.. اللغة نفسها والروح والتوجه كذلك..

في زيارتنا للجامعة.. كانت الأوضاع والمظاهر بعيدة كل البعد عن الشكل الإسلامي.. لباس الطالبات.. حركاتهن مع زملائهن، وهن رائحات غاديات أو جالسات على المقاعد..

سألته: الأوضاع صعبة يا شيخنا!..

أجابني: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: 88).

-         اصطحبني الأخ محفوظ إلى لقاء حميم.. جمع قادة العمل الإسلامي من مختلف الاتجاهات: الإخوانية والسلفية والإنقاذية والجزأرة والصوفية وغيرها كانوا في هذا اللقاء..

لقاء هؤلاء أمر طبيعي.. وخلافاتهم مفتعلة.. كلفت الدعوة والدعاة كثيرًا من العناء والإرهاق والخسائر التي لا تقدر بثمن.

لو اقتصر أعداء الإسلام على إيغار صدور الإسلاميين بعضهم على بعض لكفاهم.. فهو الأمر الذي ينهك العمل الإسلامي ويدمر الدعوة والدعاة..

لا أنسى أبدًا الزفرات الحرى التي كان يطلقها أخونا محفوظ، حزنًا على رفيق دربه رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الشيخ محمد بوسليماني، عندما سقط برصاصات على يد بعض الإسلاميين عام 1994، واستغربت الأمر.. فلم يكن يدور في فكري أن الأخ يمكن أن يقتل أخاه.. وسألت الأخ محفوظ: هل أنت متأكد أنهم هم الذين قتلوه؟

قال والألم يعتصره: نعم نعرفهم بأسمائهم.. وليس الأمر أمر شهيد واحد بل عشرات.. ونحن نصبر ونحتسب فلا نريد أن نشمت بنا الأعداء.

في هذه السنوات كنت أزور الجزائر مرة في السنة على الأقل وأستمتع بصحبة وأفكار وأنشطة أخينا محفوظ.. وفي مرة زرنا معًا القاهرة، وكنا على موعد مع رجالات الدعوة الذين خرجوا لتوهم من غياهب السجون التي مضوا فيها ما يزيد على عشرين سنة على يد طاغية آخر من طغاة بلادنا .. كانت سعادة الجميع بادية على وجوههم..

الشيوخ سعداء أن الدعوة التي رعوها ودفعوا فيها أثمانًا باهظة من حياة إخوانهم.. ومن سنوات نفيهم إلى الصحاري في معتقلات الأنظمة.. قد أثمرت وأينعت في العديد من البلدان.. والشباب كانوا سعداء، فما أعظم أن يلتقي شباب مثلنا مع قيادات شامخة كنا ندرس فكرهم ونتتلمذ على كتبهم.. ونتأسى بصبرهم وثباتهم..

ما أجمل أن تتضام السواقي مع النهر المتدفق لتشكل جميعًا تيارًا عريضًا.. يزداد اتساعًا وعمقًا مع الأيام.

عام 1975 وبعد مناقشة الميثاق الوطني.. تم اعتقال الشيخ محفوظ النحناح, والحكم عليه 15 سنة بعد نشره بيانًا بعنوان: إلى أين يا بومدين؟

ليس محفوظ نحناح وحده الذي حوكم وحكم عليه ظلمًا وعدوانًا.. بل الأمة كلها باستثناء الطغاة «أو السوبر باشوات» كما سماهم الكاتب حسين مؤنس.. دخلوا السجن الصغير.. أو السجن الكبير.. وليس أضر بالشعوب من إخافة الناس، وتهديد أمنهم وإهانتهم، وإهدار كرامتهم، وخاصة إذا جاء ذلك كله على يد أولياء الأمر؛ لأن الشعب يتربى بالقدوة، ويتعلم بالمثل الصالح، فإذا كانت القدوة سيئة.. كانت البلية بلا حدود.

