; الانتخابات الأكثر دموية وعنفًا في تاريخ البرلمان المصري | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الأكثر دموية وعنفًا في تاريخ البرلمان المصري

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995

مشاهدات 58

نشر في العدد 1180

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 19-ديسمبر-1995

  • الجدل يتصاعد حول نتائج الانتخابات المصرية 
  • اللجنة المصرية لمراقبة الانتخابات والعديد من الهيئات تدين أعمال العنف والبلطجة التي حدثت في الانتخابات.. وتدعو إلى الإشراف الكامل للقضاء عليها.
  • أحزاب المعارضة تبحث وجود "رقابة دولية" على الانتخابات المصرية لضمان نزاهتها.

لم يكن خلو البرلمان المصري المنتخب من معارضة تمثل كل القوى السياسية والحزبية الفاعلة في الساحة المصرية تمثيلًا حقيقيًّا وعادلًا ومطابقًا للواقع ومعبرًا عن طموحات الشارع المصري في الدخول إلى القرن الحادي والعشرين بروح جديدة وبرلمان جديد، وأداء مختلف، وتطور منطقي وطبيعي في اتجاه المزيد من الممارسة الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان لم يكن ذلك هو الأمر المثير للقلق وحده فالأكثر خطورة والذي يحتاج إلى جهود واعية وخطة سريعة هو علاج مخلفات الحرب الانتخابية ذلك أن العملية الانتخابية الأخيرة تميزت بحالة من الاستقطاب الحاد لصالح هذا المرشح أو ذاك وخلت من أية منافسة سياسية أو فكرية أو منهجية وحلت محلها حرب المصالح والعصبيات العائلية والأسرية وهو ما انعكس واضحًا في تزايد أعداد القتلى والجرحى الذين بلغوا عدة مئات على مستوى البلاد نتيجة لحوادث عنف وأعمال بلطجة سواء وقعت بين أنصار المرشحين وهو الغالب أو قام بها بلطجية محترفون تم استئجارهم لحسم المعركة الانتخابية لصالح هذا أو ذاك وأدت هذه الحوادث إلى اعتبار الانتخابات الأخيرة في نظر المراقبين الأكثر دموية وعنفًا في تاريخ البرلمان المصري.

 أكثر من جهة ولجنة قامت بمراقبة العملية الانتخابية ورصدت حالة العنف التي سادت المعركة وأعدت اللجنة المصرية لمراقبة الانتخابات وهي لجنة مستقلة شكلها مثقفون ومفكرون مصريون تقريرًا مفصلًا عن كل جولة انتخابية، وقد أثارت تقارير اللجنة انزعاج السلطة بصورة ملحوظة لما حوته من معلومات ميدانية شارك في جمعها أكثر من ٦٠٠ من مندوبيها وقد أبدت الحكومة قلقها عندما تشكلت اللجنة التي رأسها الدكتور سعيد النجار رجل الاقتصاد ورئيس جمعية النداء الجديد وكان الدكتور سعد الدين إبراهيم أمينها العام ونورد هنا أهم توصيات اللجنة المصرية لمراقبة الانتخابات.

١- تهيب اللجنة بالحكومة المصرية أن تعيد قراءة ما حدث في الحملة الانتخابية لعام ١٩٩٥م، وأن تحسن تفسير ما حدث فيها دون مكابرة أو مخادعة للذات فحجم العنف وأعداد القتلى أكثر من ٤٥ قتيلًا والجرحى ٦٠٠٠ جريح في أسبوع واحد وهو أمر غير مسبوق ولا يمكن التعلل فيه بالمنافسة أو الصراع بين المرشحين ففي كل الانتخابات السابقة كان هناك تنافس وصراع بين المرشحين، ولكن لم يحدث أبدًا هذا الحجم من العنف والدمار هناك عطب أو أعطاب أساسية في بنية الدولة والمجتمع وعلى الحكومة أن تواجهها بشجاعة وبلا مواربة.

إشراف القضاء كاملًا

٢- على الحكومة وعلى كل القوى السياسية الحية في مصر المحروسة أن تصر وتجاهد على أن يكون إشراف القضاء كاملًا على العملية الانتخابية بدءًا من إعداد الجداول الانتخابية وانتهاء بفرز الأصوات وإعلان النتائج فلا سبيل لإعادة الثقة وزرع الأمل في نفوس المصريين بشأن مستقبل الديمقراطية في وطنهم إلا عند الأخذ بهذه التوصية وتغيير الدستور والقانون للأخذ بها في أقرب وقت ممكن وبالقطع قبل الانتخابات البرلمانية القادمة

٣- سرعة الانتهاء من اعتماد الرقم القومي الموحد لكل مواطن بالغ على أرض مصر لكي يمكنه ممارسة كل حقوقه وواجباته المدنية والسياسية، ومن شأن الأخذ بهذه التوصية قطع داء الفساد والإفساد في الممارسات الانتخابية وخصوصًا ما يتعلق منها بجداول الناخبين.

٤- وضع ضوابط قانونية وأخلاقية لما يستخدم من لغة ومواد وشعارات وكلمات في الحملة الانتخابية، بل في الحياة العامة قاطبة يكون من شأنها القضاء في المهد على أي نزاعات مقصودة أو غير مقصودة لإحياء الطائفية الدينية أو القبلية أو العشائرية.

٥- وضع سقف قانوني أكثر واقعية ويتغير كل خمس سنوات بالحد الأقصى الذي ينفقه المرشحون وأنصارهم أثناء الحملة الانتخابية الواحدة وحبذا لو ارتضت الأحزاب العاملة نفسها ميثاقًا شرفيًّا في هذا الصدد.

٦- إطلاق حرية تكوين الأحزاب، فرغم أن هذه دعوة متكررة من عديد من القوى السياسية إلا أن عدم الأخذ بها اتضحت عواقبه ومضاعفاته في الانتخابات الحالية فأكثر من ثلثي عدد المرشحين كانوا من المستقلين ومعظم الأحزاب لم يكن لديها أعداد كافية للترشيح ولا معنى لذلك إلا أن هناك عطبًا في الحياة الحزبية والسياسية المصرية فمن الواضح أن الأحزاب الأربعة عشرة القائمة بالفعل لا تعبر عن أغلبية الراغبين في التصدي للعمل العام.

٧- إطلاق حرية إصدار الصحف وتأسيس شركات للإعلام السمعي والمرئي والتصريح لها بإنشاء محطات تليفزيونية غير حكومية.

أعمال العنف والبلطجة

تقرير اللجنة المصرية أشار للعديد من صور المخالفات وأعمال البلطجة والتزوير واعتقال أنصار المرشحين وملء بطاقات إبداء الرأي وتقفيل الصناديق وغيرها مما شكل طابعًا أساسيًّا للانتخابات الأخيرة، وفي نفس الاتجاه أصدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تقريرًا حول الانتخابات تحت عنوان الديمقراطية في خطر رصدت فيه التجاوزات الحكومية وأعمال العنف التي انخرط فيها مرشحو الحكومة وأنصارهم كما صدر عن مركز المساعدة القانونية تقرير مطول من ٣٠ صفحة يتحدث فيه المركز من خلال عشرات المندوبين الذين شاركوا في متابعة الانتخابات عن التجاوزات والتدخلات الحكومية ضد المرشحين، وبخاصة مرشحي التيار الإسلامي، وجاءت تقارير هذه اللجان والمراكز موثقة بالأرقام والأسماء لتكون مرجعًا لمن يحتاجها سواء من الجهات المسؤولة أو من القضاء أو من الباحثين والمراقبين. 

أحزاب المعارضة وجدت نفسها بعد انتخابات الجولة الأولى التي لم ينجح فيها أحد في ورطة لا تحسد عليها فقد اكتشفت أنها لم تفز بأي مقاعد من بين ١٣٦ مقعدًا أعلنت نتائجها بصفة نهائية وأنها تنافس في الإعادة على حوالي ٦٠ مقعدًا نصفها لحركة الإخوان المسلمون مما دعا البعض إلى التفكير في إعلان الانسحاب من الجولة الثانية، لكن هذه الأحزاب سرعان ما عدلت عن هذا الرأي بعدما تأكد لها أنها خسرت المعركة وأن فوزها بأي مقاعد هو أفضل من لا شيء على كل حال، ويبدو أن الأمل كان يداعب قادة المعارضة بأن تكون الجولة الثانية من الانتخابات أكثر نزاهة مما يتيح الفرصة لعدد أكبر من مرشحيها بالفوز لتحقيق نسبة معقولة، لكنها فوجئت بفوز أقل من ٢٥ من المرشحين المعارضين وبالتالي تداعت إلى عقد مؤتمر ضخم دعا إليه الحزب الناصري الذي سقط أمينه العام في الجولة الثانية وشارك فيه ممثلون عن الوفد والعمل والأحرار والإخوان المسلمون وعدد من المستقلين بالإضافة للحزب الناصري الذي استضاف المؤتمر وبعد مناقشات وكلمات ساخنة صدر بيان عن المشاركين أكدوا فيه إدانتهم لأعمال العنف والتزوير على نطاق واسع التي شابت الانتخابات النيابية المصرية في جولتيها الأولى والثانية وأكدوا عزمهم على العمل معًا بالوسائل الديمقراطية والدستورية والقانونية لإسقاط مجلس الشعب بصورته المزيفة لإرادة الناخبين واعتباره باطلًا قانونًا ويتحدى أحكامًا قضائية ببطلان الانتخابات في أغلب الدوائر ويفتقر إلى الشرعية التمثيلية لإرادة الأمة.

لا يعبر عن الشعب 

وقال البيان إن قادة وممثلي أحزاب وقوى المعارضة يعلنون أن هذا المجلس لا يعبر عن إرادة هذا الشعب وأن أية انتخابات جديدة لا تتوافر لها جميع الضمانات السياسية والقانونية تحت إشراف قضائي کامل سوف تعطي نفس النتيجة، ومن بين هذه الضمانات التي تبحثها أحزاب المعارضة الآن أن تكون رقابة دولية على الانتخابات العامة بعدما وصلت عمليات التزوير الفاضح إلى حدود غير مسبوقة في تاريخنا الحديث كله وتعلن المعارضة أنها بصدد البدء في حملة سياسية مشتركة، من أجل وضع حد للانتهاكات الحكومية الفاضحة لحق المواطن المصري في ممارسة حقوقه الانتخابية بحرية ونزاهة وبدون عنف وتزوير ومخاطبة الشخصيات المصرية والدولية العامة ذات الوزن الأدبي الكبير والتيارات والأحزاب الديمقراطية ومنظمات حقوق الإنسان في العالم بأسره للتضامن مع قضية الحريات العامة في مصر والتي تتعرض الآن لمخاطر العصف بها كلية، كما تؤكد الأهمية الحاسمة لفتح باب الحوار من جديد والانتهاء من صياغة وإقرار وثيقة الوفاق الوطني التي تعطي اهتمامها الرئيسي لتحول ديمقراطي واسع في المجتمع ونظام الحكم.. وتعلن قوى وأحزاب المعارضة تأييدها الكامل أدبيًّا وماديًّا لكل الطعون الدستورية والقانونية في نتائج الانتخابات وتدعو النقابات المهنية والعمالية إلى تضافر الجهود لصيانة قضية الحريات العامة من العنف والإكراه والتزوير دفاعًا عن حق الشعب المصري في التمتع بحقوقه الدستورية والقانونية لكن هل يستمر حماس المعارضة وتتواصل اجتماعاتها للبحث عن مخرج للأزمة وبالتالي يتحول هذا الحماس إلى آلية عمل منظمة؟ أم يفتر هذا الحماس وينفض المولد دون أية خطوات فعلية وهو ما تراهن عليه السلطة دائمًا، إن رفع دعوى قضائية جماعية تتبناها أحزاب المعارضة لإسقاط هذا المجلس هو الذي يضعها في الاختبار العملي؛ فهل تستطيع مواصلة الضغط؟

الرابط المختصر :