; أيام الجمر! | مجلة المجتمع

العنوان أيام الجمر!

الكاتب د. سامي محمد العدواني

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011

مشاهدات 69

نشر في العدد 1973

نشر في الصفحة 22

السبت 15-أكتوبر-2011

  • العالم التونسي المنصف بن سالم أصغر باحث يحصل على درجة الدكتوراه وعمره ٢٣ عامًا وحصل على الأخرى بعدها بأربع سنوات
  • بعد الثورة.. عاد لعمله واستقبله آلاف الطلاب فقال لهم: إن أكبركم لم يكن مولودًا عندما كنت أستاذًا بالجامعة فكيف عرفتموني؟!
  • مؤسس جامعة صفاقس.. النابغة الذي أبهر الغرب قبل العرب بأبحاثه ونظرياته ونال عشرات الجوائز على مستوى العالم
  • تعرض للسجن والإقامة الجبرية ظلمًا لمدة ٢٣ عامًا بعد فصله من الجامعة بسبب مطالبته بالإصلاح

يطرق مسمعي من شهور اسم «المنصف بن سالم» يتكرر علي حين ألقى إخوة من جمعتني بهم رحال الدعوة، وأظلتني مراتع الأخوة عبر سنين ممتدة.

بات هذا الاسم في ذهني يجسد يقظة الضمير، والثبات على العهد وصلابة المبدأ والترفع عن السقط والجلد على الظلم ومواجهة القهر بالصبر، وعندما تحين القدرة على القصاص يكون العفو والصفح! أجدني المبدع لأجدني مشدودًا لتجربة هذه القامة مشدوها من كبريائه وتواضعه في الوقت ذاته كم هذبني كأحسن موعظة وعظت بها، كم قزم نشوتي بتجربتي التي تصاغرت، بل تلاشت في رحاب هذا الفيض الصافي.

لقيته على هامش زيارة عارضة للعاصمة التونسية، وعلى ضفاف «المتوسط» كانت جلسة حميمة تتدفق أحاديثه كما تنسال أمواج البحر على الشاطئ مراكب رحلته في هذه الحياة بدأت من عمر الثامنة عندما كان يرعى الغنم على «قراريط» لا تناهز الدينار في الشهر، وتأخذه الأيام بعد ١٦ عامًا ليكون أستاذًا في جامعة باريس بعد أن حصل على الدكتوراه، وألحقها بدكتوراه الدولة التي أنجزها في أربع سنوات، وكان غيره يستكملها في عشر سنوات.

إنه المنصف بن سالم العالم الفيزيائي وفي الرياضيات مؤسس جامعة صفاقس النابغة الذي أبهر الغرب قبل العرب بأبحاثه ونظرياته، ونال العشرات من جوائز التكريم في دول عربية وغربية، عندما حاولت إحدى الدول المتقدمة استمالته للبقاء عندها بإغراءات يسيل لها لعاب الطامحين العرب.. أثر المكث مع إخوانه، والعمل على رقي بلده، وأوطان أمتنا التي يرى فيها مكنات النهضة، وميدان الحرث، وكان يردد محترقا في داخله: «لماذا تخلو قائمة أفضل ٥٠٠ جامعة عالمية من جامعة عربية واحدة في حين توجد في القائمة أكثر من ١٦ جامعة عبرية؟!!». 

المنصف بن سالم الذي جال العالم وسكن في أرقى الفنادق لم ينس أنه ولد وعاش في كوخ من القش، وأن المرتبة التي بلغها عندما نال الدكتوراه، وهو أصغر شاب - منح درجتها وعمره ٢٣ عامًا - لم ير في هذه الحظوة إلا منحة ربانية ساقها المولى تعالى، وعندما أكملت المحنة معه عامها الـ ٢٣ ( ۱۹۸۷ - ۲۰۱۰م ) كان يردد بأنها قضاء الله الذي آمن به ورضي لحكمه فكان جلده على المحنة أسطوريًّا كما حكت عنه زوجة «ميتران» في كتابها عن التعذيب في تونس. 

لم يشفع لجلادي هذا النضالي الفريد في أمتنا مكانته العلمية المرموقة في العالم ولم تجد شفاعات وفد «الكونجرس» للتخفيف عنه، ولا توسلات وزير التعليم العالي الفرنسي سابقًا عالم الرياضيات لورنت شوارتز، ولا رجاء د. محمد عبد السلام الحائز على جائزة «نوبل» الذي زار تونس مرتين، ولم يلق وفاء للوعود التي تلقاها كما كان مع سابقيه!

لقد كانت الأحكام الجبرية الجائرة التي نالت هذا العالم الكبير تعبر عن التدهور الحضاري الذي غطت فيه أمتنا، فأن يشطب اسمه من الجامعة التي أسسها ويمنع من دخولها لمجرد لقائه صحفيا عبر من خلاله عن آرائه الإصلاحية التنويرية التي يراها لبلده، ويخضع لسيل من الاتهامات والتنكيل لتعبيره الحر ورفضه البطش والظلم كان مآله السجن عشر سنوات تتبعها عشر أخرى في مراقبة إدارية خانقة لأي بشر فكيف بمبدع حال هذا الخناق دون عيادة والدته المريضة، وحضور مراسم دفنها عندما توفيت كمدًا وحسرة، بل حتى منع اللاقط الهوائي لتلفازه، وألزموه التوقيع في المركز الأمني صباح مساء، إنها حالة من التقهقر الأخلاقي أدنى من القاع! 

ومع كل هذا، فإن المنصف بن سالم يرى النجاح في الحياة في ثلاث مارسها في حياته: «الهدف - المداومة - العزيمة»، وهو يرتشف دواءه يقول: «مستقبلنا خير» هذا ما يؤمن به، ويثق أن الأمل واعد في هذا الجيل، كان يثقل في الأيام الأولى من الثورة بالحوارات واللقاءات الليلية، وفي الصباح ينطلق بين صفوف الشباب يتقدمهم تارة ويسابقهم تارة أخرى يلاحقه ابنه «أسامة» بتذكيره باعتلال صحته ولزوم دوائه فيرد مبتسمًا: الآن عرفت دوائي، إنه بين الشباب!!».

وكان وفاء الشباب له بالغًا حين عاد لكليته بعد الثورة، وإذا بأفواج تقاطرت إليه تستقبله.. شاهدت صورًا أذهلتني للحشد الذي غصت به الساحات حتى بلغت الأسقف والسطوح، فما كان منه إلا أن انبرى فيهم خطيبا يسألهم: «كيف عرفتموني، وأنا طردت من هذه الكلية، ولم يكن أكبركم ول حينها؟! لقد أقسم رئيسها حين منع دخولي أن يمحو اسمي من ذاكرة الكلية، وأبى الله إلا أن يبقى اسمي ويرحل الرئيس!!». 

نعم رحل الرئيس.. رئيس الكلية ورئيس الدولة الذي قال أحد جلاديه بسخرية للمنصف: «عندك دكتوراه؟!»، فأجاب: «نعم». قال الجلاد: «أنا عندي دكتوراه في التعذيب وستراها على الفور!!»، يصف تلك المرحلة وبؤس المخلوع البائد بأنه سحابة لا تمطر إلا ملحًا، فتحول الأرض بورًا». 

يفكر المنصف اليوم بطريقة مختلفة أن يحول قصر الرئيس البائد من عشرات الأبنية الفارهة التي أنشأها إلى مركز علمي  بحثي يخدم الشباب، ويعيد الاعتبار للعلم وأهله، يرى في التسامح طريقا للتصالح فقد جاءه من يطرق بابه وكان أحد جلاديه يسترضيه ويطلب صفحه يقول له: «أنا من حكمت عليك بالتعذيب... سامحني»، فيعفو عنه، وقلبه يردد: «سامحته.. سامحته». لقد أخذ مني التأثر مداه، وأنا أشاهد ثباته وأراجع شدة ما أثخنوا فيه يردد الجلادون الأمثاله هذه الأيام: «اعتقونا من خوفنا من انتقامكم»، ويردد بصوته الذي يتحشرج من الغصة: «إذا مكننا الله سنعطيهم درسًا في التسامح والعفو »!

يقف اليوم على رأس قائمة انتخابية في مدينته الباهية صفاقس للدخول في انتخابات المجلس التأسيسي، ويحمل رؤية ناضجة حاورته فيها، ومسؤولية عالية تجاه مستقبل بلده يرجو الله أن تكلل بالإنجاز لخير تونس، ويتمنى على ابنه أسامة أن ينهج سبيله، وينحو طريقه لأنه عاش التجربة بمحنتها ومنحتها، وهو اليوم «مرتاح الضمير مطمئن البال، وهذا ما يجعلني في غاية الغنى والرضى»، كما أخبرني حين سألته عن نصيحته لابنه أسامة وأبناء جيلي. 

غادر المنصف بن سالم، ودعته عند باب سيارته، لكنه لم يغادر ذهني منذ تلك اللحظة اللهم اكتب له أجر صبره، وقيض له الحياة ليرى أمله في تونس، كما يحب أن تكون.

الرابط المختصر :