العنوان أيام وليالٍ في البوسنة: مأساة الأطفال في البوسنة والهرسك
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
مشاهدات 59
نشر في العدد 1024
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
تعتقد أم يوسف
(منورة مصطفى) والتي تتمنى أن تزور مكة قلب الإسلام- كما تقول- أن الأطفال
البوسنويين سيعودون من جديد ليمارسوا لعبة (جمورا) وهي ما يتعارف عليها
عندنا في العالم العربي بلعبة (الاستغماية أو الغميضة) ونسميها في
الكويت (عماكور).
وذلك حالما تضع
الحرب أوزارها، لكننا في الحقيقة عندما كنا راجعين في ليلة الجمعة الرابع من
سبتمبر الماضي وجدنا تحت مبنى سكننا (والذي يمر من تحته فرع صغير لنهر
اللاشفا) (3) أطفال يلعبون لعبة أطفال بوسنوية تسمى سكريفتش (لبيدة) عندما
استوقفناهم (أنتم في حرب ونحن في الليل، وقد بدأ وقت حظر التجول) ابتسموا
وتابعوا لعبتهم، قال صديقي: يعتقدون أن الحرب للكبار.
قلت لصديقي:
ليتهم يعرفون أن الصرب لا يفرقون بين الصغار والكبار.
أما السيدة (جنانا)
مديرة ملجأ (جاجي دوم) في مدينة ترافينك (90 كيلو
متر شمال غرب سراييفو) والتي استقبلت ليلة الرابع من سبتمبر (3500) لاجئ
من مدينة بنيالوكا تقول: إنه لا يوجد لدينا أكل، ومنذ الصباح الباكر
ونحن نترجى الصليب الأحمر الكرواتي (كاريتاس) أن يوفر لنا ما نريد،
لقد فوجئنا عدة مرات بإعلان على جمعية (الكارثياسي) بأن المساعدات لا
تقدم للمسلمين، وهنا في الملجأ لا يوجد غيري وأطلب من الفتيات اللاجئات
مساعدتي.
وقبل أن نصل إلى
الملجأ رأينا أطفالا بوسنويين أيتامًا ولاجئين يسيرون في طوابير إلى
مطعم قد هيأته هيئة الإغاثة السعودية في مدينة ترافينك (المحاصرة حاليًا)
عندما دخلنا الملجأ قامت السيدة جنانا بتقديم أصغر طفل وصل الليلة
السابقة وعمره (10) أشهر وهو يتيم.
عندما مررت بوجوه
(حسين باغ، ونصفت واديساء والما (تفاحة) وياسناد زادا وسانيل واميلا
وعدنان وسمير) مجموعة أطفال تذكرت أطفال الكويت أثناء الغزو،
انتزعت نفسي من الانفعالات لأبدأ حوارًا مناسبًا بلغة وعقلية الأطفال عن
شعورهم واختلاجات أنفسهم مع ما رأوه من مشاهد وجرائم.
عدنان: أنا أكره
الصرب، سأدافع عن البوسنة هكذا قالها عدنان بإصرار، عمره الصغير لم يثنه
من قول الحقيقة وهو مطرود من منطقة مودريكا، والتي سقطت قبل شهرين وهو
لا يشعر بنقص الآن لأنه بين البوسنويين.
أما سمير (في
الثالث الابتدائي) فهو من مدينة سانكي موسك وصل الليلة الماضية(4/9)
قال لقد رأيت بيتنا وهو
يحترق أخرجونا منه الصرب، وسمعنا إطلاق الرصاص والمدافع، جميعنا والقرى
التي حولنا نزحنا من هناك.
أما (الما) تقول
إن الصرب سرقوا دراجتي، وأتمنى أن أعود لألعب ألعابنا الشعبية
لقد أحرقوا قريتنا.
(حسين باغ): لقد
كنا نخاف أن يأكلنا الصرب ونحن نهرب في الطريق خارج قريتنا، مازلت أتذكر
كثيرًا في منزلنا وهم يشعلونها فيه.
تقول سوني وقد
التقينا فيها في مدينة سبليت بأن ابنها سمير لا تعلم عنه شيئًا منذ
أربعة أشهر، لقد كان هناك في قريتنا كثيرون اعتقلوا (25)، منهم طفل آخر
اسمه سمير أيضًا، وهو في الصف الأول الابتدائي، وعمره ثماني سنوات يقول
إني أخاف من الجتنيك (المتوحشون الصربيون) وهو مصاب بصدمة، لكنه يؤكد
بلسان الطفولة أنه سيقاوم، وسيحرر البوسنة.
السيدة سونجا
هربت من معتقل برتوبل، وتاهت في الغابات لمدة ستة أيام، وكان معها طفل
عمره أشهر، تقول إنهم يغتصبون الفتيات دون الثالثة عشر ومازال زوجها
في المعتقل.
في سبليت تؤكد
المعلومات الحكومية بأن هناك أكثر من (1300) طفل مسلم رضيع وصلوا
ألمانيا، ووزعوا على ستة عشر ولاية، وذلك بنهاية أغسطس الماضي فقط،
أما الفاتيكان فإن الإحصائية الرسمية تؤكد أن هناك أكثر من (3000) طفل
بوسنوي قد وصلوا هناك.
وفي نقلة إيجابية
تقدم الهيئات الإسلامية بالرعاية أكثر من (3000) طفل مسلم في كرواتيا، إلا
أن سيل الأطفال مازال يتدفق على الدول الأوروبية، في حين يموت الكثيرون في
قراهم ومدنهم، وجزء منهم يموت قبل أن يصل.
وبالرغم من
نداءات دولية بإيقاف القصف مؤقتًا على سراييفو لتغذية اليونيسيف لتقوم بمهمة توزيع
احتياجات جديدة للأطفال، إلا أن القصف الصربي لم يتوقف، وقتل
بعض الأطفال.
والسؤال هنا: هل
ستتوقف الحرب؟ وهل سيعود أطفال البوسنة ليلعبوا الجمورا- كما تحلم به
السيدة (منورة مصطفى) في المنظور القريب؟ الكبار يقولون إن ذلك مستحيل،
والصغار مازالوا يعيشون في أحلام طفولتهم.