العنوان أيام في طشقند و سمرقند وبخارى «٥»
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2008
مشاهدات 188
نشر في العدد 1786
نشر في الصفحة 36
السبت 26-يناير-2008
- القزويني: بخارى مدينة عظيمة طيبة.. مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء ومنشأ علوم النظر.
- فتحها قتيبة بن مسلم الباهلي سنة ٨٧هـ.. وملكها السامانيون بتفويض من المأمون العباسي وتوالى عليها الحكام إلى أن خرّبها المغول ثم عمروها بعد إسلامهم.
- سمرقند وبخارى كانتا قاعدتين لنشر الإسلام قديمًا في الصين والهند وروسيا حتى أن دوق روسيا كان يدفع الجزية سنويا لأمير بخارى
- ابن بطوطة: سمرقند من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالًا.. تضم قصورًا عظيمة وعمارة تنبئ عن همم أهلها
لقد كثر حديث المؤرخين العظماء عن طشقند وسمرقند وبخاری، وذكروها بمداد الفخر والعزة، فمن هؤلاء القزويني الذي قال في بخاري في كتابه «آثار البلاد وأخبار العباد»: «بخارى مدينة عظيمة مشهورة بما وراء النهر، قديمة، طيبة.. ولم تزل بخاري مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء ومنشأ علوم النظر.... ولم تُر مدينة كان أهلها أشد احترامًا لأهل العلم من بخاری».
وقال ياقوت الحموي في معجمه العظيم «معجم البلدان»: «مدينة قديمة، نزهة، كثيرة البساتين، واسعة الفواكه، جيدتها..».
وقال الحميري في «الروض المعطار»: «ببخارى بشر كثير لا يحصيهم العد ... ويرجع أهلها من العفة، والدماثة، والأمانة، وحسن السيرة، وحسن المعاملة، وقلة الشر، وإفاضة الخير، وبذل المعروف، وسلامة النية إلى ما يفضلون به سائر الناس».
وقد تعرضت بخاري للتخريب على يد جنكيز خان سنة ٦١٦ هـ، وفتحها الأوزبك سنة ٩٠٥ هـ، وكان بها ١٩٧ مسجدًا و ١٦٧ مدرسة، أغلقها جميعًا الروس ولم يبقوا الا مسجدًا واحدًا ومدرسة واحدة!! ومن أشهر علمائها : الإمام البخاري، وابن سينا، وصدر الشريعة المحبوبي، والمحدث الكبير يزيد بن هارون شيخ الإمام أحمد.
وقد احتفلت اليونسكو بمرور ١٥٠٠ سنة على إنشاء المدينة وقد كانت من القرن السادس عشر إلى بدايات القرن العشرين عاصمة دولة «خانات بخارى»، والخانات هم الملوك بلغتهم. وفي سنة ١٨٦٨م جعلها الروس مقاطعة من إمبراطوريتهم البائدة، وفي سنة ١٩٢٠م بعد ثورة البلاشفة اللعينة صار اسمها «جمهورية بخاري الشعبية السوفيتية»، ثم «جمهورية بخارى الاشتراكية السوفيتية»، وقسمت بموجب الحدود التي وضعها الهالك «ستالين» بين أوزبكستان وطاجيکستان وترکمانستان وذلك بعد أن ألغي إقليم آسيا الوسطى سنة ١٩٢٤م.
وفي بخارى بقايا لعرب قدماء وفدوا على المنطقة دعاة وتجارًا، وأسرى مع تيمورلنك !!
آثار عظيمة
أما سمرقند فقد تيارى المؤرخون في إظهار حسنها وأهميتها، فقد قال ابن بطوطة: « إنها من أكبر المدن، وأتمها جمالًا.. وكانت تضم قصورًا عظيمة وعمارة تنبئ عن همم أهلها». وقال القزويني: «وليس على وجه الأرض مدينة اطيب ولا انزه ولا أحسن من سمرقند».
وفتحت على يد قتيبة بن مسلم الباهلي سنة ٨٧هـ / ٧٠٥م، ثم ملكها السامانيون بتقويض من المأمون العباسي، ثم توالى عليها الحكام إلى أن خرّبها المغول، ثم بعد إسلامهم عمروها، واتخذها تيمورلنك عاصمة لملكه، ونقل إليها الصناع وأرباب الحرف، وشيّد فيها قصورًا جليلة وآثارًا جميلة.
ثم خضعت سمرقند لحكم الشيبانيين لمدة قرنين ونصف ثم جرت عليها أحوال إلى أن ملكها الروس في القرن التاسع عشر والبلاشفة في القرن العشرين.
كانت سمرقند و بخارى قاعدتين لنشر الإسلام قديمًا في الصين والهند وروسيا، حتى أن دوق روسيا كان يدفع الجزية سنويًا لأمير بخارى!!
وسمرقند اليوم ثاني مدن اوزبکستان بعد طشقند، وفيها صناعات متعددة، ومراكز للبحث العلمي، ومعاهد علمية وتجارية.
ومن أعظم من ملك سمرقند «أُلغ بيك» وهو حفيد تيمورلنك، وكان محبًا للثقافة والفنون والعلوم والعمران، وأتى لها بالعلماء من كل حدب وصوب، وكان هو نفسه عالمًا فلكيًا ومدرسًا للرياضيات، وبني مدرسة عليا للطلاب يدرسون فيها العلوم كافة، ومن أهم آثاره المرصد الفلكي الضخم المهم، الذي لم يكن مثله في العالم كله، وقد اكتشف الروس ما تبقى منه سنة ١٩٠٨م، ورمموه بعد سنة ١٩٢٠م وبنوا بجواره متحفًا يحوي كتب الفلك النادرة.
وقد احتفلت اليونسكو بمرور ٢٧٥٠ عامًا على تأسيس المدينةَ!!
ومن العجب الذي يستحق أن ينوه به أن نجم الدين عمر بن محمد النسفي « المتوفى سنة ٥٣٧هـ» ألف كتابًا سماه «القند في ذكر علماء سمرقند» ذكر فيه بضعة آلاف من تراجم علماء سمرقندَ!! فسبحان الله كم أخرجت المنطقة من علماء.
بلاد الشاش
أما طشقند فقد كانت تسمى بلاد الشاش قديمًا، وأخرجت علماء كثيرين، على رأسهم الإمام القفال الشاشي الشافعي المشهور المدفون في طشقند وقبره فيها معروف اليوم ظاهر يزار.
وهي اليوم عاصمة أوزبكستان، وقد كانت سمرقند هي عاصمة التركستان، لكن الروس نقلوا العاصمة إلى طشقند، لأن أهل سمرقند رفضوا تغير الطابع الإسلامي لمدينتهم لما احتلها الروس، وهناك سبب آخر ألا وهو أن سكان طشقند يكثر فيهم الروس. وطشقند فيها اليوم أكبر مجمع صناعي في آسيا الوسطى، وعدد سكانها يربو على المليونين ونصف المليون بحسب إحصاء سنة ١٩٩٥م.
وقد استقلت أوزبكستان عن الاتحاد السوفييتي الهالك بعد عقود من الظلام، وقد كانت قبل تحت الاحتلال الروسي القيصري، الذي أخذ البلاد واستعبد العباد باسم المسيحية المحرفة، ولقد جاء في المجلة الرسمية لإدارة مسلمي أوزبكستان، وهي الإدارة المشرفة على الشؤون الدينية في اوزبكستان، جاء فيها ما يلي على لسان القياصرة: «نحن إن نصرنا الشعوب المحلية نكون رفعناهم إلى مستوانا ويصيرون إخواننا»، وبالطبع فهم لا يريدون ذلك، لذلك قالوا ما يلي: «مع إجازة الشعوب المحلية لتمسكهم بدينهم يلزم تنفيذ سياسة الترويس تدريجيًا، فليبق المسلم المتعلم الروسية على جهله فلا يتكلم بالروسية كيفما كان، وليحس بالخجل لركاكته، فلا يرتعش أمام والٍ فقط بل أمام كل موظف»، ومعذرة على ركَّاكة الكلام لكني أنقله كما وجدته.
أما الروس الشيوعيون البلاشفة فانظر ماذا قالت المجلة الأوزبكية الرسمية عن عهدهم البائد:
إن النظام الشيوعي السوفييتي نفد سياسة استئصال الدين؛ لأن الفكرة الشيوعية كانت مؤسسة على الكفر، والشيوعيون كانوا يرون السعادة في التجرد من كل الأديان، وعلى هذا بعد ظفرهم بالسلطة وتوطيد موقعهم قليلًا في مدة قصيرة عطلوا المساجد والمدارس، وعاقبوا واضطهدوا العلماء، انتهب واجتيح تراث علمي ثقافي غني مصون في المساجد والمدارس والمكاتب وبين يدي الناس عبر القرون وأُعلن الشعب - المنجب أساتذة في جميع مجالات العلوم - أميًّا.
وفي الواقع سنة ۱۹۱۱م في طشقند.. كانت هناك ثلاثمائة وتسعة وأربعون مسجدًا مع مدرسة، وست وعشرون مدرسة منفصلة، وفيما بعد هدمت تلك المساجد والمدارس حتى أبنيتها، وصُيرت المحفوظة منها إلى مخازن وحظائر خنازير ومتاحف الملحدين وبيوت دعايتهم».
خطر وخيم، وقالت المجلة أيضًا: «النظام الذي عشنا فيه بالأمس الحق بإلحاده المصائب الخطيرة بالمجتمع البشري، وإنّ تأسيس عقيدته على الإلحاد نفسه يظهر درجة خطره الوخيم على حياة بني آدم، وبعبارة أخرى: أن النوايا الشيوعية المنكِرّة للأشياء غير المرئية كانت مؤسسة على عدم الاعتراف بالله تعالى، وحاولت إزالة إيمان الإنسانية بالخالق عز وجل».
هذا بعض ما قالته المجلة التي صدرت في الذكرى العاشرة لاستقلال الجمهورية سنة ٢٠٠١م، وكانت اوزبکستان قد استقلت سنة ١٩٩١م وانعتقت من نير الشيوعية للأبد بفضل الله تعالى.
وإن جرائم الروس القياصرة ومن بعدهم السوفييت في آسيا الوسطى عامة وفي أوزبكستان خاصة لا تعد ولا تحصى، وإن التاريخ لن ينسى أبدًا أن الروس قد جَهلوا شعوب المنطقة، وأبعدوها عن دينها وإسلامها عقودًا طويلة، وقتلوا كثيرًا منهم، وهجروا كثيرًا منهم عن ديارهم، وفرقوا شمل الأسر، واختطفوا الأب من بين أهله، والولد من بين أبيه وأمه، ونهبوا ثروات المنطقة، وفعلوا بها كل قبيح، وإنه لابد سيأتي يوم يحاكم فيه شعوب المنطقة هؤلاء المعتدين في محاكمة عادلة، وعندئذ يخسر المبطلون، وإن غدًا لناظره قريب.
سكوت العالم
ولئن سأل سائل: أين العالم كله مما جرى للمسلمين على مدى مائة وثلاثين عامًا تقريبًا؟
والجواب: إن سبب سكوت العالم واضح وذلك لأنهم مسلمون، والمسلمون كما هو معلوم لا بواكي لهم، ينتقص من يشاء أرضهم وينتهك عرضهم، وما من سامع ولا مجيب.
وإن الدليل الحاضر على ما أقول مائل بين أعيننا اليوم في تركستان الشرقية وهم أشقاء التركستانيين الغربيين، بل هم شعب واحد، احتل الروس غربه والصين شرقه، فتركستان الشرقية اليوم تحت الحكم الصيني البغيض، الذي حول اسمها لتكون «سنكيانج»- أي الأرض الجديدة – وأعدم قادتها، ونهب ثرواتها، وهم اليوم مضيّق عليهم غاية التضييق، وأسال القراء: متى سمعتم في الأخبار عن تركستان الشرقية؟ ومتى طرقت أذانكم أخبار إخوانكم هنالك؟ إن الأخبار عنهم نزرة بل نادرة، وذلك لأنهم مسلمون، ولو كانوا تصاري أو يهودًا لملئت آذاننا ضجيجًا وصياحًا وعويلًا، هذه هي الحقيقة وهذه هي ديمقراطية الغرب والشرق المزعومة، وهذه حقوق الإنسان المدعاة التي يرفعون لافتتها عالية إذا شاؤوا ويعمون عنها وقتما يريدون، وما هي إلا مصالح، وإنما تؤخذ الدنيا غلابًا، والله الموفق .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل