العنوان أوراق عن الثورات العربية والتغيير.. الثورة والثروة
الكاتب ا. محمد سالم الراشد
تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2011
مشاهدات 98
نشر في العدد 1947
نشر في الصفحة 12
السبت 09-أبريل-2011
من محاسن الثورات الشعبية، أنها أزاحت الستار عن سبب التردي الاقتصادي والمعاشي في الوطن العربي، بالرغم من توافر مصادر طبيعية وقوى بشرية هائلة، ووعاء مالي جيد، إلا أن الفقر وتدني المعيشة وسوء الحالة الاقتصادية سمة بارزة في الحالة العامة لهذه المجتمعات، وكم زين الإعلام الرسمي العربي خططًا طموحة للتنمية تفشل بعد كل مرحلة لعدم توافر السيولة والميزانيات المفترضة !! عندما هبت رياح الثورات وعصفت ببعض السلطات والأنظمة كما في تونس ومصر واليمن وليبيا وسورية والجزائر، كشف المستور، وبانت الحقيقة في أن رؤساء هذه الأنظمة وأبناءهم وزوجاتهم وأقرباءهم قد حولوا هذه البلدان إلى ضيعة خاصة بهم، واستملكوا عقارها، وصادروا أموالها، واستباحوا اقتصادها، واستعبدوا رجالها، وكان قارون المال مستخفيًا تحت لباس فرعون السلطة.
ثروات العائلات الحاكمة التي كشفتها ثورات الشعوب العربية لقد تحوّل النظام السياسي العربي الذي تدثر بنظام جمهوري ديمقراطي وفي حقيقته نظام استيراثي عائلي حيث كان الحزب الأوحد غطاء للنهب واستمكانًا للدكتاتورية للعائلة الحاكمة وحاشيتها، ومغنما يقسم الثروة الوطنية على العائلة الحاكمة ورجالها.
ثروة الطاغية القذافي وأبنائه
فقد نشرت صحيفة فايننشال تايمز تفاصيل مهمة عن ثروة معمر القذافي والتي تصل إلى ۱۳۰ مليار دولار، حيث سيطر أبناؤه على جميع القطاعات المنتجة في البلاد فابنة الزعيم الليبي عائشة القذافي تسيطر على قطاع الطاقة والبناء، والعيادات الصحية، وابنه محمد على لجنة البريد والاتصالات السلكية واللاسلكية وسيف الإسلام على الخدمات النفطية و الساعدي على البناء والتنمية والسياحة والرياضة ونظرًا لهذا التنافس، فقد وصل إلى التنازع فيما بينهم عند تقاطع مصالحهم الشخصية.
وهذه العائلة تملك أصوًلا عقارية في أوروبا في بنوك متعددة وأسهما في شركات عالمية وأخبأت هذه الأموال في حسابات خاصة في أوروبا والولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا وفي دبي وغيرها .
وكانت تقارير أمريكية أكدت أن ثروة الطاغية معمر القذافي احتلت المرتبة الأولى بين الزعماء العرب وهي تعادل ٦ أضعاف ميزانية ليبيا لعام ۲۰۱۱م التي بلغت ٢٢,٤ مليار دولار.
ثروة «مبارك» وعائلته
أما ثروة حسني مبارك تتخطى الـ ٥٥ مليار دولار، وفق تقارير اقتصادية دولية موزعة على سويسرا وفرنسا وأمريكا وإيطاليا والسعودية والإمارات، وهذا رقم يقترب من ضعفي ديون مصر الخارجية، وجمال مبارك تقدر ثروته بـ ۱۷ مليار دولار، ويملك حسابات جارية في بنوك عالمية، ويساهم في صناديق استثمارية عديدة منها مؤسسة بريستول اند ويست العقارية البريطانية ومؤسسة فاينانشيال واتاسيرنس التي تدير صناديق استثمار الشركة وسوزان مبارك التي دخلت نادي المليارديرات منذ العام ٢٠٠٤م وتتراوح ثروتها بين ٥.٣ مليار دولار أما علاء مبارك فقد تقدر ثروته الشخصية به مليارات دولار.
ثروات بعض الرؤساء كما أصيب العالم أجمع بالذهول عندما كشفت المؤسسة المالية السويسرية من خلال تقرير على شريط فيديو بعضًا من ثروات الحكام العرب السائلة في البنوك السويسرية والتي لا تشمل أسهمًا أو سندات أو أصولًا، ف «بشار» يمتلك ما يقارب ملياري دولار، و«بن علي التونسي يمتلك ١٥ مليارا، والرئيس اليمني علي عبدالله صالح»، فيمتلك أكثر من نصف مليار، والرئيس عبد العزيز بوتفليقة مليار دولار، وأكرر هذه أموال سائلة في بلد واحد وهو سويسرا وليس من ضمنها الأموال السائلة في البنوك العالمية ولا الأصول أو العقارات أو السندات والسؤال: كم حجم السرقات من المال العام الذي انتهبه هؤلاء الرؤساء وعائلاتهم ؟!
مصادر هذه الثروات
من المعروف في أي دولة ديمقراطية ذات رقابة وشفافية تكون محاسبة رؤسائها وفق صحيفة الذمة المالية، وتكون مفتوحة أمام الجميع، وذلك لمحاسبة الرئيس عن أي تجاوز في المال العام، ولا يعقل أن تصل ثروات الرؤساء العرب الذين كشفت الثورات العربية ثروتهم قد جنوا بجهدهم وعرق جبينهم ما رصدوه في خزائنهم الداخلية والخارجية.
من أين لهم هذا المال؟
إن مصادر هذه الثروة هي السيطرة الذاتية عبر التسلط والبطانة الفاسدة على مقدرات الأوطان، وتفصيل القوانين بما يعطي للرئيس وعائلته ملكية التصرف بالعقارات والأراضي والأموال المملوكة للدولة لتصبح مستباحًا خاصًا، ففي مصر كان الاستئثار بشراء أراضي مخصصة للجيش بأثمان بخسة الأبناء الرئيس مبارك وبيعت الموارد الطبيعية للبلاد لا سيما النقط والغاز بأقل الأسعار له إسرائيل، وغيرها، في حين يعاني الشعب المصري البسيط مشكلة نقص الغاز حتى الماء، بالإضافة إلى العمولات الضخمة على الوكالات الكبيرة، حيث تقدم أغلب الشركات الكبرى ٥٠% من أرباحها السنوية لأحد أفراد الأسرة، وبيع القطاع العام والبنوك والفنادق وكافة الوحدات الاقتصادية للدولة بأبخس الأثمان من خلال شركات مجهولة يملكها رجال أعمال موالون لتلك الأسرة.
وفي تونس استحوذت زوجة الرئيس بن علي وإخوانها على ممتلكات ضخمة منها شركات الطيران ومصانع السيارات ووكالات توزيع السيارات مثل فورد، وعقارات في العاصمة تونس وغيرها أما في ليبيا، فالسيطرة على الإنتاج النفطي وخدمات قطاع الطاقة هو المصدر الرئيس لثروة القذافي، وعائلته وصفقات الأسلحة وعمولاتها مصدر آخر، والتحكم بالقطاع الخاص ثالثها .
الدور الغربي وثروات الأسر الحاكمة
المستفيد الأكبر من امتصاص دم الشعوب العربية في أرزاقها وأقواتها وحقوقها هي الدول الغربية والولايات المتحدة، حيث احتضنت البنوك والمؤسسات المالية فيها هذه الثروات المنهوبة، وتم إخفاؤها بأسماء وهمية أو في حسابات سرية، وما كشفته سويسرا عن حقيقة هذه الحسابات والثروات هو بسبب الخلاف بينها وبين القذافي بل وكانت في سبب تعظيم أرباح هؤلاء السارقين إذ إن الإيداع في هذه البنوك يزيد من أرباحهم، فعلى سبيل المثال فإن بعض ثروات الرئيس مبارك في البنوك الإنجليزية تجعل منه المنتفع الوحيد من أرباح الثروة الموزعة لدى هذه المصارف، ففي مصرف كاليفورنيا - الدولي عبر بنك باركل في سويسرا فإن - الأرباح للرئيس المصري هي كسب أرباح مدى الحياة، وتحتسب الأموال الموزعة كثروة شخصية مدخرة لدى البنك لكسب الربح وتعطيه الحق التام في النقل والرهن والسحب من رصيده في أي وقت يحدده أو يقرره، كما له الخيار الكامل لوقف صفقته الربحية مع البنك وهو المنتفع الوحيد من ربح المشاريع المشتركة مع البنك في أرجاء العالم كما نصت الوثائق، بالإضافة إلى ثروة مبارك من الذهب الخالص لدى البنوك البريطانية.
