; أيام في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان أيام في الجزائر

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 20-يناير-2007

مشاهدات 77

نشر في العدد 1735

نشر في الصفحة 38

السبت 20-يناير-2007

  • يجب أن يضبط حماس الشعب ورغبته في التغيير بضوابط شرعية فالجزائر مهيأة لعمل ريادي بإفريقيا لو أحسن استغلالها.
  • الشعب الجزائري يفتقد للرموز الشرعية والفكرية والثقافية التي تنظم حماسه للإسلام.
  • ذهبت لإلقاء محاضرة في بلدة شلف الساعة الثانية عشرة ظهرًا فوجدت الناس في انتظاري منذ السابعة صباحًا!
  • من عادة أهل الجزائر استقبال الضيف خارج البلدة عدة كيلو مترات كما كان يفعل الصحابة رضي الله عنهم.
  • مطلوب توثيق التاريخ الجزائري عامة وتاريخ الثورة الجهادية أيام الغزو الفرنسي خاصة.. واستخراج العبر والعظات.

لم يكن يدور في خلدي ولا ظننت قط أن الجزائر وأهلها على ما رأيتهم عليه فقد كنت أتوقع غير ما لقيت ورأيت غير ما ظننت ووقعت على خلاف ما قدرت فمنذ اللحظة الأولى التي وطنت أقدامي فيها أرض الجزائر علمت أنني في بلاد طيبة وبين قوم كرام، وتأكد لي ذلك طيلة مدة إقامتي القصيرة فيها.

فقد دعتني جمعية الإرشاد والإصلاح لإلقاء سلسلة محاضرات في عدد من مدن الجزائر وبلدانها، فعقدت العزم على الذهاب واصطحبت زوجتي الكريمة أم علي وولدي أحمد وثاني بناتي آسية ووصلت على الطائرة السعودية ظهر الثلاثاء ۱۱ ربيع الأول عام ١٤٣٦هـ الموافق أبريل ۲۰۰۵م . ولقد خوفنا بعض الناس من الذهاب بسبب مقتل ١٦شخصًا قبل أيام من ذهابنا، لكني أكدت لمن خاف علي أن القوم أدرى ببلادهم وإلا لما دعونا والوضع إن شاء الله آمن والحادثة فردية. وقد صح عندنا ما قلته فوجدت البلاد أمنة ولله الحمد، وقد قطعناها من قسطنطينية إلى وهران – أي من الشرق إلى الغرب - فلم نجد إلا خيرًا ولله الحمد والمنة.

 ولقد أحسنت جمعية الإرشاد والإصلاح استقبالنا، وأنزلونا صالة التشريفات في المطار، وعنوا بنا غاية العناية جزاهم الله خيرًا.

 وتجولنا قليلًا في العاصمة الجزائرية وقد لفت انتباهي أن مطاعمهم يندر فيها الخمر، وهذه نعمة جليلة نفتقدها في كثير من الدول العربية والإسلامية.

وفي يوم الأربعاء صباحًا سجلت حلقة في تلفزيون الجزائر برنامج فضاء الجمعة مع الأستاذ عيسى، وهو طيب دمث الخلق محب للإسلام عارف به، ولقد عرفني على ثلة من العاملين في التلفاز على رأسهم مدير حافظ للقرآن أسمه سليمان بختيلي من بادية الجزائر، وهو محب للإسلام – كـما يبدو ومثقف وقد كان موضوع الحلقة كيف نقرأ القرآن الكريم؟ ذكرت فيها أهمية القرآن العظيم وأثره على أمة الإسلام وأهمية التمسك به وتطبيق أوامره والانزجار عن زواجره وأن تخلف المسلمين وضعفهم مرده إلى عدم استمساكهم بهذا الكتاب العظيم وعدم فهمهم قواعده وعبره وعظاته على الوجه المناسب.

أمسية حافلة

وفي مساء الأربعاء ذهبت إلى قاعة حرشة بالعاصمة الجزائرية، حيث أقيمت أمسية حافلة بكلمات عدد من المشايخ منهم الشيخ صفوت حجازي ود عمر عبد الكافي من مصر والشيخ عبد الحميد البلالي من الكويت والشيخ الدكتور عبد الغني التميمي من فلسطين وقد أتحف الحضور بقصيدة شعرية رائعة عن فلسطين تهكم فيها على الحل السلمي أيما تهكم وتجاوب معه الجمهور الذي غصت به جنبات القاعة وكان يزيد على 10آلاف.

وقد تكلمت بكلمة ذكرت فيها معنى0محبة النبي ﷺ ومقتضاها، وأن أكثر المسلمين لا يعرفون ماهية محبة النبي فبعضهم يظن أنها الاتباع وبعضهم يراها في العواطف الدافقة والمشاعر الفياضة فبينت للحاضرين أنها مزيج من العواطف والاتباع، فبهذين الأمرين تكتمل المحبة ودللت على ذلك من حال الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح، وتكلمت في الإذاعة الجزائرية بكلمة موجزة.

                                                                                                                                      حب الإسلام

وفي يوم الخميس توجهت إلى بلدة «شلف»، وتركت الجزائر الساعة التاسعة والنصف صباحًا، وكم حزنت عندما علمت أن محاضرتي في تلك البلدة الساعة التاسعة صباحًا والمسافة من الجزائر ثلاث ساعات كاملة وتألمت جدًا لحال الناس الذين وصلت إليهم قرابة الثانية عشرة وكان هذا بسبب سوء ضبط الوقت من قبل المنظمين، وازداد حرجي عندما وصلت إلى القاعة الكبيرة التي كانت غاصة بالناس منذ الساعة السابعة والثلث.

 فتصوروا كيف هو حال القوم وحماسهم؟ وكيف هي محبتهم للإسلام والمحاضرات والدروس وحاضرت القوم بكلام قريب مما تكلمته في قاعة حرشة بالجزائر وأجبت عن أسئلتهم، ولقد أحاطوني في دخولي وخروجي بمظاهر من الحب الصادق يصعب وصفها، ولولا وجود الحرس لحدث ما لا يحمد عقباه من هجوم الناس علي وتجاذبهم قميصي وقد كدت أسقط وحصرت وعصرت.

 ثم استقبلنا نائب الوالي، وجرى في مقر الولاية حديث موجز عن الاقتصاد الإسلامي والمصارف الربوية وكان في ذهنه شبهة عن فتوى شيخ الأزهر – سامحه الله – بشأن أخذ الربا عن الأموال المودعة في المصارف وبينت له الحق، وتطرق الحديث إلى مواضيع شتى وأنهيته بتذكيري له بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، وأن يحمد الله عليها وأن ينقيه عنها، وسجلت حديثًا قصيرًا لإذاعة شلف ثم ذهبنا جميعنا للغداء أنا ومرافقي الأستاذ النائب البارع خليفة بن علي، وولدي أحمد ونائب الوالي، وحضرة الأستاذ البرلماني حمو وآخرون.

٤ ساعات انتظار

  ثم بعد الغداء توجهنا إلى بلدة غليزان التي وصلناها الساعة الخامسة، وكان أهلها في انتظارنا في قاعة المحاضرات الضخمة منذ الساعة الواحدة ظهرًا!! فلله ما أصبرهم على الانتظار وحبهم لمن يعتقدون أنهم من الأخيار.

وتكلمت بمثل ما تكلمت به في شلف وأخرجت من كثرة الأشخاص الواقفين في الممرات الساعات الطويلة، وبقيت أجيب عن أسئلتهم الكثيرة إلى قرب المغرب الذي يؤذن له في حوالي الساعة السابعة والنصف وخرجت بصعوبة كما دخلت بصعوبة من شدة فرح القوم وتعلقهم بي .

وصليت المغرب في أحد المساجد وتوجهت بعدها إلى زاوية لتحفيظ القرآن وتكلمت بكلمة موجزة بينت فيها فضل القرآن العظيم وأهله، ثم رجعت إلى المسجد الجامع بالبلد فصليت فيه العشاء، ثم إن بعض القوم دعونا إلى العشاء في بيت أحد فضلائهم فأكرمنا غاية الإكرام.

استقبال الضيوف

ورقدت تلك الليلة هناك، وتوجهت في الصباح إلى وهران عاصمة المغرب الجزائري وهي مدينة كبيرة نظيفة جميلة على الساحل وللقوم في الجزائر عادة حميدة لها أصل من حياة الصحابة – رضي الله عنهم– وهي أنهم يستقبلون الضيف من عدة كيلو مترات خارج البلد، وقد صنعوا هذا معي في غليزان ووهران، وهذا دال على حسن تعهدهم لمن يأتيهم وكمال مروءتهم.

ثم توجهت إلى بيت الشيخ الفاضل عبد القادر المكاني حيث أكرمنا وأحسن وفادتنا، وتحدثت معه في مواضيع شتى ثم ذهبنا معًا إلى صلاة الجمعة، حيث أعجبتني خطبة الخطيب الذي تحدث فيها عن المحبة الحقيقية للنبي r.

