; أوروبا عام 1992م: القوة العالمية الجديدة | مجلة المجتمع

العنوان أوروبا عام 1992م: القوة العالمية الجديدة

الكاتب عبدالرحمن التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

مشاهدات 92

نشر في العدد 890

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

31 ديسمبر 1992م لن يشهد نهاية ولاية جديدة للحكم في الولايات المتحدة وبدء عهد جديد لانتخابات السنة الأمريكية الكبيسة، بل إن صبيحة اليوم التالي سيشهد ميلاد أوربا موحدة.. أوربا بلا حدود سياسية أو حواجز اقتصادية، تضم في عضويتها 12 دولة أوربية كلها تسعى إلى الوحدة، كلها أسقطت حواجز اللغة والتاريخ لتنطق بلغة الاقتصاد والسياسة والجغرافيا.

دول الوحدة الأوروبية:

نادي الوحدة الأوربي يضم في عضويته: فرنسا- ألمانيا الغربية- بريطانيا- إيطاليا- إسبانيا- أيرلندة- الدنمارك- اللوكسمبورغ- البرتغال- بلجيكا- ثم هولندا.

ولا شك بأن بقية الدول الأخرى ستتبع الوحدة فيما بعد كالدول الإسكندنافية وسويسرا؛ إذ إنها ابتدأت منذ الآن تتأثر نفسيًّا وتتهيأ للوحدة فكريًّا، ومن المؤكد كذلك أن تركيا التي سعت إلى الانضمام مؤخرًا بشتى الوسائل لن تتمكن من دخول النادي الأوروبي لأنها لا تنسجم عقائديًّا مع بقية دول السوق، فقد ناقش أحد المؤتمرات الاقتصادية الاستراتيجية مسألة انضمام تركيا للسوق قبل شهور، وقرر أن المشكلة الكبرى والوحيدة في قبول تركيا هو الإسلام!

عوائق كثيرة:

لا تنحصر العوائق في الاختلافات الاقتصادية بين دول السوق جميعًا، فكل من هذه الدول لها عملتها الخاصة من جنيه إلى فرنك إلى جيلدر إلى دراخما إلى لير وغيره، كما أن القوانين الضريبية مختلفة ومتنوعة كثيرًا، وهناك فروق الأسعار بين كثير من السلع الاستهلاكية والضرورية كأسعار البترول والسجائر والخمور والمنتجات الزراعية واللحوم تتراوح ما بين غلاء مفرط وأسعار زهيدة في كافة دول السوق. وهناك اختلاف في البنية الاقتصادية لكل دولة والتي لكل منها خصوصيات كبيرة. هناك نسب البطالة التي تتراوح بين 1.6% كما في اللوكسمبورغ إلى 19.2% كما في بريطانيا، وهناك اختلاف نسب التضخم من بلد لآخر والتي تتراوح من صفر% كما في هولندا إلى 14% كما في اليونان.

ورغم الانتعاش التجاري وفرص العمل التي ستوفرها الوحدة الاقتصادية، فإن التوازن السكاني «الديموغرافي» لأوروبا سيختل تبعًا لفرص العمل المتوفرة، وهذا سيزيد في مشكلة الخدمات التي ستوفرها الدولة المضيفة لسيول المهاجرين من الدول الأوربية الأخرى، إضافة إلى المشكلات النقابية، والتي ستثور لحماية مواطن الدولة المضيفة لضمان أحقيته في الحصول على عمل قبل غيره من أبناء أوروبا الموحدة.

عوائق اقتصادية:

وهناك احتمالات اندماج الكثير من الشركات الأوربية العاملة على مستوى عالمي والتي ستتأثر بلا شك بجو الوحدة وتقرر غزو السوق العالمية من خندق واحد.. وهذا إن كان سيفرز مجموعة من الفائزين فلا بد أن يقابله مجموعة من الخاسرين كذلك في الخندق ذاته، وربما من الولايات المتحدة وشركاتها متعددة الجنسيات؛ إذ إن الشركات الأوربية الموحدة ستكون مصدر منافسة تجارية واقتصادية قوية للشركات الأمريكية في السوق العالمية، وليس مجرد شريك في مواجهة المنافسة الصناعية والتجارية اليابانية والأسيوية عمومًا. ورغم أن الشركات الأمريكية العملاقة ستفكر في الاستثمار في أوروبا كبديل لدول الشرق الأقصى وبالذات هونغ كونغ التي ستعود في منتصف العقد القادم إلى الصين بعد انتهاء عقد تأجيرها لبريطانيا، فإن أوربا واليد العاملة الأوربية ستظل أعلى سعرًا من اليد الأسيوية، كما أن تكلفة الخامات وأجور شحنها أقل بكثير في آسيا نظرًا لقصر المسافة بين مصادرها وأماكن تصنيعها. وهناك مشكلة تردد مارجريت تاتشر في المشاركة البريطانية الكاملة في نظام النقد الأوربي والتوقيع على الاتفاقية الخاصة بذلك، وهو أمر يهدد بريطانيا بفقد المشاركة الفعالة في السياسات النقدية الأوربية وخاصة في مرحلة ما بعد الوحدة، فضلًا عن التأثير السلبي لإطلاق الحرية للجنيه الإسترليني، وهو أمر قد يؤدي إلى زيادة قيمة الجنيه في التداول العالمي عن قيمته الفعلية مما قد يتسبب في انهيار أسعاره فجأة بعد ذلك، وهذا التردد من الجانب الرسمي البريطاني يثير التساؤل عن جدوى وجود هيئة اقتصادية مركزية للعملات الأوربية قبل وجود حاجة فعلية إلى ذلك، بما فيها إنشاء مصرف مركزي أوربي، وبسبب التعنت البريطاني فإن كلًّا من فرنسا وألمانيا تمضيان قدمًا في تعزيز اتجاه الوحدة النقدية دون حضور بريطانيا في اجتماعاتهنا المشتركة على مستوى وزراء المالية.

عوائق سياسية وثقافية:

ولا تنحصر العوائق كلها في الجانب الاقتصادي، فهناك العوائق السياسية والتي تتمثل في خلاف الأنظمة السياسية الغربية في اجتهاداتها التطبيقية لمفهوم الديمقراطية، واختلاف الأحزاب السياسية وبرامجها كذلك، وفيمن سيحكم، هل هم أفراد أم مجلس موحد؟ ثم ما هو مصير العائلات الملكية في أوربا مستقبلًا؟ وما هو تأثير الوحدة على وجودها واستقرارها؟

وهناك العوائق الثقافية والتي تتمثل في الاختلاف الكلي للغات الأوربية والتي وإن كانت كلها ذات أصل لاتيني إلا أنها تختلف في الحروف وفي النطق وفي المفردات وفي القواعد اللغوية. وهذا العائق الثقافي ليس مشكلة هينة رغم النشاط السياحي المكثف بين دول السوق، ومحاولة تطوير نظام التعليم فيها ليشمل تدريس أكثر من لغة أوربية في معظم البلدان. كما أن هناك تاريخ الحروب والمنازعات وصراع القوة الذي يملأ كتب التاريخ والعهد به قريب جدًّا.

وهناك العوائق في الجيش والشرطة، وحاجة أوروبا إلى قوة دفاعية موحدة لتكون في مواجهة أي تبدل أو انحراف في المزاج الشيوعي، والذي يبدو معتدلًا بعد سياسة الوفاق، رغم ذلك كله فالجميع مصر على الوحدة!

إصرار على الوحدة:

فالزعيمان الألمانيان «هيلموت شميدت» و«هيلموت كول» يدعمان خطوات أوربا الوحدوية بكل قوة وحماس، ومعظم الاقتراحات الفعالة تأتي من جانب ألمانيا والتي يبدو أن قادتها يحسون بتأنيب الضمير؛ لأن لهفة ألمانيا النازية على السيادة العالمية وصراعها على القوة قد أشعل أتون الحرب في القارة الأوربية وجعلها تخسر مكانتها العالمية لصالح أمريكا وروسيا، حتى مارغريت تاتشر رغم تعنتها وتحفظها الإنجليزي في بعض قضايا الوحدة الأوربية فإنها قالت بالحرف الواحد: «أوربا هي مستقبلنا».

كما أن رجالًا آخرين مثل «إدوارد هيث» رئيس وزراء بريطانيا السابق لهم مواقف دعم قوية للوحدة، فقد وقف الأخير في البرلمان الإنجليزي مؤخرًا ليحث بريطانيا على دخول الوحدة الأوربية بما فيه وحدة الجيش والشرطة وبما فيها إزالة الحواجز السياسية، واعتبرها فرصة تاريخية لأوروبا.

أما اللورد «آرثر كوكس» المكلف بإتمام إجراءات الوحدة فيقول بأنه لا يعترف بالمستحيل، وأن الوحدة ستتم رغم كل شيء حسب ما هو مقرر من قبل. «راجع المجتمع عدد 25 أكتوبر».

والولايات المتحدة التي تبارك الخطوات الأوربية وتدعمها سرًّا لا تخفي ارتياحها الشديد للخطوات الأوربية الفاعلة في سبيل الوحدة، وتعتبر هذه الخطوات مكسبًا ضخمًا للحلف الغربي. وهذا مفهوم جدًّا، فالوحدة ستمكنها من حكم أوربا من خلال جهة مركزية واحدة، وستريحها من مشاكل الحكومة الفرنسية والشعب الألماني، وهما الخصمان اللدودان لسياسة أمريكا في القارة البيضاء! ولكن إلى أي حد ستكون هذه الوحدة بركة على عرابها الأمريكي؟

آثار الوحدة:

الولايات المتحدة تراهن على هذه التجربة، ويعتقد الخبراء الأمريكيون المختصون بنجاحها، فإذا نجحت الولايات المتحدة في دمج ملايين المهاجرين من كل الأجناس الأرضية المختلفة لتأسيس بلد مستقبل قبل 200 عام، وإذا نجح السوفييت في بداية هذا القرن في تأسيس دولة موحدة رغم اختلاف ولاياتها عرقيًّا ولغويًّا ودينيًّا، فلماذا لا تنجح أوربا في ذلك وعناصر وحدتها أكثر من عناصر الوحدتين السابقتين، بالإضافة إلى المعطيات التكنولوجية للربع الأخير من القرن العشرين في وسائل الاتصالات والمواصلات، وتعاون الحكومات على تحقيق هذا الأمر وإتمامه وفق تصور محدد ومنظم وبرنامج مخطط له سلفًا.

أما الآثار البعيدة المدى لهذه الوحدة فتتمثل في أمور أهمها:

1- توزيع الثروة الاقتصادية الأوربية بالتساوي لتلافي انعدام التوازن الاقتصادي واختلاف البينة الاقتصادية بين الدول.

2- إعادة التوزيع السكاني بين دول أوربا لتلافي الاختلال الديموغرافي.

3- بروز أوربا الموحدة كقوة عالمية جديدة.

آثار اقتصادية وسياسية:

إن الوحدة الأوربية ستوفر أكثر من 10 ملايين فرصة عمل للشعوب الأوربية وأنها في نفس الوقت ستجمع إجمالي المدخولات القومية الأوربية سويًّا لتصبح قوة فاعلة كبرى في الاقتصاد الدولي. ومما لا شك فيه أن مركزية التخطيط ومركزية القرار رغم كل سلبياتها فإنها ستكون ذات فوائد أكبر لأوروبا.

ولربما كان الأثر الأكبر هو الأثر السياسي والذي سيجعل من أوربا الموحدة قوة سياسية ثالثة عظمى في العالم تلي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وهي بالتالي ستحل دوليًّا في مكان الصين الحالي كقوة سياسية، ومكان اليابان كقوة اقتصادية.

فمن هذا المنطلق إذن تعتبر هذه الخطوة جبارة في تاريخ أوربا وعلامة تحول بارزة لا في تاريخها المعاصر فحسب، بل وفي تاريخها القديم؛ إذ لم يسبق لأوروبا أن كانت متحدة من قبل إلا تحت حكم الرومان قبل 2000 سنة.

ولا شك أن الولايات المتحدة تعتبر الاتحاد الأوربي دعمًا قويًّا لها؛ فاتحاد الحلفاء سيسهل -كما أسلفنا- في توجيههم مركزيًّا بصورة أسهل، وليس من المحتمل في المستقبل المتطور على الأقل أن تتحول أوربا المتحدة إلى قوة منافسة لأمريكا بسبب التنسيق المتبادل بين القوتين الأمريكية والأوربية، وسبب سبق أمريكا التكنولوجي والعسكري، إضافة إلى وجود عدو مشترك للحضارة الغربية على العتبة الأوربية هو الحلف الشرقي نصير الاتحاد السوفيتي.

أما الاتحاد السوفيتي فيرقب بحذر تطورات الوحدة الأوربية وهو يشهد ميلاد قوة عالمية قديمة- جديدة على أبوابه، قد تأخذ زمام المنافسة الدولية من يدها، خاصة أنها جزء من الغرب المتفوق تكنولوجيًّا، كما أنها شريك جديد في تقسيمة العالم الجديدة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية.

موقفنا نحن:

إن المسلمين لا ينظرون إلى الوحدة الأوربية إلا على أنها بروز لطاغوت دولي جديد وتعزيز لدور الحضارة الغربية في السيطرة على العالم سياسيًّا واقتصاديًّا، وما لم تأخذ أوربا دورًا مستقلًّا عن أمريكا سياسيًّا واقتصاديًّا يدعم القيم الأخلاقية للديانات السماوية، فإن سياساتها العامة لن تخرج عن كونها تكرارًا للأخطاء الأمريكية الغبية وأخطاء الدول الأوربية القديمة حينما كانت قوة استعمارية غاشمة.

وفي نفس الوقت ندعو حكام العالم الإسلامي -ونخص الجزء العربي بالذات- ليستفيدوا من تجارب الوفاق الدولي ووحدة القوى الدولية وخاصة الوحدة في أوروبا ليفهموا الواقع الجديد وحقائق الحياة.. هذه الحقائق التي غفلوا عنها طويلًا ولا زالوا غافلين.

الرابط المختصر :