; أيام في ليبيا(1) | مجلة المجتمع

العنوان أيام في ليبيا(1)

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2008

مشاهدات 103

نشر في العدد 1827

نشر في الصفحة 40

السبت 15-نوفمبر-2008

  • رغم الرحلة الشاقة ذهابًا وإيابًا سافرت لأجدد العهد الذي انقطع منذ أكثر من مائة سنة.
  • انفرجت أسارير مسؤول الحدود الليبي عندما عرف أقاربي
  • سافرت إلى بنغازي وقضيت ستة أيام جميلة. 
  • من أجل أريحية القوم هانت كل المصاعب وزالت العقبات. 

شددْتُ الرحال إلى ليبيا عام 1415هـ / ١٩٩٥م، وذلك لزيارة بعض الأقارب، وقد كان الحظر الجوي ساريًا مشددًا على الأجواء الليبية, فذهبت إليها بالحافلة «الباص» من «القاهرة» إلى «الإسكندرية»، ثم إلى«السلوم» من منفذ «المساعد» الليبي، وكانت رحلة شاقة ذهابًا وإيابًا، لكني احتسبت هذه الخطوات صلة للرحم، وأرجو ثوابها إن شاء الله، خاصة أني قد أصابتني محنة عقب عودتي من هذه الرحلة عانيت من آثارها طويلًا، وقد سألت الله أن تكون نصيبي من البلاء وممحصة للخطايا، ورافعة للدرجات.

ومن الطرائف في رحلة الذهاب, أني كنت جالسًا في الحافلة بجوار رجل عربي قُح من قبيلة «أولاد علي» وهو مصري بدوي السحنة والسمت والكلام, قد حنكته التجارب والأيام، فأنست به وأنس بي، وكان قد رأى بين يدي كتابًا فنصحني بأن ألقيه!! فتعجبت، وسألته عن السبب، فقال: إنهم- في ليبيا- لن يرحبوا به، فقلت: إنه كتاب في التاريخ القديم وليس كتاب سياسة، ولا خطر منه! فلم يقتنع بإجابتي، فقلت له: إذ لم يعجبهم فليلقوه هم، فقال لي: أخشى أن يلقوا بك معه!! فعجبت من وجله, وتأثرت من بعض النظم العربية التي زرعت الخوف في قلوب الناس إلى هذا الحد، وحدت من حرياتهم إلى درجة قد لا تصدق أحيانًا، فأنهيت الحديث معه بأن قلت له: إن هذا الكتاب مؤنس لي في سفري، ولا سبيل إلى التخلص منه، وليكن ما يكون، أما الكتاب فهو كتاب: «الروضتين في أخبار الدولتين» للإمام أبي شامة المقدسي عليه رحمة الله، ويعني بالدولتين الدولة الزنكية، والدولة الأيوبية. وهو الكتاب الذي لم أقرأ مثله في موضوعه في حياتي, بل لم أقرأ مثله مطلقًا، وأثر فيّ تأثيرًا بالغًا، وسأتحدث عنه في مكان آخر إن شاء الله تعالى، وقد شرُفت باختصاره، ولله الحمد والمنة.

انفراج الأسارير

وقدمنا على الحدود المصرية.. «السلوم»، ومكثنا فيها مدة ليست بالقصيرة حتى فرغ موظفو الجمارك والجوازات مما يريدونه منا, هذا والحافلة مليئة بالناس, ودخلت الحافلة الحدود الليبية، وقبل أن تصل إلى «المساعد» صعد إليها رجل بلباس مدني فجمع جوازات غير الليبيين، وغاب قليلًا، ثم عاد مكفهرًا وجهه، عابسًا إلى الغاية، وجاءني فبادرني قائلًا: لماذا جئت إلى بلادنا وأنت عسكري؟! فعلمت أنه قد نظر إلى نجمة قائد الطائرة على كتفي في صورة الجواز، لكنه لم ينظر إلى خانة المهنة، فبينت له أني طيار مدني، وليس لي علاقة بالعسكرية؛ لكنه بقي على اكفهراره وعبوسه، ثم قال لي: لم جئت؟! فقلت: جئت لأزور بعض قرابتي، فقال: سمّ لي بعضهم, فسميت له أحدهم وهو في مكان قصي في جنوب ليبيا، فما إن سمع بالاسم إلا وانفرجت أساريره، وابتسم وليس له عهد بالابتسام منذ صعد إلى الحافلة أول مرة، ثم قال: مرحبًا بك في بلدك وبين أهلك!! فعجبت والله, من سرعة تحوله, ومن معرفته بقريبي هذا رغم أنه في مكان قصي، ورحمت من كان في مثل موضعي وليس له قريب تنفرج به أسارير أخينا هذا، غفر الله له وهداه.

ثم دخلت الحافل «المساعد» ونزلنا, وبينما أنا واقف مع الناس في الصف، إذا برجل يقترب مني قائلًا: فلان؟ فلما أجبته بالإيجاب حضنني بقوة وأنا لا أعرفه ، وقال: أهلًا بابن عمي!! فإذا به قريب لقريبي هذا الذي جئت من أجله، وقريب قريبي قريبي هذا وأنا لا أعرف أحدًا منهما؛ إنما جئت مجددًا العهد الذي انقطع منذ أكثر من مائة سنة!! وذلك لأن قرابتي هؤلاء قد انقطعت الصلة بين أجدادي وأجدادهم من قبل الحرب الإيطالية الليبية سنة ١٩١١م، بل قبل ذلك بأكثر من نصف قرن!! فكلمة ابن عمي التي خرجت من فم قريبي هذا هي كلمة مجازية، وعلى أي حال فقد أخرجني من الصف وجاء بي إلى نافذة فيها موظف الجوازات وختم لي جوازي، ثم أخذني إلى الجمارك لتفتيش حقائبي فبادرهم بالقول: إن هذا هو ابن عمي «الشريف» الذي قد حدثتكم عنه، فجئته بالحقائب لتفتيشها فما كان من الموظف إلا أن قال لي: أنتم أسياد البلاد فلا نفتشكم، فتفضل بالدخول!! فتذكرت صاحبي المصري الذي في الحافلة ونصيحته لي بإلقاء الكتاب !!

وحمدت الله على ذلك, وخرجت فإذا بقريبي هذا قد جاء وجاء معه عدد آخر من قرابتي البعيدين جدًا، وهنا يمكن اجتماع النقيضين: البعد, والقرب!! فراعني منهم إخباري بأن لهم أربعًا وعشرين ساعة في الحدود ينتظرونني, والسبب هو حدوث خطأ في إبلاغهم موعد وصولي, إذ قد ضربت لهم بالهاتف من «جدة» موعدًا وسمعوا مني غيره، أو إني نطقت به خطأ فالله أعلم، فخجلت منهم لأن الهواء كان باردًا وهم قد ناموا في السيارة التي في الخلاء، فجزاهم الله خيرًا.

وكان وصولي إلى الحدود في الليل، واضطررنا للمسير مباشرة إلى بنغازي في رحلة مسافتها ثمانمائة كيلو متر!! وهذا الذي لم أكن أريده بعد تعب الحافلة لكن ما باليد حيلة، وما وصلت بنغازي إلا قرب الفجر وقد كان الطريق ذا حواجز أمنية متعددة, وذلك لأن «ليبيا» آنذاك قد حصلت فيها مواجهة بين الحكومة والإسلاميين، وكان العسكر يوقفون السيارة فإذا عرفوا من معي سمحوا لها بالمرور، وإلا أخذوا مني الجواز وأيقوني بالسيارة ودلفوا إلى قسم الشرطة مع قرابتي، وغابوا قليلًا ثم عادوا معتذرين خجلين، فجزاهم الله خيرًا.

وصلت بنغازي قرب الفجر وما أن أُذن للصلاة حتى صليت ونمت، حيث كنت بأمس الحاجة إلى الراحة، لكني فوجئت بقريبي هذا الذي جئت من أجله ومن أجل سائر القرابة يوقظني قرابة التاسعة صباحًا ويُنحي عليّ باللائمة مازحًا، ويقول لي: إنك لم تأت هنا لتنام، قم للإفطار يا «سي محمد»، فاستيقظت مكرهًا ولم يمكنني مخالفته، وهنا يحسن إيراد قول الشاعر:

 قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه

         فقلت: اطبخوا لي جبة وقميصًا

 فما كان لي من حاجة بالإفطار، وكنت أريد النوم لكن ما باليد حيلة.

أجمل أيام

وقد بقيت في ليبيا ستة أيام فلا أكتمكم القول إنها كانت من أجمل الأيام التي عشتها لا لجمال البلاد فهي- في الغالب- صحراء مثل بلادي، ولا لجمال المباني فقد كانت تذكرني بمباني «جدة» قبل أربعين سنة، ولا لشيء إلا لأريحية القوم وحسن استقبالهم الضيف، وعنايتهم به إلى الغاية, ولسهولة طرائق عيشهم وعدم تكلفهم لشيء يفعلونه، فما هو إلا اليسر والسهولة والرفق, وقد زرت كثيرًا من الناس، وزارني الكثير, فلم أجد عند أحدهم كبرًا ولا انتفاخًا ولا استعلاءً على الآخرين هذا على كثرة من رأيتهم واجتمعت بهم، والقوم يحبون الجلوس على الأرض، وهذا دال على التواضع ولاشك, وقد كان هذا دأب سيد المتواضعين رسولنا ﷺ، ويجلسون الساعات الطوال فلا يلحقهم کلال ولا ملال ولا تبرم بشيء؛ إنما هو الرضا والسكينة، وهذا مما لم أره في شعب قط إلا أن يكون شعب «اليمن»، ففيهم قرب من الليبيين في هذا الأمر.

وقد سافرت مسافات طويلة في سيارة متوسطة، لا فارهة ولا سيئة، ذات مقاعد سبعة غير مقعد السائق، وكانت السيارة مليئة بقرابتي هؤلاء فإذا أركبوني السيارة وسألتهم عن وجهتهم، قالوا: قريبة هي يا «سي محمد»، فإذا بها تبلغ في بعض الأحيان ثمانمائة كيلومتر!! فعجبت من صبرهم وبعدهم عن الملل، وكان الملل يصيبني في بعض الأحيان ولم أره قط يطرقهم، وإذا ركبوا في السيارة حدث بعضهم بعضًا حديثًا طويلًا أفهم بعضه ويغيب عني أكثره، وأراهم يحدثون السائق ويجاذبونه أطراف الحديث, ويتحببون إليه ويدخلون عليه السرور، كأنه واحد منهم لا يختلف عنهم في شيء، فإذا نزلنا للطعام طعم معنا، وإذا رقدنا رقد بيننا, فتذكرت السائقين عندنا في الخليج وتعاملهم معنا!! وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1828

72

السبت 22-نوفمبر-2008

أيام في ليبيا (2)