; أوروبا والعرب هل تنكسر الحواجز ؟ | مجلة المجتمع

العنوان أوروبا والعرب هل تنكسر الحواجز ؟

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

مشاهدات 70

نشر في العدد 1129

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

بحلول عام ١٩٩٥م يكون الاتحاد الأوروبي، قد ضم في عضويته «١٦» دولة أوروبية تمثل ثقلًا سياسيًا، واقتصاديًا، وجغرافيًا وبحلول ذات العام، يتوقع المراقبون للجانب العربي، أو كما يطلق البعض عليه، الشرق الأوسط «لاحتضانه الفيروس الإسرائيلي» المزيد من التفتت العربي - العربي على موارد الثروة، أو الثورة وعلى كل الأحوال فقد صار العالم - بفضل التقدم في آليات الإتصال والإعلام - قرية واحدة، يؤثر ما يحدث في طرف ما سلبًا أو إيجابًا على الطرف المعاكس، فالتطوريون الأوروبيون والعرب ليس منعزلين أو منفصلين على الأقل في إطارهما الاقتصادي.من هذا المنطلق، وفي محاولة مشتركة للتقريب بين وجهات النظر الأوروبية - العربية عقد مجلس الجامعة العربية بلندن بالتعاون مع مجلس تعزيز التفاهم العربي البريطاني «CAABU» مؤتمرًا تحت عنوان أوروبا والعرب كسر الحواجزو ضم العديد من الرموز والشخصيات المعروفة على الساحة السياسية والفكرية العربية والأوروبية منها أمين عام الجامعة العربية الدكتور عصمت عبد المجيد، والنائب البريطاني ديفيد دافيس . وزير الدولة لمكتب الشئون الخارجية والكومنولث، والبروفيسور تيم نبلوك – رئيس مركز الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة «درهام البريطانية.. إضافة إلى رئيس تحرير جريدة «الحياة» اللندنية جهاد الخازن ومساعد رئيس قسم الشئون الخارجية لصحيفة «الفاينانشيال تايمز» اللندنية إداورد مورتيمر.

د. عبد المجيد وتحديات التعاون

أشارت كلمة أمين عام الجامعة العربية الدكتور عصمت عبد المجيد إلى التحولات الجذرية في النظام الأوروبي في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، ودخول هذا التحول مرحلة التكتلات في المجالات الاقتصادية والسياسية ثم انتقل إلى استعراض التحولات نفسها في العالم العربي في مجالات الاقتصاد والتنمية «حيث كان دبلوماسيًا كعادته، مسرفًا في التفاؤل، ومتجنبًا لذكر السلبيات التي تفوق الإيجابيات، خاصة في أعقاب احتلال الكويت ونجاح «توطين» اليهود في قلب العالم العربي» مؤكدًا على أن التحولات في كلا الجغرافيتين يؤثر كلا منهما على الآخر سلبًا أو إيجابًا، ومن ثم يصبح التعاون أمرًا حتميًا في نظره لسعادة البشرية جمعاء، وقد لفتت ورقة د.عبد المجيد الطويلة الانتباه إلى ثلاث تحديات أساسية تواجه المشروع الأوروبي -العربي التقريبي وهي: التحديات السياسية والأمنية والحضارية. فيما يتعلق بالناحية السياسية أشارد عبد المجيد إلى ضرورة تحسين العلاقات الأوروبية - العربية على مستوياتها الثنائية قبل الحديث عن تقارب «جماعي» للنظامين فأي توتر بين دولة أوروبية وأخرى عربية من شأنه التأثير على العلاقة بين بقية الدول في المنطقة.

وذكر د عبد المجيد بالتحديد الحالة الليبية وموقف الدول الأوروبية كبريطانيا من قضية «لوكربي» واقترح أن تحل المشاكل بالطرق السلمية والمقبولة. أما الناحية الأمنية فقد ركز الأمين العام فيها على نقطتين تتعلق الأولى فيهما بضرورة تطبيق «إسرائيل» لقرارات الأمم المتحدة رقم ٢٤٢ و۲۳۸ و ٤۲5 الخاصة بانسحاب إسرائيل الشامل من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م بما في ذلك القدس العربية، والثانية ضرورة التحكم بانتشار الأسلحة والتسلح في الشرق الأوسط وأهمية التزام «إسرائيل» بمواثيق الاتفاقيات المتعلقة بهذا الشأن. وفيما يتعلق بالناحية الثقافية والحضارية فقد أوضح د عبد المجيد أثر الحضارة الإسلامية على الغرب خاصة في الفترة الأندلسية والعباسية وأثنى على كلمة الأمير تشارلز التي ألقاها قبل أشهر في جامعة «أكسفورد» عن علاقة «الإسلام بالغرب» حيث ذكر فيها هذا الجانب. كما ذكر أيضا أثر الحضارة الأوروبية اليونانية تحديدا على العرب - فيما يتعلق بالعلوم الفلسفية وغيرها، وقال بأن هناك اجتماعات تقوم بها الجامعة العربية حاليًا مع الحكومة الإسبانية من أجل بحث إمكانية إنشاء جامعة أوروبية - عربية مشتركة لتدريس كافة العلوم الإنسانية والكونية.

السوق الشرق أوسطية وآفاق المستقبل

الحديث الأوروبي عن السوق الشرق أوسطي له مدلولين أولهما: «تجميل» وجه «إسرائيل» بالمكياج الاقتصادي بعد فشل المكياج السياسي «كامب ديفيد وغيره» ومحاولة إقناع العرب بجدوى وجود إسرائيل ككيان متناسق مع التركيبة الجغرافية من أجل إنعاش السوق العربية، وثانيهما: توسيع مجالات السيطرة الأوروبية كاتحاد أوروبي تحت شعارات الإستيراد والتصدير، أو نقل التكنولوجيا والتنمية، وفتح مجالات أكبر لبيع المنتجات الأوروبية، وشراء «ثروات» العرب بأبخس الأثمان باختصار شديد، وبصراحة أكثر - كانت هذه فحوى ورقة «تيم نبلوك» من جامعة «درهام» البريطانية التي جاءت بعنوان «ظهور السوق الشرق أوسطية.. حلم أم حقيقة؟»، التي يتحدث فيها عن أهمية وجود العلاقات التجارية بين دول الإتحاد الأوروبي والدول العربية وإسرائيل جزء منه، مع الأخذ في الاعتبار بعض العوامل التي من شأنها أن تشكل مستقبل هذه العلاقة، وأول هذه العوامل مشكلة النمو السكاني، فتوقعات ورقة «تبلوك» تشير إلى المفارقة بين تعداد سكان دول جنوب البحر المتوسط وشماله، وفيما يتعلق بالشرق الأوسط؛ فهناك توقع لنمو سكاني هائل في الفترة ما بين ۱۹۹۰ – 2010 خاصة في دول عربية كالأردن يصل معدل النمو السكاني فيها إلى نسبة 4%  وسوريا 3.5% وذلك مقارنة بمعدل النمو السكاني في «إسرائيل» المحدود جدا 1% حيث يتوقع الخبراء زيادة محدودة للشعب اليهودي تصل إلى 7% مليون نسمة في عام ۲۰۱۰ ميلادي. 

أما العامل الثاني فهو محدودية الموارد المائية، وغير المواكبة للنمو البشري المتزايد حيث تحاول ورقة «تبلوك» تسييس قضية المياه وفرض استراتيجية أوروبية لكيفية استغلال الموارد الطبيعية العربية، وذلك من خلال . بحسب ما تقترح الورقة - حصر سبل الاستفادة من المياه في الصناعة فقط دون الزراعة «!»، ومن ثم فتح أبوابا واسعة للتكنولوجيا الأوروبية الصناعية من معدات تشغيل وغيره، فنصف صادرات دول الاتحاد الأوروبي إلى الشرق الأوسط تتعلق بالمنتوجات الغذائية والصناعية، ومعدات الاتصال، وبحجم الاعتماد على الزراعة مثل هذه الفائدة والسيطرة الأحادية، أما العامل الثالث فيتعلق بالبترول في الشرق الأوسط حيث تشير الإحصائيات إلى أنه في الوقت الذي يشكل فيه البترول العربي نسبة 60% من نسبة احتياطي العالم، فإنه سيشكل في القرن الواحد والعشرين نسبة 80% وهذا سيجعل للمنطقة - ودول الخليج خاصة - قيمة أكبر في أعين الاتحاد الأوروبي، ومن ثم فالتركيز الأجنبي - من الناحية الاقتصادية على الأقل - سيتزايد ولن يتناقص بمرور الوقت وتختم الورقة بالإشارة وهنا بيت القصيد إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول الأوروبية مستقبلًا في المنطقة فيما يتعلق بمساعدة الدول العربية في شئون التنمية والتصنيع.

النظرة الأوروبية «للإسلام» من خلال الإعلام

هذا وقد تناول المؤتمر في إحدى ندواته السياسية الإعلامية الأوروبية في تغطيتها للإسلام والحدث الإسلامي، وقد كانت هذه الندوة من أكثر فقرات المؤتمر إثارة لاحتوائها على التناقضات في الآراء بحسب المواقع الأيديولوجية والجغرافية وتجاوز اللباقة الدبلوماسية، والدخول إلى لب الموضوع بأكبر صراحة ومواجهة. في البداية، تحدثت الإعلامية رنا قباني . وهي مواطنة بريطانية من أصل سوري، ولها عدة كتب - عن الإجحاف الذي يمارسه الإعلام البريطاني في حق تغطيته الأخبار المسلمين، وقالت بأن الإعلام يساهم من بين أجهزة مؤثرة أخرى على تعزيز النمطية السلبية التي يحملها الذهن الأوروبي عن الصورة الإسلامية، مشيرة إلى أن آثار النظرة الاستشراقية الأكاديمية القديمة لا زالت حاضرة في الذهن الأوروبي العام.

 أما إدوارد مورتيمر - الصحفي بالفايناشيال تايمز والمتخصص في الشئون العربية، وصاحب كتاب الإيمان والقوة وسياسة الإسلام - فقد أوعز التغطية الأوروبية للحدث الإسلامي إلى طبيعة الإعلام ذاته، الذي يهتم بنقل السلبيات والكوارث - أيًا كان موقعها - أكثر من اهتمامه ببث الأخبار السعيدة التي لا تنال اهتمام أحد. كما رفض «مورتيمر ما يسمى بنظرية المؤامرة على الإسلام، وقال بأن الإعلام شيء، وسياسة الدولة شيء آخر» وضرب مثلا على ذلك بتضارب الموقف البريطاني الإعلامي عن قضية البوسنة مع الموقف السياسي، وعلى الرغم من أن الورقة المختصرة نالت إعجاب الحضور «الأوروبي» حيث اعتبرها البعض مرافعة في الدفاع عنه، فإن أغلبية المثقفين العرب تحفظوا على تناوله التبسيطي الحالة ثقافية معقدة، فالأجهزة الإعلامية في الغرب ديموقراطية بلا شك مقارنة بالأجهزة الإعلامية في الدول العربية ولكنها ليست حرة في المنطلق، فهناك علائق والوبيات دقيقة وقوية بين الدوائر الإعلامية والسياسية والاقتصادية تجعل مقولة «الإعلام» أو الصحافة كسلطة رابعة مقولة مفتوحة للنقاش.

أما ورقة جهاد الخازن، وهو رئيس تحرير صحيفة «الحياة» - فقد كانت عن العقبات التي تواجهها الصحافة العربية من الناحية الاقتصادية الإعلانات والتمويل والأمنية - السياسية كالرقابة وغيرها. وتناولت ورقة الباحث برلين بيدهام. مساعد رئيس تحرير مجلة «الإيكونوميست» وصاحب الدراسة المطولة عن الإسلام والغرب والتي نشرت المجتمع، عرضا لها - فقد تناولت إشكالية النظرة الأوروبية للإسلام قائلًا بأنه يعتبر المسلمين أهل كتاب، ويعتبر أن الأرضية المشتركة بينه وبين الديانات التوحيدية الأخرى كالنصرانية واليهودية أكثر من الحالات المختلفة، وقد كانت ورقة «بيدهام» أكثر إنصافًا من ورقة «مورتيمر» حيث دافع فيها عن بعض رموز الحركات الإسلامية وقال بأن هؤلاء الإسلاميين الذين يؤدون الخدمات الصحية والاجتماعية إلى الشعب الأولى بالوصول إلى السلطة من بعض الحكام العرب الحاليين، وقال أيضًا بأنه يعتقد بأن الثغرة الفكرية والتاريخية الموجودة اليوم بين أوروبا والإسلام يمكن غلقها بالمزيد من الحوار والتفاهم.

 

الرابط المختصر :