العنوان أوروبا والعقوبات المدنية
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2001
مشاهدات 71
نشر في العدد 1478
نشر في الصفحة 42
السبت 24-نوفمبر-2001
حكم المسلمون بلاد الأندلس عام 193 هجرية حتى سقوط غرناطة عام 897هـ في الثالث من يناير عام 1492م، ومن ثم خضعت هذه البلاد الأوروبية للتشريع الإسلامي.
أما في شرق أوروبا فقد دخل المسلمون العثمانيون بلاد المجر، وحكموها مائة وخمسين عامًا، ودخلوا البوسنة والهرسك وألبانيا، وما زال الإسلام موجودًا فيها حتى اليوم.
وكانت الشريعة الإسلامية هي القانون الذي طبق في هذه البلاد الأوروبية، حيث ألغي القانون الروماني الذي كان سائدًا قبل ذلك.
لهذا فإن القانون الإسلامي هو الذي ألغى ما كان سائدًا في هذه البلاد من نظام الإقطاع، وهو بيع الأرض ومن عليها من البشر، وما عليها من الحيوانات والجماد.
وهو الذي ألغى نظام العقوبات الذي ورثت منه أوروبا عقدة الخوف من العقوبات البدنية التي كانت سائدة.
والإسلام هو الذي ألغى ما كان سائداً في أوروبا من اعتبار المرأة ضمن الصبيان والمجانين
إنه لا يوجد مصدر آخر أخذت عنه أوروبا نهضتها الحديثة غير الشريعة الإسلامية.
إن العقوبات البدنية التي كانت سائدة في أوروبا خلال القرون الوسطى لم تلغَ إلا بعد عصر النهضة الذي يقر فلاسفة أوروبا أنه كان بتأثير الحكم الإسلامي في الأندلس.
ولا شك أن للأوروبيين عذراً في الخوف من العقوبات البدنية؛ لأنهم ذاقوا منها صنوف العذاب، إذ كانت هذه العقوبات حتى أوائل القرن التاسع عشر تمارس ضد الأحياء والأموات لأتفه الأسباب، بل لمجرد العلم أن شخصًا ما قد رأى في منامه أنه يرتكب جرمًا، وكانت العقوبات البدنية عندهم همجية، الغرض منها الانتقام وليس الردع والإصلاح والتقويم.
فعلى سبيل المثال لا الحصر (1):
1- كانت العقوبات البدنية عندهم هي قطع الأنف والأذن واللسان واليد وربط المتهم بحبل في عنقه وجره بين الناس حتى الموت.
2- ولم يكن هناك تماثل بين الجريمة وهذه العقوبات؛ فالجرائم المعاقب عليها كانت الحنث في اليمين وإتلاف زراعة الجيران وخديعة المحامي لموكليه والاجتماع ليلاً لأي اتفاق جنائي.
3- وكان للزوج أن يحكم بنفسه زوجته على ما يراه من المخالفات وكانت له سلطة تقدير العقوبة التي يوقعها عليها حتى لو كانت الإعدام.
4- كانت القوانين في أوروبا تعاقب الجماد وجثة الميت، ولقد صدر بذلك في فرنسا أمر ملكي سنة 1670م. كما صدر فيها أمر آخر عام 1209م بمعاقبة جرس كنيسة بيرون بتهمة الخيانة لأن دقاته حرضت المواطنين على التمرد.
5- بيع النفس والتابعين فقد أجازت القوانين القديمة ومنها القانون الروماني للشخص أن يبيع نفسه أو يبيع أتباعه من الأولاد والزوجات.
وقد أجاز هذا اليهود كما ورد في التوراة الحالية (سفر اللاويين. (35/47).
إن أقدم تشريع عرف هو قانون بابل الذي يرجع إلى القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، وهذا التشريع يخول لرب الأسرة حق بيع أفراد الأسرة أو هبتهم إلى الغير (2).
6- الاسترقاق لارتكاب الجرائم فقد كان من أسباب الاسترقاق أن يرتكب الشخص جريمة من الجرائم الخاصة أو العامة؛ ففي الجرائم الخاصة كانت الإهانة من أسباب الاسترقاق. ومن الجرائم العامة السرقة؛ فالسارق يسترقه أصحاب المال المسروق، وكان اليهود يجعلون ذلك قانونًا لهم لهذا قال أولاد نبي الله يعقوب عن حكم السارق في شريعتهم كما ورد عنهم في القرآن ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (يوسف: 75) وقد ورد هذا في سفر الخروج (3/22) وكان القانون الروماني يقضي باسترقاق المرأة الحرة إذا زنت مع أحد العبيد، كما يقضي باسترقاق من تهرب من الجندية (3).
7- وكانت العقوبات في أوروبا تأخذ بنظام المسؤولية الجماعية عن الخطأ الفردي، فإذا قتل العبد سيده يقتل السيد جميع العبيد، وحدث أن قتل عبد سيده عام 690م فحكم على جميع عبيده بالقتل وكانوا 400 عبد.
8- كان الناس يُعاقبون على ما يحلمون به في نومهم! ففي عهد الملك هنري مرض رجل من الأشراف واشتد عليه المرض لدرجة الهذيان، فقص أنه رأى في المنام أنه حاول قتل الملك، وبعد أن شفي من مرضه نقلت هذه الأحلام للملك، فأمر بقتل هذا الشريف.
9- كان دولاب الموت وسيلة مألوفة لدى القضاء الفرنسي، حيث يربط المحكوم عليه في أربعة خيول يجري كل منها في اتجاه معاكس، حتى يتم تمزيق جثته.
10- بعد أن انتهت أوروبا من حالة الانتقام الفردي والانتقام الإلهي والانتقام العام والردع في عصر النهضة، بدأ الأوروبيون يقتبسون التشريعات والقوانين المدنية والجنائية من الفقه الإسلامي الذي كان سائدًا في بلاد الأندلس، فأخذوا عن المسلمين الدفاع الشرعي وأسباب الجريمة وشرعية الجرائم والعقوبات وعدم سريان القانون على الماضي، والمسؤولية الشخصية، فلا يعاقب الجميع لجرم فرد، وأخذوا عن الشريعة الإسلامية موانع المسؤولية كالجنون وصغر السن والإكراه، وكذلك مبدأ المساواة أمام القانون.
11- إن أوروبا كانت تطبق عقوبة الإعدام على عدد كبير جدًّا من الجرائم. فالقانون الإنجليزي والقانون الفرنسي كانا يطبقان عقوبة الإعدام على مائتي جريمة، ثم أخذت هذه العقوبة في التقلص تدريجيًّا.
لقد ألغى الإسلام الأغلال التي ابتدعها الحكام، وأعلن القرآن الكريم مهمة الرسول الله والرسالة في آيات كثيرة منها قول الله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 157)، وبهذا حدد العقوبات البدنية في الرجم والجلد وقطع اليد والقصاص في النفس وما دون النفس، وجعل الهدف منها هو زجر الناس فهي وقاية من الجرائم، وتنفيذها فيه تأديب للجاني وإصلاح له واستقرار في المجتمع وتخويف لغيره، فلا يقدم على هذه الجرائم.
فالعقوبات الإسلامية تهدف إلى حماية المجتمع وإصلاح المجرم، لهذا يقول الفقهاء: العقوبات قبل الفعل زواجر، وتوقيع العقوبة جوابر لإصلاح المجرم (5).
والعقوبات الإسلامية فيها زجر للناس وإرهاب لهم، فلا يجرؤ أحد على ارتكاب جرائم الحدود، فمن يرى السارق قد قطعت يده لن يفكر في السرقة. وهذا ما صرح به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: 38).
ومن يرى القاتل قد قتل، ومن قطع أذن غيره قطعت أذنه، فلن يقدم على هذه الجريمة، وفي هذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) والعقوبات البدنية هي التطبيق العملي لمبدأ شخصية العقوبة فلا يضار منها إلا الجاني.
أما العقوبات الوضعية وهي السجن، فإنها تكلف الدولة أموالاً طائلة دون جدوى، فتضر بالمصلحة العامة والخاصة، فالضرر فيها ينصب أيضا على زوجة الجاني وأولاده، ويترتب على السجن ضياع الأولاد وتشريد الأسرة، وهذا حرمه الله تعالى بقوله: ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15).
إن السجون شر مستطير يدخل إليها الإنسان بانحراف واحد، ويخرج منها وقد تجرأ على ارتكاب العديد من الجرائم؛ فالسجن ليس تهذيبًا ولا تأديبًا ولا إصلاحًا، كما يكتب عليه، بل هو يخرج المجرمين ويدرب الصغار على الإجرام والجرائم.
والإسلام ليس مغرمًا بجلد الناس ولا قطع أيديهم ولا قتلهم، ولكنه أيضاً لا يترك معتادي الإجرام يرهبون الناس ويعتدون على النفس والمال والعرض لهذا اختار العقوبات البدنية الرادعة وهي القصاص والرجم وقطع يد والجلد، ثم شدد جدًّا في شروط الإثبات.
إن القصاص في النفس وفيما دون النفس من الأعضاء هو الوحيد الذي يؤمن الناس على أنفسهم وأزواجهم وأولادهم، وهو أيضًا جزاء عادل مماثل للجريمة قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: 126) وليس أدل على أن الهدف من العقوبات الشرعية الزجر والوقاية والعدول عن الجرائم أي التوبة من قول الله ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 39) وبعد أن أورد الله تعالى عقوبة قطع الطريق، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 34).
لهذا عندما جاءوا إلى النبي بسارق وليس معهم المسروقات قال له ما النبي صلى الله عليه وسلم: «ما إخالك سرقت» فلما أصر على أنه قد سرق وطلب إقامة الحد عليه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بقطع يده (6).
وشروط الإثبات في الشريعة تجعل من المتعذر رجم أحد إلا في حالات التلبس الفاضح، وهي في حكم النادر، وشروط تطبيق حد السرقة تسقط العقوبة عمن سرق للجوع (7).
كما أن شروط إثبات السرقة الموجبة لقطع اليد تجعل قطع اليد في حكم النادر، وتكون العقوبة هي التعزير، ويكون ذلك بالحبس أو الغرامة، ويسقط القصاص بالعفو والتصالح، أما الحرابة فالتوبة تسقط العقوبة.
كما أن الرجم قصد منه التراخي في التنفيذ فلا يقتل الزاني فورًا، بل يظل يضرب من الحاضرين بمن فيهم الشهود، وهذا من شأنه فتح باب العدول عن الاعتراف من المحكوم ضده فيوقف التنفيذ ويفرج عنه، أو من شأن التنفيذ على هذه الصورة أن يعلن الشاهد عدوله عن الشهادة لخطأ أو لأمر قد التبس عليه فيوقف التنفيذ.
لقد سرق غلمان ناقة من المزني وأقروا بالسرقة، فأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بقطع أيديهم، لكنه علم أن سيدهم يقتر عليهم، فهم غلمان لابن حاطب بن أبي بلتعة، فألغى الحكم، وعلل ذلك بأنهم لا يحصلون على حقوقهم حتى لو أكل أحدهم ما حرم الله عليه، ثم سأل المزني عن ثمن الناقة، فقال أربعمائة، فأمر رب العمل بدفع ثمانمائة كعقوبة له على أن اضطر غلمانه للسرقة (رواه الطبراني).
الهوامش:
(1) الإنسان والعلاقات البشرية د. باهور لبيب، ترجمة أحمد حمودة، ص 52، والعقوبة البدنية في الفقه الإسلامي، دار الشروق 1991، ص 62 - 65.
(2) مكانة المرأة للمؤلف، ص 18 - 29 ، دار القلم الكويت 1406هـ 1986م، وانظر قصة الحضارة ولى ديورانت، ج4، ص 272، وج5، ص 66.
(3) الرق، عبد السلام الترمانيني، ص 44 - عالم المعرفة، الكويت، العدد 23، 1979م.
(4) المرجع السابق
(5) شرح فتح القدير للكمال بن الهمام، ج 4 ص 112، والأحكام السلطانية للماوردي، ص 205.
(6) سنن النسائي 80 ص 60.
(7) المغني لابن قدامة، 8/258، والمحلى لابن حزم 11/343 المسألة 2377.