كان لا بد من زيارة الحبيب في سجنه.. وسافرت إلى الجزائر.. ولظروف خاصة لم أستطع الوصول إلى أخينا.. المهم أني قمت بما أستطيع.. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

ما أظلم هذه الأنظمة عندما تمنع الغرباء أن يتبادلوا التحية والمحبة!

ومات بومدين.. وقام استفتاء شعبي على الدستور الجديد في شباط «فبراير» 1989.. وبإقرار الدستور ألغيت حقبة كاملة من تاريخ الجزائر بكل مكوناتها الاشتراكية والعلمانية والدكتاتورية.. وكان هذا التاريخ يمثل ميلاد الجمهورية الثانية ونهاية احتكار حزب جبهة التحرير الوطني للسلطة لمدة 27 سنة.

في هذه الأجواء.. استعاد المسجد دوره.. وظهرت الحركات الإسلامية قوية تهيمن على الشارع.. وأفرج عن الشيخ محفوظ بعد قضائه 5 سنوات في السجن..

في مارس 1989 أنشأ عباسي مدني الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وظهرت جمعية الإرشاد والإصلاح بقيادة الشيخ محمد بوسليماني، وحركة المجتمع الإسلامي «حماس» بقيادة الأستاذ محفوظ النحناح.. وهي الفرع الجزائري للإخوان المسلمين.

واختلطت الأمور.. جبهة الإنقاذ تفوز في الانتخابات البلدية.. وفي المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية.. وكثرت التصريحات التي تعتبر الديمقراطية كفرًا.. والتي تهاجم رئيس الدولة الذي فتح صفحة الحريات.. فاغتنمها الجيش فرصة فبطش بالجبهة وزعمائها..

قالوا إن المحنة تكون في الضراء وهي أسهل.. وتكون في السراء وهي أصعب، وكذلك كانت محنة الإسلاميين في الجزائر..

واستطاع الأستاذ محفوظ النحناح أن يتخذ له طريقًا وسطًا.. كان كمن يمشي على سلك مشدود.. الجيش يخشاه والانقاذيون يتهمونه.. ومع ذلك فقد سار في الطريق الصعب.. لينقذ إخوانه وينقذ الحركة التي كانت الرقم الأهم في كل الظروف.

وترشح الأخ محفوظ للانتخابات الرئاسية التي أجريت بالجزائر في نوفمبر 1995م، وفاز بالمركز الثاني بعد حصوله على 3 ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة.

كتبت للأخ محفوظ يوم حصل على المركز الثاني.. وقلت له : إن هذا الذي حصل يدل على أن الإسلاميين على اختلافهم بدأوا يتجمعون.. وكان هذا بفضل سياسة النفس الطويل والصبر الجميل الذي قمتم به .. وهذه الــ 25 % من الأصوات التي حصلت عليها تساوي النصر، فــ 25 % من الأصوات المعارضة أقوى وأهم من 90 % مما يحصل عليه قادة بلادنا زورًا وبهتانًا.

وتمكنت الحركة التي يرأسها الأخ محفوظ من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، حيث شاركت بسبع حقائب وزارية في الحكومة السياسية.

وكان للأخ محفوظ نحناح دور كبير في نبذ العنف والإرهاب وإدانته، وكرس مشواره الدعوي منذ أكثر من ثلاثة عقود في الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وقيم الوسطية والاعتدال.

-         كان اللقاء الأخير في استانبول في تموز «يوليو» 2002 م، كان قد جاء مع أسرته لقضاء فترة نقاهة بعد آلام مبرحة ومعالجات طالت.. لم أعرف ذلك يومها.. فقد كانت صلابة المجاهد تغلب عليه.. خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصه..

-         وبعد فراقك لا يسعني إلا أن أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.. وإني يا شيخنا محفوظ لفراقك لمحزون ... ولا نقول إلا ما يرضي الله..

وأنتم يا إخوان محفوظ في الجزائر وخارجها.. اذكروا أخاكم بدعوة صالحة وليس عندي ما أضيف الآن غير قولة المتنبي:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر           فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :