; أيام الصبر -رسائل من إسبانيا: باقة ورد أبيض | مجلة المجتمع

العنوان أيام الصبر -رسائل من إسبانيا: باقة ورد أبيض

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر السبت 05-يناير-2002

مشاهدات 54

نشر في العدد 1483

نشر في الصفحة 66

السبت 05-يناير-2002

لأول مرة في حياتي أصلي في مسجد وضع تحت حماية وحراسة دولة!! فلطالما اعتدنا أن نؤدي الصلاة وكما يقولون «على أرواحنا»، لقد وضعت السلطات الإسبانية مسجد المركز الاسلامي تحت الحراسة، خوف أن يقوم بعض الجهلة والمغرضين بالهجوم عليه، وانتهاك حرمته، وذلك بعد أن تعرض مع غيره من مساجد مدريد -بعد هجمات نيويورك وواشنطن -لاعتداء بقذف ألوان العلم الأمريكي على جدرانه الخارجية.

دورية من رجال الشرطة تحرس ليلًا ونهارًا بالأسلحة الرشاشة، ومصفحة عسكرية تارة وسيارة شرطة لمكافحة الشغب تارة أخرى ترابط على مدخل المسجد الخارجي، وعلى الرغم من أن هذا الحظ لم يُصب بقية مساجد مدريد الأهلية، فإنه يفهم منه على كل حال حرص الدولة على حماية المسلمين - ولو بشكل رمزي - ممن قد تسول لهم أنفسهم من النازيين والمتطرفين والمشاغبين، الاعتداء على خلق الله، وهذه إحدى ميزات أو سيئات الديمقراطية، فالباب مفتوح على مصراعيه في جميع أجهزة الإعلام الإسبانية لسبابنا وشتمنا وتشويه الحقائق المتعلقة بالإسلام والمسلمين في هذه الدنيا الغريبة العجيبة، ولكن الدولة تقوم وعلى الرغم من ذلك بواجبها في حماية المواطنين والمهاجرين.

مثلًا تخرج إعلامية مشهورة في القناة الثالثة المعروفة بعدائها المستحكم للعرب والمسلمين، وتقول للناس: كم هو غريب هذا الوضع في إسبانيا؟ إن المسلمين يتعرضون في جميع الدول الأوروبية لأعمال عدائية؟ غريب لماذا لا يتعرضون لأي أذى هنا؟! فتقوم مجموعة من الحمقى بضرب بعض المسلمين والتعرض لهم في الشوارع، ولا يستطيع هؤلاء القصاص، أولًا لأن نصفهم يقيمون بصورة غير قانونية، وثانيًا لأن الربع لديهم قناعة ثابتة بأن القضاء لن يقتص من الجناة، وثالثًا لأن الربع المتبقي أقنعته الهيئات الإسلامية ومسؤول الحكومة في مدريد والمحامون بألا يتحرك وألا تصدر عنه أي شكوى لكي لا يثير زوابع إعلامية لا طائل من ورائها، ثم تستضيف نفس القناة التلفازية الممثل العام عن الهيئة الإسلامية العليا في إسبانيا، فتكيل له من الأذى ما تعجز عن رده مجتمعة هيئة من كبار العلماء، لكن الأخ يصر على أن الشعب الإسباني شعب يحتفظ برباطة جأشه ولا ينزلق إلى أعمال العنف والاعتداء الذي يتعرض له المسلمون في بلاد أوروبية أخرى، مما يسقط في يد هذه الإعلامية التي دأبت ومنذ بدء الحوادث على إشعال نار الفتنة بين الشعب الإسباني والمهاجرين المسلمين.

اتفق البعض منا على تقديم شيء لرجال الشرطة أولئك الواقفين على باب المسجد تعبيرًا من المسلمين عن تقديرهم لمثل هذا التصرف ولو الرمزي من قبل الحكومة، فاشترينا باقة من ورد أبيض وقدمناها لهم باسم الجالية المسلمة التي تصلي في المسجد، وقد وقعت الهدية منهم موقعًا عجيبًا، أما كبيرهم فكاد يبكي تأثرًا، وقال إنه ما كان قط ينتظر مثل هذا التصرف منَّا، وأكد أنهم يقومون بواجبهم، وأما البقية فراحوا يقدمون لنا آيات الشكر والامتنان والدهشة، وانهالوا علينا بالأسئلة، وعبروا عن رغبة عميقة في أن يعرفوا شيئًا عن هذا الإسلام الذي يتعايشون معه منذ ثلاثة شهور، وأبدوا استغرابهم الكامل من التنوع والتعددية الواسعة في صفوف المسلمين، الذين كانوا يظنون أنهم جميعًا من الأفغان.

وهذا ليس بالمستغرب.. فلقد كنا هنا كلنا بوسنيين عندما وقعت المذبحة على البوسنة والهرسك، ثم أصبحنا جميعًا كوسوفيين يوم النزيف الكوسوفي، وبقدرة قادر صرنا جميعًا من الشيشان عندما احتدمت المعركة في هاتيك الديار الصامدة، ويوم استشهد «محمد الدرة» كان جميع العرب والمسلمين في الغرب فلسطينيين، واليوم نحن جميعًا أفغان، بما تحمله هذه الكلمة اليوم، من معان في أذهان القوم.. والتي تراوح ما بين الإرهاب والنزوح والهجرة وقهر المرأة ونسف الآخر، أو الجوع والفقر والحرمان والضياع والإبادة.

الفروق بين المسلم والعربي، وبين المسلم والمسلم، هي فقط فروق موجودة بيننا نحن، والحدود في حدود نكرسها نحن، والأسوار هي تلك التي نصنعها نحن أنفسنا في أنفسنا وأفكارنا وقلوبنا الموصدة في وجوه بعضنا البعض.

كنت أفكر في هذا وأنا أرى اثنين من عناصر الأمن الإسباني وقد تركا أسلحتهما خارج المسجد ودخلاه ووقفا واجمين مذهولين وراء المصلين الدائبين على حضور الصلوات، يرقبان حركاتهم وسكناتهم، وسجودهم وركوعهم، وانضباطهم وصمتهم، والشيخ منير يرتل ذلك الترتيل المذهل الذي يخلع القلوب خلعًا، ويهز الأرواح هزًا، كان الرجلان مذهوليْن بالمشهد، وخرجًا من المسجد بغير الوجه الذي دخلا به، كانت الرجفة قد أصابت القلبين اللذين استطاع بعض المسلمين امتلاكهما بباقة من الورد.

كم من الأشياء يمكن أن تقدمها باقة من الورد؟ وكم نحن مقصرون في حق الشعوب الغربية التي نتبادل معها سوء الظن، كما نساعد من حيث لا ندري أجهزة إعلامها على رفع الأسوار بيننا وبينها بسبب من سلوكيات أبناء المسلمين في الغرب البعيدة -في أكثر الأحيان -كل البعد عن روح الشريعة ونقاء دين الله الذي أنزله رحمة للعالمين؟!.

قط لم تكن مشكلتنا مع الغرب من طرف واحد، لقد كانت دائمًا مشكلة من طرفين تحكم العلاقات بينهما أهوال من الشكوك والتهويمات، لكن الله منح المسلمين فرصة دخول أوروبا من جديد، وقد بقوا فيها يسرحون ويمرحون طيلة نصف قرن يتمتعون بالحريات المغدقة عليهم، لكنهم فشلوا في انتهاز تلك الفرصة الثمينة الفريدة، كما فشلوا في حمل رسالة الله إلى الناس، وما ذلك إلا لأنهم حملوا معهم من بلادهم كل أمراضهم السلوكية والنفسية، وكل فهمهم العقيم لهذا الدين، وانشغلوا في مهاجرهم الأوروبية بخلافاتهم السخيفة، انشغلوا عن النمو بأنفسهم وعن تقديم صورة حقيقية عن الإسلام.

نعم... علينا أن نعترف أن هذه الفتنة التي أصابت المسلمين في أوروبا لم تأتهم إلا من عند أنفسهم، لأنهم كانوا عاجزين عن حمل النور والأمل لهذه الإنسانية التي فتحت أبوابها على مصراعيها ذات يوم لنا فعجزنا عن أن نحمل إليها باقة من ورد وأمل.

الرابط المختصر :