۱۰ آلاف شخص

 بعدها ذهبت إلى بيت أحدهم حيث تحدثنا عن بعض المواضيع ثم صلينا الليلة العصر، وتوجهنا إلى الصالة الرياضية التي وصلنا إليها الساعة الخامسة وغصت بقرابة عشرة آلاف شخص، وتحدثت عن أحوال المسلمين ووجوب عمل شيء لهم وضربت لهم أمثلة عن بعض

العاملين، وذكرتهم بعمل آبائهم في الجزائر في تحرير البلاد وتقديمهم أكثر من ثلاثة ملايين شهید منذ أن وطئت أقدام المستخرب الدنسة بلادهم إلى إن طرد منها مدحورًا خائبًا، وهذا شرف لكن لا ينبغي أن يتكلوا عليه وينبغي أن يعملوا مكملين عمل آبائهم وأجدادهم ودللتهم على بعض ما يمكن لهم أن يعملوه وأجبت عن بعض أسئلتهم الكثيرة جدًا ثم خرجت في حراسة مشددة كما دخلت متوجهًا إلى مطار وهران، عائدًا إلى الجزائر العاصمة.

 وفي يوم السبت صباحًا، زرت المركز الوطني للدراسات والبحث في تاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية وهو مركز جيد يعنى بكل ما يتصل بالجزائر وثورتها وجهادها ضد المستخرب البغيض، منذ أن نكبت به البلاد إلى أن انقلع وقد تحدثت مع مدراء المراكز حديثًا مستفيضًا، وأعطوني كتبًا قيمة.

ثم زرت مركز جمعية الإرشاد والإصلاح، واستقبلني القائمون عليها استقبالًا حسنًا جدًا، وعلى رأسهم الأستاذ عيسى بن الأخضر رئيس الجمعية ونوابه الأفاضل واقترحت عليهم اقتراحات وتكلمت معهم عن ملاحظات لاحظتها وأجابوا عما سألتهم عنه، ثم ذهبنا إلى مطعم على ساحل البحر للغداء وتوجهنا بعدها إلى المطار وعدت إلى البلاد على الطائرة الجزائرية مساء السبت.

هذا وقد كان لزوجي المصونة محاضرات في عدة أماكن نفع الله بها ولقيت قبولًا، ولله الحمد.

 وأخيرًا لا انسى فضل الإخوة عيسى ابن الأخضر رئيس الجمعية، والأخ الكريم خليفة بن علي النائب بالبرلمان والأخ رضوان والأخ ،موسى، والأخ عيسى ورؤساء الجمعية في المدن التي زرتها.

ملاحظات عامة

أولًا: الشعب الجزائري طيب القلب مهذب مقبل على الإسلام. قريب من الفطرة على وجه لم أشاهد مثله فيما زرته من بلدان العالم الإسلامي، ولقد استقبلني استقبالًا لا مثيل له، فجزاهم الله تعالى خيرًا.

ثانيًا: الشعب مفتقد لرموز شرعية وفكرية وثقافية تأخذ بيده ويجتمع عليها، وفي هذا خطورة بالغة، إذ يخشى أن يتصدر الأغمار والجهال، كما حصل ممن يسمون بالأمراء زمن الفتنة العشرية التي مرت بالبلاد منذ سنة ١٤١٢هـ إلى سنة ١٤٢٢هـ، وتعود الأمور جذعة لا قدر الله فالواجب– كما تحدثت مع عدد من أهل الرأي – أن تكون هناك مجموعة من المتميزين في جوانب الشرع والفكر والثقافة ليتصدروا ويقودوا الناس بمنهج الإسلام الحق المتميز بالوسطية.

ثالثًا: هناك حاجة ماسة لتوثيق التاريخ الجزائري عامة وتاريخ الثورة الجهادية على المستخرب الفرنسي خاصة، واستخراج العبر والعظات من هذا التاريخ الزاخر بالأحداث المهمة والعظيمة. نعم هناك جهود في هذا المجال لكنها ليست كافية، وهي تجري بنفس توثيقي تاريخي يخلو– تقريبًا– من استخراج العبر والعظات.

رابعًا: الشعب الجزائري مهيأ لعمل ريادي كبير في الشمال الإفريقي بل في قارة إفريقيا، وذلك لكثرة عددهم– هم قرابة ٣٣ مليونًا غالبيتهم من الشبان– ولاتساع رقعة بلادهم، وثرواتها الجيدة و لحماس شعبها ورغبته العارمة في التغيير، فينبغي أن يوجه هذا ويضبط بضوابط شرعية وعقلية حتى يؤتي أكله على الوجه الأكمل، وقد استفاد الناس من الفتنة التي وقعت وأقبلوا على الحياة بوجه آخر وبطريقة أخرى، وأتوقع أنهم إن أقبلوا على العمل والطاعة والمثابرة فسينتج عن ذلك خير عظيم إن شاء الله.

الرابط المختصر :