ماذا تعني هذه الثروات ؟
بعملية حسابية بسيطة تحدثت التقارير الدولية أن ثروات الرؤساء «بن علي» و«القذافي» و«مبارك» أنها تعيش العرب لمدة سنوات وثروات الرؤساء الثلاثة تعادل 3 مرات ميزانية الجزائر لسنة ٢٠١١م، أما ثروة الزعيم الليبي فهي تغطي ميزانية ليبيا ٢٠١١م ٦ أضعاف.
الأمن الغذائي العربي
إن واردات الوطن العربي في الغذاء سنويًا تتراوح ( ٢٠-٢٥) مليار دولار ما يكفي لسد حاجة سكانه البالغ عددهم ٣٤٠ مليون نسمة من واردات الغذاء بين ( ٣-٤) سنوات).
معالجة البطالة
على سبيل المثال الليبيون عددهم ٦ ملايين و ٤٠٠ ألف نسمة تقريبًا، يعاني ١.٥ مليون منهم البطالة بما يعادل ٣٠٪ من المجموع - الكلي للسكان، ويعيشون تحت خط الفقر في حين كان بالإمكان أن يتطور دخل الفرد الليبي السنوي إلى ٨٤٠٠ دولار أمريكي، وذلك لأن إنتاج النفط في ليبيا مليونًا برميل يوميًا ولديها من الاحتياطي ما يعادل ٤٢ مليار برميل وإجمالي الدخل القومي ٥٠ مليارًا سنويًا كلها تقريبا تسرق لصالح السلطة العائلية.
معالجة أوضاع السكن
في القاهرة هناك مليونان يعيشون في العشوائيات والمقابر تكلفة بناء مسكن نظيف العائلة من ٥ أفراد لا تزيد على ۱۰۰۰ دولار لذا فإنه لإنشاء ٤٠٠ ألف وحدة سكنية كافية لتغطي هؤلاء الفقراء لانتشالهم من حالة التردي والفقر والضياع والبطالة بتكلفة: مليارات يعني لو تصدق حسني مبارك ب (1%) مما نهبه لمدة ٤ سنوات لأنجز هذا المشروع ولأعاد الحياة الطبيعية لمليوني مواطن مصري.
أحمد شفيق وعقلية النظام
عندما أستلم أحمد شفيق رئاسة الحكومة المصرية، وقبل إقالة حكومته أعلن بأن الحكومة لن تستطيع أن تسدد رواتب شهر مارس للموظفين، وهي نفس العقلية التي أدارت شؤون الدولة لعلمه بالفساد المستشري لكن رئيس الحكومة الجديد د. عصام شرف قام بصرف رواتب مارس كاملة فقط من الدخل المتراكم القناة السويس.
إنها كذبة المتآمرين على أموال الشعب المصري ليقوموا بسرقته، ثم يقولوا: إن الشعب المصري عليه أن يشد الحزام، ويصبر حتى يستمروا في النهب.
إعادة الثروات إلى أهلها
المطلوب اليوم من حكومات الدول التي حررتها الثورات من قهر النظام العائلي السلطوي الناهب للثروات أن تقوم باسترجاع هذه الثروات، ومطالبة الدول الغربية وبعض الدول العربية وفق القانون الدولي لأنها أملاك عامة وثروات للشعوب، وأن تؤسس وحدات في خزينة هذه الدول مهمتها الملاحقة القانونية والدولية لأموال الشعوب العربية، وحسنا ما فعلته الثورات الشعبية العربية في كشف الثروات المنهوبة.