العنوان أول برلمان في تاريخ مصر يرفض الحكومة وبيانها.. لماذا يهددون بحله؟!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الجمعة 11-مايو-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 2001
نشر في الصفحة 22
الجمعة 11-مايو-2012
الصدام بلغ ذروته.. مجلس الشعب يعلق جلساته أسبوعًا احتجاجًا على عدم إقالة الحكومة
صوَّت ٣٤٧ عضوًا بالبرلمان «من أصل ٣٦٥ عضوًا أدلوا بأصواتهم» برفضهم بيان الحكومة بشكل نهائي
رئيس الوزراء المدعوم من العسكر يهدَّد رئيس البرلمان بحله بقرار جاهز من «المحكمة الدستورية»!
في سابقة تاريخية بلغ إجمالي الاستجوابات المقدمة ضد حكومة «الجنزوري» ١٨٥ استجوابًا
المعتاد في دول العالم أنه عندما تجد أي حكومة أن الشعب يلفظها، وغالبية أعضاء البرلمان المنتخب يصوتون ضدها، فإنها تقدم استقالتها؛ لأن الأعراف البرلمانية تلزم الحكومة التي يرفض البرلمان المنتخب بيانها بأن تقدم استقالتها إن كانت تحترم الذي منح ثقته لبرلمانه، وأنه إذا لم تقم الحكومة بذلك فعلى الرئيس «المجلس العسكري الحاكم كبديل عنه» أن يقيلها فورًا.. ولكن في مصر بلد العجائب، تخرج الحكومة – المدعومة من العسكر - لسانها للبرلمان والشعب وتصر على البقاء، بل ويهدد رئيس الحكومة البرلمان بالحل وكأنه لم تقم ثورة شعبية في البلاد؛ هي «ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١م»!
هذا ما حدث في مصر.. التي صوَّت ٣٤٧ عضوًا بالبرلمان «من أصل ٣٦٥ عضوًا أدلوا بأصواتهم» يوم ٢٤ أبريل المنصرم برفضهم بيان الحكومة بشكل نهائي، مقابل موافقة ٦ أعضاء فقط، وتحفظ 9 أعضاء، وامتناع ٣ عن التصويت، ومع هذا أصرت الحكومة «المؤقتة» على البقاء وتجاهل البرلمان «المنتخب»!
بل وانتقلت الخلافات بين البرلمان المصر على سحب الثقة من الحكومة وإقالتها، ورئيس الحكومة لمرحلة أكثر تعقيدًا بالتهديد بحل البرلمان ذاته، ووصل الأمر للتراشق بالبيانات بين كل من رئيس البرلمان د. سعد الكتاتني، ورئيس مجلس الوزراء د. كمال الجنزوري، على خلفية اتهام رئيس البرلمان لرئيس الوزراء بالتهديد ضمنًا بحل البرلمان بحكم من المحكمة الدستورية، ونفي الحكومة ثم ردها بأن إقالة الحكومة ليس من اختصاص البرلمان والاستقواء بالمجلس العسكري الذي يؤيدها.
فالجنزوري نفى ما قاله الكتاتني من أنه هدده قبل أكثر من شهر في لقاء جمعهما مع رئيس الأركان الفريق سامي عنان بحل البرلمان، وقال الجنزوري في لهجة تحدًّ للبرلمان: «لن أستقيل، وما يحكم بيننا هو الإعلان الدستوري الذي لا يعطي الحق للبرلمان في سحب الثقة، وما يجري ضد الحكومة صدام مدبر له أهدافه».
ورد الكتاتني – في بيان وصل «المجتمع» - على نفي الجنزوري، مؤكدًا أن الجنزوري هدد بالفعل ضمنًا بحل البرلمان، وأن الفريق سامي عنان شاهد على ذلك، وطالب المجلس العسكري بإقالة حكومة الجنزوري.
د. الكتاتني أشار إلى أنه أثناء اللقاء الثلاثي الذي جمعه بالفريق سامي عنان ود. الجنزوري منذ أكثر من شهر قال للجنزوري: إن الإعلان الدستوري وإن خلا من حق البرلمان في سحب الثقة، إلا أن الأعراف البرلمانية بل و«دستور ۷۱» منح البرلمان رفض بيان الحكومة، وعلى الحكومة التي يتم رفض بيانها أن تستقيل احترامًا الرغبة الشعب، وإن لم تفعل هي ذلك فعلى المجلس العسكري أن يقوم بإقالتها استجابة أيضًا للشعب واحترامًا لبرلمانه المنتخب.. وهنا رد الجنزوري - بحسب الكتاتني – بشكل واضح قائلًا: «إن الطعن المقدم لحل البرلمان موجود في أدراج المحكمة الدستورية، ويمكن إخراجه في أي وقت»!
وهو ما رد عليه رئيس مجلس الشعب بدوره قائلًا: إنه لا يستطيع أحد حل البرلمان إلا البرلمان نفسه، لأن الإعلان الدستوري عندما لم يمنح البرلمان حق سحب الثقة من الحكومة، لم يمنح المجلس العسكري حق حل البرلمان أيضًا.. ما يشير لأزمة سياسية حادة قد تقلب المشهد السياسي رأسًا على عقب، وتضيف لأزمة «الدستور أولا أم الرئيس؟» أزمة جديدة أشد خطورة.
العسكري يرضخ
بعدما أمهل د. الكتاتني الحكومة لكي تقدم استقالتها أو يقيلها المجلس العسكري حتى الأحد (۲۹ أبريل)، وأصرت الحكومة على عنادها، علَّق البرلمان جلساته حتى ٦ مايو الجاري، ضاغطًا بذلك على المجلس العسكري كي يرضخ للإرادة الشعبية التي يمثلها البرلمان بل وأعلن بدء البرلمان في إجراءات سحب الثقة من الحكومة عبر سلسلة من الاستجوابات بلغت نحو ١٨٥ استجوابًا ضد حكومة الجنزوري!
وقد تراجع «العسكري» وأبلغ البرلمان احترامه لمجلس الشعب ونوابه، وأعلن عن إجراء تغيير وزاري داخل حكومة د. كمال الجنزوري.. يرى المراقبون أنه جاء حفظًا لماء وجه الطرفين؛ «الحكومة» التي لن يستقيل رئيسها، ولكنه سيغير أبرز الوزراء الخدميين المرفوضين من البرلمان، و«البرلمان» الذي كسب نصف جولة بإجباره الحكومة على التعديل الوزاري، ليبقى أمام هذه الحكومة شهران قبل أن تذهب نهائيًا عقب انتخاب رئيس جديد لمصر، وتولي الحزب ذي الأغلبية تشكيل الحكومة.
وكشف نواب في حزب «الحرية والعدالة» لـ «المجتمع»، أن هناك توجهًا من الحزب للعودة عن تعليق الكتاتني لجلسات البرلمان بعدما استجاب المجلس العسكري وقرر التغيير الوزاري في حكومة الجنزوري.
سر إصرار الإخوان على إقالة الحكومة
وترجع بدايات الأزمة لرفض البرلمان بيان الحكومة، ومطالبتها بالاستجابة لمطالب الشعب والثورة في منع الفساد وجلب الأموال المهربة لأنصار النظام السابق، بيد أن العلاقات ظلت معقولة بين الطرفين.. ولكن استشعار جماعة الإخوان المسلمين أن المجلس العسكري والحكومة يتجاهلان رغبات الشارع المصري، ويسعيان لإفشال دور البرلمان المنتخب وتعجيزه، بعدما أهملت السلطة التنفيذية «الحكومة» تنفيذ قرارات البرلمان؛ دفع الجماعة للمطالبة باستقالة الحكومة وتكليف الحزب الفائز بالأغلبية في البرلمان بتشكيل الحكومة، وهو ما رفضه المجلس العسكري أيضًا؛ فبدأت إجراءات سحب الثقة من الحكومة من جهة، والسعي لترشيح مرشح من الإخوان لانتخابات الرئاسة باعتبارها الوجه الثاني للسلطة التنفيذية.
وما يزيد الأزمة تصعيدًا؛ أن الإخوان وحزب «الحرية والعدالة» بدؤوا تسيير مسيرات ومظاهرات في ميادين المدن والمحافظات المختلفة، ركزت على المطالبة بإقالة حكومة الجنزوري، ومنع الفريق «أحمد شفيق»، القريب من المؤسسة العسكرية، والممنوع من الترشح للرئاسة وفقًا لقانون «العزل» الذي أقره البرلمان، وهتفوا: «جنزوري جنزوري لازم يمشي»، و«يسقط يسقط حكم العسكر.. إحنا الشعب الخط الأحمر».
تفاصيل الأزمة بين الحكومة والبرلمان
وبدأت الأزمة بين الحكومة والبرلمان في أعقاب بيان الحكومة الذي ألقاه د. كمال الجنزوري يوم ٢٦ فبراير الماضي، والذي رفضته غالبية لجان البرلمان، وبدأت سُحب الخلافات تتجمع بين الحكومة والبرلمان بعد رفض اللجنة البرلمانية الخاصة برئاسة أشرف ثابت، وكيل مجلس الشعب، يوم 28 مارس الماضي، بيان الحكومة، وتأكيد أن جميع أعضائها (٤٣ عضوًا) رفضوا بيان الحكومة، وأيده ٣ نواب فقط، حيث وصفت هذه اللجنة بيان الحكومة بالضعف، وابتعاده عن طموح الشعب المصري لوجود فجوة بين رؤى وتوصيات نواب الشعب لحل مشكلات مصر، وضعف وضحالة ما قدمته الحكومة.
ثم شهد مجلس الشعب أزمة جديدة مع حكومة د. كمال الجنزوري بسبب تأخر الوزراء عن حضور الجلسة يوم ٢٢ مارس الماضي لقرابة الساعتين؛ مما أثار غضب نواب المجلس، والذين اعتبروا غياب الحكومة استخفافًا بالبرلمان، وهي الجلسات التي أثار فيها النواب قضية سحب الثقة من الحكومة؛ بدعوى أنها تختلق الأزمات، ومنها أزمة المواد البترولية، وفي هذه الجلسة شن النواب هجومًا عنيفًا على الحكومة، وطالب البعض بتقديمها الاستقالة، والبعض الآخر بطرد ممثلها من قاعة مجلس الشعب.
ثم تلا هذا أزمة أخرى؛ هي قرار السماح للمتهمين الأمريكيين والأجانب بالسفر إلى خارج البلاد في نهاية مارس الماضي؛ فانهالت البيانات العاجلة وطلبات الإحاطة من النواب على الحكومة طالب فيها النواب بسحب الثقة من الحكومة مما دفع برئيس المجلس إلى الإعلان عن المضي في إجراءات سحب الثقة من الحكومة.
ثم انتهى الأمر برفض مجلس الشعب في جلسته يوم ٢٤ أبريل المنصرم بيان الحكومة بشكل نهائي.
سهام ١٨٥ استجوابًا توجه للحكومة
وقد كشفت تقارير الأمانة العامة لمجلس الشعب، أن عدد الاستجوابات المقدمة من الحكومة حتى الآن والتي سوف يشهرها نواب البرلمان في وجه الحكومة بلغت ۱۲۰ استجوابًا و۷ آلاف طلب إحاطة و٣٠٠٠ سؤال موجَّه إلى جميع الوزراء بلا استثناء وبذلك تكون طلبات الإحاطة والأسئلة حطمت الرقم القياسي بالنسبة للأداء الرقابي في أي مجلس سابق.
نجح البرلمان بالتالي في لَي ذراع المجلس العسكري، وفرض إرادته، ولو نسبيا بتعديل الوزارة، ومع هذا فسوف نشهد فصلًا تصعيديًا عندما تبدأ مناقشة استجوابات الحكومة في البرلمان.
ولكن الخطورة هي أن نشهد تصعيدًا آخر بالمضي قدما في تسريع مناقشة المحكمة الدستورية لدعاوى حل البرلمان، وربما حله لنعود مرة أخرى إلى المربع صفر، ويضيع ١٤ شهرًا من عمر الثورة ونشهد ثورة جديدة؟!