العنوان أوروبا تستعد للجنازة الكبرى
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993
مشاهدات 55
نشر في العدد 1062
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 17-أغسطس-1993
·
زعيم عصابات الصرب في البوسنة يوجه شكرًا علنيًا لرئيس الوزراء
البريطاني جون ميجور لدوره في حظر السلاح عن مسلمي البوسنة
«لقد كنا ننتظر المساعدة من أوروبا، وقد
توجهنا إليها لأننا ننتمي إليها لكننا اكتشفنا أننا كنا سذجًا وبسطاء، فأوروبا
أظهرت لنا في النهاية وجهها الحقيقي، والآن ربما نموت جميعًا، لكن إذا متنا وإذا
دمر بلدنا، فسيكون ذلك على يد أوروبا وليس على يد الصرب».
بهذه العبارات الموجزة أوضح أيوب جانيتش نائب
الرئيس البوسني حقيقة الموقف الأوروبي الخائن- حسب وصف صحيفة الإندبندنت
البريطانية- لمسلمي البوسنة والهرسك، ذلك الموقف الذي شارك في صناعته تواطؤ
بريطانيا والتواء فرنسا، وخضوع ألمانيا وتردد الولايات المتحدة ومسايرتها لأوروبا.
ومن خلال هذا الموقف الذي ينحصر بين العجز
والتواطؤ والتآمر ظل مجرمو الصرب أكثر من خمسة عشر شهرًا يقومون بالجرائم والمجازر
وحروب الإبادة والتطهير العرقي والاغتصاب الجماعي للنساء المسلمات دون أن تقوم
أوروبا والولايات المتحدة بأية محاولة عملية لإيقاف هذه الجرائم، بل ضربوا حصارًا
حول المسلمين فمنعوا عنهم السلاح في الوقت الذي لم تتوقف فيه مصانع السلاح الصربية
عن الإنتاج علاوة على قيام روسيا بتوريد أسلحة للصرب سرًا تجاوزت أربعة مليارات
دولار، وحصلت كرواتيا سرًا حسب ما نشرته موسوعة جينز العسكرية على أسلحة قيمتها
ألف ومائتا مليون دولار خلال الثمانية عشر شهرًا الماضية.
أما الفريق الذي صنع الموقف الأوروبي والذي
يقوده جون ميجور ويتكون من هيلموت كول وفرانسو ميتران وبيل كلينتون وديفيد أوين
وسايروس فانس وبطرس غالي فإنهم يعدون جاهدين الآن للفصل الأخير من المأساة،
والنهاية المحزنة للفاجعة، والجنازة الكبرى لوأد الدولة الإسلامية الوليدة في قلب
أوروبا بعدما جففوا عنها ينابيع الحياة طوال الخمسة عشر شهرًا الماضية، حيث يعدون
الآن سرادق العزاء الذي سيتلقون فيه برقيات التأييد وعبارات التهاني والتحية من
مجرمي الحرب الصرب، ولقد كان جزار الصرب وكبير مجرميها رادوفان كاراديتش سباقًا عن
الجميع حينما وجه مؤخرًا برقية شكر علنية للدور الرائد الذي قام به جون ميجور رئيس
وزراء بريطانيا بحظر السلاح عن مسلمي البوسنة فقال: إنني مقتنع بأن مستر ميجور قد
أنقذ أوروبا بسياسته هذه من منع حصول شعب البوسنة على الأسلحة الدفاعية، وحق لصرب
البوسنة أن يقدموا شكرهم العلني لميجور الذي يقود الدور الأوروبي في محاصرة مسلمي
البوسنة والقضاء عليهم.
لقد كان الموقف الأوروبي مشبوهًا من البداية
وكانت رائحة الخيانة تفوح في كل المقترحات والتحركات الأوروبية إلا أنها فاحت أكثر
في مؤتمر لندن الذي عقد في أغسطس من العام الماضي وخرجوا في نهايته بقرارات هزيلة
واصل الصرب بعدها جرائمهم، وانهمك كل من ديفيد أوين وسايروس فانس عدة أشهر بحجة
إعداد خريطة الخلاص التي لم تكن سوى الخطة الأوروبية الرسمية لتمزيق البوسنة
وتدمير الوجود الإسلامي بها، فأعلن المسلمون رفضهم لها، لكن أوروبا ظلت تضغط
بثقلها السياسي عليهم من جانب والصرب والكروات بجرائمهم العسكرية من الجانب الآخر
حتى أجبروهم على الموافقة والتوقيع، إلا أن الصرب ظلوا يراوغون حتى وقعوا شكليًا
في أثينا في الثاني من مايو الماضي، ثم سحبوا موافقتهم بعد يومين من التوقيع فإذا
بديفيد أوين يترك الصرب المجرمين ويستأسد على الضحايا المسلمين ويصفهم بأنهم السبب
في نكبته وفشله السياسي في البوسنة.
وزاد من استئساده حينما ألمح إلى ضرورة تنحي
الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش عن منصبه لأنه سبب في كل ما يحدث بإصراره على رفض
التقسيم، وفي الوقت نفسه ظهر دوبلير آخر لبيجوفيتش يدعى عبديتش أبدى استعداده
لتنفيذ كل ما تطلبه أوروبا إلا أن صمود بيجوفيتش أحبط المؤامرة الأوروبية فلجأ
أوين إلى التهديد -ضمنيًا- بسحب الأمم المتحدة لقواتها وخفض المساعدات الإنسانية
إلى النصف، وزادت صلافته وعجرفته بتعامله ومخاطبته للرئيس البوسني بيجوفيتش على
أنه زعيم طائفة دينية وليس رئيس دولة حيث يساويه دائمًا بزعيم العصابات الصربية
كاراديتش، وقد وقف أوين مؤخرًا في جنيف ليعلق على خطة التقسيم الصربية الكرواتية
الأخيرة التي يتبناها الآن بعد فشل خطته الأولى ليقول: على المسلمين أن يقبلوا
مشروع التقسيم الجديد، فيكفي أنهم لا يسيطرون الآن إلا على ١٥% من مساحة البوسنة
لكن خطة التقسيم الجديدة تمنحهم ٣٠%، وحينما يقول أوين هذا فإنه يدرك تمامًا أن
مشروع التقسيم الجديد ليس سوى شهادة الوفاة الأوروبية الرسمية للبوسنة والهرسك،
ولعل هذا ما جعل وكالة الأنباء الرسمية الصربية تاينوغ تصف ما يجرى الآن للبوسنة
على يد أوروبا قائلة: «إن البوسنة سوف تسجل في التاريخ على أنها الدولة التي لم
توجد مطلقًا».
إن ما يقهر أوروبا الآن هو أنها حددت مواعيد
كثيرة لاستخراج شهادة الوفاة للبوسنة، وقد وكلت أوين باستخراجها منذ أكثر من عام
كما أنها أعطت الصرب والكروات عشرات الفرص للإجهاز على البوسنة الجريحة إلا أن
صمود المسلمين العزل المحاصرين في سراييفو ومدن البوسنة الأخرى هو الذي أحبط الخطة
الأوروبية وآخر مراسيم الجنازة التي تعد لها أوروبا منذ ولادة البوسنة.
فهل ستنجح أوروبا بضغوطها على المسلمين في
استخراج شهادة الوفاة وتشييع البوسنة إلى مثواها الأخير أمام أنظار مليار ومئة ألف
مسلم يكتفون بمشاهدة الجريمة منذ بدايتها؟ أم يمكن أن يحدث في اللحظة الأخيرة ما
يغير الموازين؟
اقرأ أيضًا:
آخر التطورات في البوسنة والهرسك
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل