العنوان أين تذهب أموال المخدرات ؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 955
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 20-فبراير-1990
• ثمن الغرام الواحد من الكوكايين 100 دولار
أمريكي.
• هل أصبحت سويسرا «مغسلة» للأموال الوسخة؟
• عصابات المخدرات تملك وسائل التكنولوجيا
المتطورة.
• أباطرة المخدرات يقومون بأعمال خيرية
استرضاءً للرأي العام.
عندما تصبح
المخدرات الهم الأول لعموم الأمريكيين، وعندما يعلن الكونجرس الأمريكي والبيت
الأبيض أنهما أعلنا الحرب على العدو رقم واحد للولايات المتحدة الأمريكية وهو
المخدرات، فإن ذلك يعني ببساطة أن هذه الآفة أخذت حجمًا مهولًا وأبعادًا خطيرة
جدًّا، وأن خطرها لم يعد يهدد أعداد المدمنين المتزايدة باستمرار فقط، بل تعداها
إلى الاقتصاد الوطني والدولي من واقع الأرقام الفلكية لأثمان المبيعات من مختلف
أنواع المخدرات والأرباح الطائلة التي يحققها أباطرة تجارتها والعصابات المتخصصة
فيها.
وإذا كانت تجارة
المخدرات تمتص مليارات الدولارات التي تختفي ولا يُعثر لها على أثر في التقارير
الاقتصادية الرسمية ولا في كتب الاقتصاد التي توزع على الطلاب، فإن السؤال الذي
يطرح نفسه هو: أين تذهب أموال المخدرات التي يقدرها بعض الخبراء بحوالي 300 مليار
دولار سنويًّا؟
أغلى من الذهب
لعل أهم العوامل
التي تفسر انتشار المخدرات ما تدره صناعتها والاتجار فيها من أرباح ضخمة يعجز عن
مقاومة إغراءاتها كل شقي يبحث عن الإثراء السريع، ومما يشجع كذلك على ثقلها
وترويجها أن إخفاءها أمر ميسور للغاية وغير مكلف. ولكي نأخذ فكرة عن الأرباح
المغرية التي تحققها صناعة المخدرات وتجارتها، نذكر مثلًا أن الغرام الواحد من
الكوكايين ثمنه حوالي مائة دولار أمريكي، و«الكراك» المشتق منه ثمنه أعلى من ذلك،
وتُباع الوصلة منه بمبلغ يتراوح بين خمسة دولارات وعشرين دولارًا. وقد قدرت لجنة
الكونجرس الأمريكي التي كُلِّفت بدراسة قضية المخدرات أن صافي تجارة «الكراك» يبلغ
150 بليون دولار سنويًّا، وفسرت اجتذاب المراهقين والشباب لتوزيعه وتعاطيه
بعائداته السريعة والمضمونة.
نشرت صحيفة
أمريكية أن إحدى الأمهات في واشنطن عثرت تحت وسادة ابنها على مبلغ 140 ألف دولار
وبندقيتين شبه آليتين. وفي نفس الصحيفة ذكر شاب لم يتجاوز العشرين من عمره أنه
يعتزم شراء رشاش لحماية تجارته التي تدر عليه 2300 دولار كل يوم. فإذا كانت هذه
المبالغ الضخمة من نصيب الموزعين الصغار، فإنه يمكننا أن نتصور ما يجنيه أباطرة
المخدرات والعصابات المنظمة من أرباح، إذ إن الكيلو غرام الواحد من الكوكايين الذي
يتم إنتاجه في أمريكا الجنوبية والذي يُشترى أول الأمر ببضع مئات من الدولارات
فقط، عندما يتم تقسيمه إلى وحدات صغيرة ليباع للزبائن سرًّا، تكون حصيلة ما يعود
به حوالي 25 ألف دولار، أي تقريبًا ضعف ثمن كيلو غرام من الذهب، بل قد يصل ثمن
الكيلو غرام الواحد من الكوكايين في أوروبا إلى 60 ألف دولار.
ومن هنا لا
غرابة أن يصبح أباطرة المخدرات أباطرة للمال أيضًا ومن أثرى أثرياء العالم. يقول
نيكولاس بليس وهو موظف دولي كبير والصحفي الفرنسي جان فرانسوا كوفرا في كتابهما عن
المخدرات الذي أصدرته دار النشر «هاني»: إن من تجار المخدرات أفرادًا تضارع
ثرواتهم الآن ثروات أكبر الشركات الصناعية. ويشير الكاتبان استنادًا إلى مجلة
«فوربس» الأمريكية إلى أن ترتيب عائلة روكفلر في الثراء يأتي بعد أحد تجار
المخدرات في كولومبيا. ولكن أمراء المخدرات هؤلاء لا يضعون- بالتأكيد- فوائضهم
المالية تحت المخدات، وإذا كانت دولاراتهم المتسخة لا يمكن التعامل بها في وضح
النهار؛ فأين تذهب إذن؟
صلة بالإرهاب
عالم المخدرات،
باعتباره عالمًا خارجًا عن القانون، هو على صلة وثيقة بعالم الإرهاب. وهذا العالم
الموبوء يمتص جزءًا ولو يسيرًا من تلك الأموال الطائلة، ويذهب هذا الجزء إلى
الفتوات والقتلة المأجورين، ويُصرَف على شراء الأسلحة وكل العمليات القذرة وفي
مقدمتها الرشاوي والاغتيالات للقضاة والساسة الذين يشكلون حجر عثرة أمام نماء
إمبراطوريات المخدرات. لقد سُلِّطَت الأضواء في الأشهر الأخيرة بمناسبة الحملة على
عصابات المخدرات في كولومبيا واتهام الجنرال نورييغا بأنه رئيس عصابة مخدرات على
ما يسمى «اتحاد مادلين»، وهو عبارة عن منظمة إجرامية خطيرة لأمراء المخدرات في
صورة شركة احتكارية تتخذ من مادلين مقرًّا لها. ويقول تقرير أمريكي أن هذا الاتحاد
يستخدم بصورة مباشرة أكثر من 100,000 شخص ابتداء من مزارعين وفلاحين في أمريكا
الجنوبية ووصولًا إلى خبراء في البنوك في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وقد
اعتمد هذا «الاتحاد» الإرهاب لإخضاع خصومه، فاغتال ساسة بارزين في كولومبيا و60
قاضيًا آخرهم قاضي محكمة النقض والإبرام ورئيس البوليس في مدينة مادلين. وعلى رأس
هذا الاتحاد أربعة رجال في الأربعينيات من العمر، أحدهم تم إلقاء القبض عليه عام 1987
ويقضي حكمًا بالسجن مدى الحياة في فلوريدا. وقد حققوا ثروات لم يكونوا يحلمون بها
خلال عشر سنوات؛ الشيء الذي جعلهم يعرضون على رئيس الدولة الكولومبي ملياري دولار
مساهمة منهم في سداد ديون البلاد في مقابل العفو عنهم. وقد سمحت لهم ثروتهم بإعداد
الميليشيات والإنفاق عليها وشراء الطائرات الخاصة وتوظيف ذوي المواهب الكبيرة في
مجالات البنوك العالمية والكيمياء وهندسة الوراثة وتكنولوجيا الرادار وأجهزة
الكمبيوتر. وقال عنهم رئيس دائرة مكافحة المخدرات ديفيد وشريت: «أنهم متطورون إلى
درجة بعيدة فهم يستعملون أفضل الأجهزة التكنولوجية ويتحدثون عن شراء أوقات في كوكب
اصطناعي للمواصلات للقيام بأعمالهم». وتقول مصادر أخرى أن هناك برنامج كمبيوتر
يستعمله الاتحاد لرصد تحركات رجال البوليس والجمارك الأمريكيين يتيح للاتحاد مجال
تحويل خط سير الطائرات المحملة بالكوكايين لتجنب الهبوط في المطارات الخطرة.
أعمال خيرية
واجتماعية!
لا ضير أن
تُنفِق عصابات المخدرات جزءًا ضئيلًا من أموالها في أعمال خيرية ومشاريع اجتماعية
استرضاءً للرأي العام وللطبقات الشعبية بوجه خاص، فقد قام اتحاد مادلين مثلًا
بإقامة مشروع إسكاني قليل التكلفة في مادلين وأنشأ حديقة عامة للحيوانات قربها.
وفي أوروبا يلبس تجار المخدرات لباس التقوى ويتبرعون للجمعيات والمنظمات الخيرية،
أما في البلدان الفقيرة فإن تجار المخدرات - غير المكشوفين طبعًا – يوزعون الدقيق
على الفقراء والهدايا في الأعياد والمواسم.
شركات تغطية
جزء هام من
ثروات عصابات المخدرات تُستَثمر في شركات صناعية وتجارية كتغطية على الأعمال
الحقيقية التي يمارسها أفراد هذه العصابات. وأكثر هذه الشركات هي شركات التوريد
والتصدير، لأن طبيعة نشاطها تسهل عمليات نقل المخدرات، وهكذا يمكن أن تُستثمر
الأموال الآتية من المخدرات في الصناعة والتجارة والعكس بالعكس. كذلك يقول أحد
ضباط الجندرمة الفرنسية: في كثير من الأحيان نكون عارفين بأن هذا المصرفي أو رجل
الأعمال ذاك يشتغل بالدولارات المتسخة، ولكن القانون لا يسمح لنا بالذهاب بعيدًا
للإيقاع به، [إلا] بأن نشغل أحد أعواننا بمؤسسة وهي الطريقة الوحيدة لكشفه، وقد
طبقها الأمريكيون منذ السبعينيات رغم ما في ذلك من مخاطر. ومن الأمثلة على ذلك
التي أوردتها مجلة فرنسية: «أن رجال الجمارك الفرنسيين يشكون في أن صاحب مصنع نسيج
بباريس يستثمر أمواله في الهيروين الذي يدر عليه أكثر مما يدر مصنع النسيج على ما
يبدو، ولكن تعوزهم الأدلة لاتهامه».
السرية المصرفية
الجزء الأكبر من
أموال المخدرات الهائلة تأخذ طريقها نحو البنوك المعروفة في سويسرا بالذات. وها هو
السويسري جان زيغلر الذي «أطلق صيحة إنذار» للبنوك السويسرية في كتابه المنشور
أخيرًا تحت عنوان: سويسرا تنظف أكثر؛ يصف لنا كيف تتم عملية تنظيف الدولارات
الوسخة فيقول: «إنها عملية معقدة حيث يجب مسح الآثار بتغيير العملات أكثر من مرة
ثم إعادة الاستثمار». ويضيف: «وحدها إعانة البنوك الدولية والمحامين الكبار تمكن
من هذه العمليات». وقد أصبحت سويسرا «معلمة» في هذا الميدان، وليس ذلك بسبب السرية
المصرفية المعروفة والتي يستفيد منها تجار المخدرات فقط، فالعَرَّاب الذي يريد
تنظيف أمواله يختار أولًا شركة مالية محمية، وهذه الشركة تعين محاميًا كوسيط بينها
وبين البنوك وتمنحه حرية إدارة الأموال التي يضعها في حسابات عديدة ذات أرقام، وهو
ليس ملزمًا بأن يسمى مستحقيها، إنه سر المحامي. وهكذا وبفضل السرية المصرفية تختفي
الأموال لتظهر من جديد «نظيفة». لقد دق جان زيغلر ناقوس الخطر عندما بين في كتابه
أن سويسرا أصبحت «مغسلة» للأموال العالمية الوسخة، وأنه ليس بوسع الديمقراطية أن
تواجه عصابات الجريمة المنظمة المتنامية، وكأنه يلمح بذلك إلى خوفه من أن تصبح
سويسرا رهينة أصحاب الأموال الوسخة والأموال الملوثة بدماء الأبرياء التي هربها
الدكتاتوريون أمثال ماركوس ودوفالييه وشاه إيران وتشاوشيسكو وغيرهم، إضافة إلى
أموال التزوير والمخدرات. وبقي أن نسأل سؤالًا عن موقع اليهود من هذه
الإمبراطوريات المالية الجديدة الوسخة، وهم الذين عُرفوا منذ أقدم العصور بحبهم
للذهب وتكالبهم على جمع المال بكل الوسائل والطرق واستغلالهم لقوتهم المالية من
أجل تنفيذ مآربهم الشريرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل