العنوان أيام في لندن (2)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 15-مارس-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1793
نشر في الصفحة 40
السبت 15-مارس-2008
زرت المتحف البريطاني الذي أنشئ منذ ٢٥٠ عامًا ويضم تواريخ بلدان كثيرة احتلتها إنجلترا في الماضي.
القسم الإسلامي بالمتحف يحتاج إلى دعم أثرياء المسلمين لجلب مقتنيات جديدة تعوضه عن الفقر الذي يعانيه في التحف المعروضة.
مطلوب من الدول والهيئات الإسلامية العناية بالقسم الإسلامي حتى يكون وسيلة للدعوة إلى الله تعالى وعرضًا رائعًا لحضارة الإسلام ومنجزاته العظيمة.
ألقيت محاضرة باللغة الإنجليزية في مسجد البنغاليين شرق لندن وهو أضخم مسجد في أوروبا حيث يتسع لأكثر من ١٠ آلاف مصل.
شددت الرحال إلى العاصمة البريطانية من أجل التسجيل في قناة «الحوار» اللندنية واخترت أن أتحدث في التاريخ الحديث، وكنت قد ابتدأت ذلك بسلسلة الحملة الفرنسية على مصر ثم في هذه المرة أخذت في تسجيل حلقات سلسلة «الحملة الفرنسية على الجزائر».
وذلك لأن التاريخ الحديث يبدأ بالحملة الفرنسية على مصر سنة (۱۲۱۱هـ ۱۷۹۹م)، ويتلو هذه الحملة في الترتيب الزمني حملة فريزر البريطانية على مصر سنة (١٢١٩هـ - ١٨٠٧م) لكنها كانت حملة فاشلة وسأتحدث عنها عند الحديث على الحملة البريطانية على مصر سنة (١٢٩٧هـ - ۱۸۸۲م)، ثم تلت الحملة الفرنسية على مصر الحملة الفرنسية على الجزائر سنة (١٢٤١هـ -۱۸۳۰م).
جوانب تاريخية
وقد اخترت الحديث عن التاريخ الحديث لجملة أمور منها:
١- إن مجتمعاتنا العربية قد عرفت - على وجه من وجوه المعرفة - جوانب من التاريخ القديم والأوسط لكن معرفتها بالتاريخ الحديث ضعيفة أو منعدمة في بعض جوانب ذلك التاريخ أو كله، وهذا أمر ملاحظ، وقد تأكد لدي في الحملة الفرنسية على الجزائر فإن فيها صفحات كثيرة مجهولة عند أغلب مسلمي عصرنا.
٢- هناك تعتيم إعلامي كبير على ما جرى في العصر الحديث لأسباب سياسية وغير سياسية فيكون الكشف عنه من مهمات هذا العصر.
3- المجتمعات العربية والإسلامية مازالت تعاني من آثار تلك الأحداث إلى يوم الناس هذا، فمن الحملة الفرنسية على مصر ابتدأ ما يعرف بعصر التنوير التزوير» في مصر، ومازلنا نعيش في آثاره إلى يوم الناس هذا، وعلى هذا فلابد من كشف كل الأحداث التي صنعت التاريخ الحديث بجلاء وعرضها على الناس بكل ما أمكن من الوضوح مصحوبة بالعبر والعظات.
ولهذه الأسباب ولغيرها ذهبت إلى لندن التسجيل حلقات الحملة الفرنسية على الجزائر»، وأسأل الله التوفيق في القول والعمل.
زيارة المتاحف
وانتهزت فرصة وجودي الأزور المتاحف فبدأت بالمتحف البريطاني الذي يجمع تواريخ شعوب كثيرة، ولاجرم فقد كانت بريطانيا - في زمن قوتها - قد استولت على بلدان كثيرة وتحكمت في ثرواتها وامتصت خيراتها، وسلبت شعوبها حرياتها وكرامتها فلذلك كان المتحف مليئاً بخيرات تلك الشعوب والبلدان. وهذا المتحف قديم فله الآن قرابة مائتين وخمسين سنة، وملت نحو القسم الإسلامي كما سموه فأدهشني أمران:
الأول منهما أني وجدت لوحة شكر على باب المتحف تذكر أن هذا المتحف ما كان ليكون لولا فضل السيد فلان بن فلان عضو المتحف البريطاني من أواسط السبعينيات إلى أواسط الثمانينيات، فعجبت وقلت أين أثرياء المسلمين وتجارهم الكبار من هذا القسم من المتحف فكيف لا يثرونه ولا يجلبون له مثل ما جلب له هذا البريطاني أو يزيد؟! وظهر لي مدى التقصير في جنب إسلامنا وأمتنا.
الأمر الآخر الذي لفت نظري هو الفقر الذي يعانيه القسم الإسلامي من المتحف إذ إن جله هو من فارس والهند ومن التصاوير التي كانت في المرحلة المتأخرة من تاريخ الإسلام الذي لا يقر هذه التصاوير ولا يرتضيها، وكان فيه شيء قليل من مصر زمان المماليك، وكان ينبغي العناية بهذا القسم من المتحف عناية بالغة من قبل الدول والهيئات الإسلامية أو من تاجر غني ينتدب لإصلاح هذا الأمر وذلك لأن المتحف البريطاني يزوره الملايين من الناس كل عام، ولو عني بالقسم الإسلامي منه لكان وسيلة جليلة للدعوة إلى الله تعالى ولكان عرضًا رائعًا لحضارة الإسلام ومنجزاتها العظيمة.
وقد أعجبني في المتحف النظافة والنظام والترتيب الذي يكسو كل زاوية منه.
ثم زرت متحف مدام توسو وهو متحف للشمع صنع أصله امرأة فرنسية تدعى مدام توسو في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وزيد عليه بعد ذلك زيادات متنوعة إلى يومنا هذا وهو متحف يجسد الأشخاص على هيئاتهم تمامًا من شمع وهذا محرم في شرعنا كما هو معلوم، ومن أهم ما رأيته كان الذي جسدته مدام توسو من بعض أحداث الثورة الفرنسية والمظالم الكثيرة التي حدثت فيها، وكذلك كان القطار الصغير الذي جعلوه يدور في حلقة يعرض في زواياها مشاهد من لندن القديمة والصناعات التي كانت آنذاك، وبعض المهن والحرف وهي مشاهد محببة لطيفة خاصة لمحبي التاريخ وعشاقه.
أضخم مساجد أوروبا
وقد دعيت لإلقاء محاضرة باللغة الإنجليزية في مسجد البنغاليين شرق لندن وهو مسجد ضخم بل هو أضخم مسجد في أوروبا؛ إذ يمكن أن يجتمع فيه عشرة آلاف مصل، وفيه قاعات للدرس ومكاتب فهو بناء ضخم جليل ومعلم إسلامي جميل، وقد زرته من قبل، وتحدثت للمصلين فيه، وفي هذه المرة اخترت أن أحدثهم عن مريم جميلة، تلك المرأة اليهودية الألمانية الأمريكية، وقد ولدت في نيويورك سنة ١٩٣٤م ثم بعد رحلة طويلة في البحث والقراءة هداها الله للإسلام سنة ١٣٨١هـ ١٩٦١م، وحسن إسلامها جدًا، وواجهت بلايا ورزايا وعرض عليها الأستاذ المودودي - يرحمه الله - أن تنتقل للعيش في لاهور فذهبت سنة (١٣٨٢هـ ١٩٦٢م)، ومازالت تعيش في لاهور إلى يوم الناس هذا في قصة جليلة عظيمة وقد تفاعل المصلون مع القصة إذ كانت مناسبة لأحوالهم، ولقد تحدثت مرات عديدة عن قصة هذه المرأة الجليلة وذلك لما فيها من عبر وعظات كثيرة، ولأن المسلمين - في العادة - يهمهم معرفة قصص المهتدين الجدد من الغربيين خاصة، وهي تؤثر فيهم كثيرًا.
واجتمعت في غرفة بالجامع بالأستاذ عبد الباري وهو رئيس المجلس الإسلامي البريطاني mcb وكان معه مساعده وتحدثنا في هموم المجلس وشؤونه وجرنا الحديث إلى قضية مهمة اختلفت فيها وجهات الأنظار - وما كان ينبغي لها أن تختلف - ألا وهي قضية مشاركة المجلس الإسلامي في ذكرى الهولوكوست اليهودي!!. وهو الاحتفال بذكرى المحرقة التي يزعمون أن هتلر حرق اليهود وفيها. وسألت الأستاذ عن سبب ذلك فقال: إن هناك ضغطًا كبيرًا من جهات في الحكومة لحضور هذا اللقاء ثم إن الأمر طرح في المجلس ووافق عليه الأعضاء بغالبية الأصوات فقلت: إن هذا الأمر من المبادئ التي لا ينبغي أن تطرح للشورى وحضورنا ملتقى الهولوكوست اليهودي فيه ما فيه. والصهاينة اليوم يأتون من المذابح في فلسطين ومن العظائم ما يفوق الهولوكوست المزعوم فأين اعترافهم بمذابحنا؟ لكني وجدت الأمر قد أُبرم وأن قرار حضورهم قد فرغ منه. لكنهم سيرسلون مندوبًا عنهم يمثلهم وليس هو في مرتبة عالية في المجلس.
دعم واجب
هذا وقد ذهبت في هذه المرة إلى مدرسة لتعليم الشريعة والعربية يقوم عليها الأستاذ المجتهد أحمد عامره - حفظه الله - وطلب مني أن أتحدث إلى الأساتذة والطلاب، فتحدثت حديثًا موجزًا بالإنجليزية - التي لا يحسن عامة الطلاب غيرها - وبينت للطلاب المنزلة الرفيعة الطالب العلم في الإسلام وبينت لهم أهمية النية الصحيحة في طلب العلم والإخلاص فيه، وذكرت لهم أنه ينبغي عليهم أن يسألوا أنفسهم دومًا: لماذا هم في هذه المدرسة؟ وما الذي يدرسونه؟ وماذا سيصنعون بعلمهم هذا إذا تخرجوا في المدرسة وخرجوا إلى الناس؟ وكيف سيطبقون علمهم هذا وينشرونه؟ ثم إنه شاركني في الحديث بعض الأساتذة جزاهم الله خيرًا، وهذا المعهد يقوم على ثغرة مهمة لكنه متعثر شيئًا ما بسبب الغلاء الفاحش في لندن ولضيق ذات يد أكثر الطلاب، وللأسف إن معهدًا كهذا لا يجد من أصحاب الأموال في بريطانيا من المسلمين وهم كثير من يعاون ويساعد في إقامته وفي بريطانيا أثرياء من المسلمين هم قادرون على الوفاء بكل متطلبات هذا المعهد، لكن انصرفت همم المنفقين منهم إلى غير ذلك، فعسى الله أن يأتي بالفرج.