; أوراق سوداء في حياة بريجينيف | مجلة المجتمع

العنوان أوراق سوداء في حياة بريجينيف

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1982

مشاهدات 81

نشر في العدد 595

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-نوفمبر-1982

  • كيف تبدو سياسة بريجينيف الداخلية في ذهنية المواطنين السوفيت؟
  • مواقف بريجينيف من الأمة الإسلامية تجعله لا يقل في عداوته عن اليهود.

مات بريجينيف الذي تراكضت أنظمة العالم للتعزية فيه تاركًا لورثته أشنع فظائع التاريخ ومآسيه. تلك التي اقترف آثامها طاغوت الشيوعية بدعوى حماية الشيوعية في العالم.

 هلك بريجينيف وترك وراءه مجتمعًا منهارًا. كما ترك وراءه توترًا دوليًّا في كل بقعة في العالم، وأسهم بشكل خطير في إضعاف وإنهاك الشعوب الإسلامية، وترك على أرض أفغانستان مائة وخمسين ألف جندي سوفيتي يمارسون أبشع أنواع الاضطهاد ضد شعب أعزل. لقد مات بعد أن ساهم في إيصال القضية الفلسطينية إلى أدنى موقف لها من الضعف والهوان بعد أن فرق جمع فصائلها وشوه قضيتها باسم الوفاق الدولي. 

  • مشاعر السوفيت نحو بريجينيف

 بريجينيف الذي هلك بعد سبعة عشر عامًا من حكم ديكتاتوري فضل خلاله أن يبني إمبراطورية من مركبات الفضاء حول العالم على توفير الحياة السعيدة لشعوب الاتحاد السوفيتي، يقول أحد الشعراء السوفيت متذمرًا من الأوضاع داخل الاتحاد السوفيتي: 

إن لدينا مثلًا يقول «إن المكنسة الجديدة تكنس أفضل»، أي لا نريد سياسة بريجينيف بل نريد نظامًا جديدًا. لقد فشلت البلشفية في أن توفر الغذاء لشعوبها لمدة أربع سنوات متتالية رغم أنها تسيطر على ثلث العالم مساحة؛ مما اضطرت معه إدارة بريجينيف إلى أن تبيع (٣٥٠) طنًّا من الذهب لتشتري القمح فقط.. وكل ما فعله هذا الطاغية أن وسع من مساحات مراكز التأهيل «المعتقلات» على حساب تحسين الأوضاع الزراعية، وبوسائل الإرهاب والجبروت أدخل في روع شعوب الاتحاد السوفيتي عبادة الفرد؛ فأطاعوه رهبة من جهاز الـ«ك.جي. بي».

 يروي أحد السوفيت ساخرًا «أن سكرانًا أخذ يجري ويصيح في الميدان الأحمر: بريجينيف الأحمق.. بريجينيف الأحمق» فألقى رجال المخابرات القبض عليه وحكم عليه بالسجن عشرين سنة وعشرين يومًا لأنه كشف سرًّا من أسرار الدولة!!» 

ويتداول الشعب هناك مقالة ساخرة يسمونها «نظرية المتناقضات الستة»؛ لأنها تقوم على حقائق وهمية وعلى الشعب المضطهد أن يصدقها.. ويضحكون ويقولون إن سياسة بريجينيف تقوم داعية على دعاية أن...

 ۱ –لا بطالة في الاتحاد السوفيتي.. لكن لا يعمل أحد.

 ٢ – لا يعمل أحد.. لكن الإنتاج في تزايد.

 ٣ – الإنتاج في تزايد.. والناس لا يجدون شيئًا في الأسواق.

٤- رغم أنه لا شيء بالأسواق.. فكل شيء متوفر في البيوت. 

٥–رغم أن كل شيء متوفر في البيوت.. فالناس غير راضين. 

٦ –ولأن الناس غير راضين.. فلا يمكن أن يعترض أحد. 

هذا التناقض الغريب في أفكار الناس وتقييمهم للأمور في الداخل هو عين سياسة بريجينيف في الخارج.. الألم يعتصر الجميع في الداخل وكوادر الحزب الشيوعي تستأثر بكل شيء. 

يقول أحد المثقفين السوفيت: «كلما صعدت في أعلى السلم الحزبي تجد الفساد أكثر، ونحن الآن لا يعنينا من سيخلف بريجينيف لأنه سيكون فاسدًا كسلفه».

إن شعوب الاتحاد السوفيتي أصبحت شعوبًا مسلوبة الإرادة، يعكس هذا قول رجل الشارع السوفيتي: «علينا أن نستسلم لكل شيء يحدث هنا.. هكذا كان حالنا منذ قرون طويلة، لقد ظللنا تحت حكم المنغول حوالي ٣٠٠ سنة، وتحت حكم القياصرة ٣٠٠ سنة، ويبدو أننا سنرزح تحت حكم البلاشفة ٣٠٠ سنة أخرى لأن الأمور نادرًا ما تتغير في واقعنا».

 فضائح: 

بريجينيف الرجل الذي جاء بمؤامرة دبرها له منظر الحزب ميخائيل سوسلوف ضد خروتشوف ١٩٦٤ عاش حياة القياصرة. يقتني أسطولًا من السيارات الغربية والقصور واليخوت، وفي موسكو يجري الحديث عن شلة بريجينيف من أصدقائه وأفراد أسرته، فلقد عين ابنه يوري نائبًا أول لوزير التجارة الخارجية وعضوًا في اللجنة المركزية، ویوری هذا تورط في فضائح مالية جسيمة، كما دارت حكايات حول تورط ابنته «غالينا» في فضائح مالية واجتماعية دون أن تتخذ ضدها الإجراءات الحاسمة التي تتبع عادة ضد المختلسين؛ ذلك لأن النظام يحميها.

أما المواطن العادي فهو يعاني التسيب والقهر الذي في رحلة كل يوم، حيث تتورم أقدامه من الوقوف في طوابير الحصول على قطعة جبن أو زبد، وقد تمر عشر سنوات دون أن يحصل على ثلاجة أو يقضي عمره حاشرًا نفسه هو وأولاده في مسكن العائلة دون أن ينال شقة، ومع هذا العناء لا يتوقع المواطن السوفيتي حدوث تغيير بموت بريجينيف؛ لأن الأمر يتعلق بنظام ديكتاتوري جماعي ليس للمواطن المسكين فيه من الأمر شيء.

 هناك على ضفاف نهر أمور في عام ١٩٦٩ ورغم زعمه أنه رائد سياسة الوفاق الدولي فإن ممارساته بعكس ذلك، إذ ما قيمة الوفاق الدولي إذا كانت جيوش الاتحاد السوفيتي تغزو جيرانها وغير جيرانها دون أي اعتبار لحق الدول في الاستقلال والحرية؟ وما قيمة اتفاقية «سالت -1» و«سالت-٢» واتفاقيات هلسنكي وجيوش الاتحاد السوفيتي تقتحم عواصم تشيكوسلوفاكيا وأفغانستان؟

 بريجينيف والقضايا الإسلامية

  لا نود أن نستطرد في أمر يحتاج إلى صفحات طويلة لرصد تلاعب هذا الطاغوت في شئون المسلمين، فجيوشه ما زالت تصب النار فوق رؤوس المجاهدين هناك، وقبل وفاته بأيام قليلة تلقى نبأ هلاك ألف من جنوده محترقين داخل نفق بالقرب من كابول ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ  (المدثر: 31) ويقولون إن هذا الطاغية رضخ أمام ضربات المجاهدين لاقتراح الأمم المتحدة بتسوية الأزمة الأفغانية، ولكن كانت كل مناوراته تدور حول استبدال النظام الماركسي هناك بنظام موالٍ آخر. 

القضية الفلسطينية

 لم تكن تمثل عند بريجينيف شيئًا يذكر، فبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تدك المدن فوق رؤوس الفلسطينيين في لبنان، انسحب الاتحاد السوفيتي في حياء يداري عجزه ببيانات الشجب والاستنكار، حتى انسجم في النهاية تمامًا مع موقف الولايات المتحدة من قضية فلسطين، وخرج علينا بريجينيف ببيان من نقاط ست، هو الوجه الآخر للعملة التي قدمها ريجان للعرب عقب مذابح لبنان.

أما نظرة بريجينيف إلى منطقة الخليج، فهو يضع إيران نصب عينيه دائمًا، وما ضاق بشيء قدر ضيقه بتعاظم قوة الشاه وتزايد الأسلحة الغربية عنده، ولكن مهما كانت قوة إيران العسكرية فهل تصمد أمام جيوش قوة عظمى كالاتحاد السوفيتي؟ غير أن الحقيقة كانت تكمن دائمًا وراء أطماع الاتحاد السوفيتي في المنطقة، الذي لا يريد لأحد أن يقف أمامه ولو للحظة في فرض سيطرته على الخليج، كما أن سلوك بريجينيف المناور في حرب إيران والعراق يشبه تصرف القرد الذي قسم قطعة الجبن بين قطعتين، إذ يشجع هذا وهذا على الاستمرار حتى ينهك الطرفين فينقض حزب تودة الشيوعي على إيران وتضطرب الأمور في العراق الشقيق. ومن ثم ليصاب الخليج بحمى القلاقل التي يخطط لها الكرملين.

 وفي خاتمة المطاف نقول: إن بريجينيف لا يقل ظلمًا وحقدًا على أمتنا من حقد الأعداء الأمريكان والصهاينة الذين كان يمدهم بالمهاجرين اليهود لينضموا إلى الجيش الإسرائيلي.. وليكونوا الجند الذين يقاتلون العرب المسلمين بالسلاح الأمريكي.

هذا هو بريجينيف.. فهل نقدم العزاء كما عمل الآخرون؟ أم يحسبنا قارئنا سنقول شيئًا آخر؟!

تأزم الأوضاع الدولية في عهد بريجينيف

قول لا ينكر أن الاتحاد السوفيتي أصبح ندًّا شرسًا لقوى العالم كله، وقد قال خروتشوف ذات مرة «إن لدى الاتحاد السوفيتي من مخزون القنابل النووية ما يكفي لتدمير الأرض عشر مرات» فيا ترى كم أصبح المخزون في عهد بريجينيف؟!

 إن هذا التأزم المستمر والحشد المتصاعد لوسائل الدمار هل هو لصالح السلام العالمي فعلًا كما ذكر البيان الذي أذاعته اللجنة المركزية أخيرًا بمناسبة موت بريجينيف؟ وبريجينيف هو صاحب مذهب «السيادة المحدودة للدول الاشتراكية» الذي يؤكد على «الدور الأول للاتحاد السوفيتي وحقه في التدخل في الدول الشيوعية عندما تتعرض أنظمة الحكم الاشتراكية لأي خطر».

 ولهذا مارس تطبيق هذه النظرية في أعوامه الأولى من تزعمه الحزب، حيث دخلت الجيوش السوفيتية تشيكوسلوفاكيا في أغسطس ١٩٦٨ بنفس العنف والشراسة التي دخلت بها في المجر عام ١٩٥٦ وفي أفغانستان في ديسمبر ۱۹۷۹. 

كان هذا الطاغوت يصر على ممارسة الأسلوب الاستعماري الدموي، وحتى أيامه الأخيرة كان متحفزًا على دفع جيوشه داخل بولندا لإقامة حمامات الدم للمعارضين، ولا ينسى العالم كيف أزم الأوضاع على الحدود الصينية السوفيتية حيث سالت الدماء.

الرابط المختصر :